المثقف - قضايا

سليم الحسني: العراق.. وَهْمُ الدولة (23): تحالف المثقف مع الفساد والخرافة والطائفية

salim alhasaniتتداخل ثلاثة عناصر مع بعضها بعلاقة نسيجية متشابكة، فتصنع التدهور في العراق، ومع بقائها قائمة بقواها الحالية، فلن يكون للأمل مكان في الحاضر والمستقبل، وسيقضي هذا الجيل وما بعده حياتهم في تدهور متزايد. هذه العناصر هي الفساد، والخرافة والطائفية.

وقد نشطت هذه العناصر مع بداية العملية السياسية عام 2003، بشكل لافت، وكانت تتسع في العراق متزامنة مع بعضها البعض في نسق تصاعدي، مما يؤكد قوة العلاقة بينها، وأن كل واحد منها يتقوى بالآخرين.

 ...

هنا ينطلق سؤال مهم:

أين هو دور المثقف العراقي في مواجهة الفساد والخرافة والطائفية؟

إن المثقف العراقي حاضر في واجهة المشهد العراقي، ويعيش أجواء الحرية والديمقراطية، وأتاحت له التقنية الحديثة، أوسع مجال للنشر والتواصل مع المجتمع، كما انها وضعت تحت تصرفه آخر الأخبار والمعلومات وأدق التقارير والأبحاث والمصادر.

والى جانب ذلك فانه عاش تجربة الدكتاتورية والغربة، ثم سقوطها وقيام النظام الديمقراطي وكتابة الدستور والانتخابات والبرلمان والأحزاب، وهذه مفردات وظروف لا تتوفر لمعظم المثقفين في دول العالم. لأن فترة التحول من الدكتاتورية الى الديمقراطية لا يشهدها إلا جيل واحد من مثقفي ذلك البلد، ثم تتحول الى تاريخ يقرأه ويسمع عنه من يأتي بعده.

إن هذه المعطيات من شأنها أن تقدم جماعات من المثقفين الذين يعرفون كيف يبنون الدولة، ويؤثرون في الميدان، ليسهموا في صناعة الدولة الحديثة، والقضاء على الفساد وإزالة الخرافة من المجتمع، وإجبار المسؤول والقائد السياسي أن يحترم الشعب ويطلب رضاه.

لكن ذلك لم يحدث في العراق منذ السقوط عام 2003 وحتى الآن، ولا يوجد في آفاق المشهد العراقي ما يشير الى أن ذلك يمكن أن يحدث قريباً. بل أن الذي حدث هو المزيد من التدهور والتراجع والتخلف والخرافة والفساد.

فهل يعني ذلك ان دور المثقف العراقي في انكماش وانحسار؟

سيكون الجواب مريحاً لو كان بالإيجاب، وستكون المهمة أسهل لو كان الأمر كذلك. إنما المشكلة أخطر وأعقد وأكبر من هذا، لأن حضور المثقف من الناحية العملية في اتساع وتزايد، فأمامه الفضائيات مفتوحة تخصص له الندوات واللقاءات والحوارات، وعنده الصحافة متيسرة تزدحم بمقالاته واعمدته، وتحت تصرفه المواقع الألكترونية بما يصعب إحصاء عددها، وهذا الفيسبوك يزيد خدماته وتسهيلاته باستمرار، وهاي هي الأسماء الجديدة تظهر في الساحة الإعلامية والسياسية والثقافية. وعليه فلا مجال للحديث عن التراجع على الاطلاق. ومع ذلك فان الفشل يكبر ويزداد ويتعاظم، في ظاهرة تدعو الى التأمل. وربما يندر أن نجد لها نظيراً في دولة غير العراق. لأنها باختصار تعني أن الاتساع الثقافي العراقي، يقابله زيادة الأوضاع تردياً، وهذا ما يجعل المثقف العراقي ـ والكلام في العموم ـ يدخل دائرة الإتهام في مشاركته بكل هذه الفوضى والفشل والخراب والفساد الذي حدث ويحدث.

سأتناول في الحلقات القادمة من هذه السلسلة، دور المثقف العراقي، وأسباب فشله ـ وانا منهم طبعا ـ في منع التدهور الذي يهدد وطنه ومجتمعه، بقصد منه أو دون قصد.

 

 

للاطلاع على جميع حلقات:

العراق.. وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم ..... ماذا يستطيع المثقف أن يعمل ويصنع ويغير .... غير الكتابة وتسليط الضوء على ألآفات التي تنخر في الجسد العراقي .... أنه هنا ليس كالطبيب المشخص لحالة المريض عندما يجد العلة يصف لها الدواء أو العملية .... دور المثقف هو التشخيص وأيصال المعلومة المجردة من المصلحية للمتلقي المواطن ... ويبقى الحل والفعل بيد المواطن العراقي الذي دجن منذ أيام ألأنقلابات في عام 1963 وبالذات منذ أن قام البعث في أنقلابه في 8 شباط 1963و لحد تأريخ 9 نيسان عام ألأحتلال في 2003 ... فسيكولوجية الشعب العراقي بنيت على الرضوخ للسلطة ولم يحدث في تأريخ الشعب العراقي أن رضخ هذا الرضوخ والضعف منذ 8 شباط 1963 ... وهذا ما تثبته ألأحداث التي مرت بالعراقيين منذ ذلك التأريخ .... ألا ما حدث من أنتفاضة الشعبانية في التسعينيات من القرن الماضي ... ودلني على مظاهرة أو أنتفاضة قام بها العراقيون قبل أوبعد ألأنتفاضة الشعبانية التي أشتعلت في البصرة وأمتدت الى نصف مساحة العراق ووصلت الى أطراف بغداد العاصمة ومركز قيادة السلطة الدكتاتورية الحاكمة آنذاك... هذا أضافة الى أن المواطن العراقي أبتلي بمرض خطير ... لم يصب به من قبل ... ألا وهو فقدانه للحس الوطني والغيرة على الوطن ... وأصبح ولاؤه ليس للوطن أنما للمذهب الذي ينتمي اليه والعشيرة والقومية والطائفة ... وغلبت هذه على نفسيته ومشاعره وترك الولاء للوطن وللعراق ... فخذ مثلا أي حزب أوتيار أو حركة سياسية في العراق فسترى وتكتشف أن ولاؤها ألأول وألأخير للحزب والتيار والكتلة السياسية .. وحتى العلم العراقي الذي هو الرمز للوطن العراقي منذ أن أختلق العراق ... لم يعد ذات أهمية لهذه التيارات وألأحزاب والكتل السياسية ...وأصبح لكل حزب وتيار وحركة أعلامها الخاصة وشعاراتهم الخاصة ... في حين نرى كمثال في الحرب ألأهلية ألأمريكية بين الشماليين الفدراليين الحكوميين وبين الجنوبيين الرافضين للدستور ألأمريكي الخصمين والغريمين كانوا يحملون العلم ألأمريكي ويقاتلون تحت رايته .... فيا سيدي الكريم العلة ليس بالمثقف العراقي ولكن العلة في مفاهيم المواطن العراقي الذي لا زال البعض منه يحمل مفاهيم خاطئة في أولية الذود عن المواطنة والوطنية أم الذود عن الطائفة والمذهب والعشيرة والمناطقية ... وسنظل ندور في هذه الحلقة المفرغة الى ما لا نهاية ... مع مزيد من ألأسف .

أبو أثير / بغداد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3630 المصادف: 2016-08-13 05:30:07


Share on Myspace