المثقف - قضايا

عز الدين مزوز: تأملات في ملكوت الله

eaaldeen mzawz"إن البشر لن يجدوا أبرَّ بهم ولا احن عليهم من الله عز وجل" .. الشيخ محمد الغزالي رحمه الله

انطلاقا من هذه المقولة لإمام الوسطية الإسلامية، أردت أن اكتب هذه الكلمات التي اُبدي بها  رأي وأنا لا ادعي أنني في مستوى هذا الرجل العظيم، الذي انحني لروحه  كلما قرأت له مقالا أو فقرة أو جملة، ولست إماما خطيبا يغوص في الوعظ والإرشاد، ولا حتى من أولئك الذين يدًعون أنهم يعرفون الدين كلًه من أصحاب اللحى المحسوبين على السلفية، والسلف منهم برًاء، غير أن مساهمتي تمثل نظرتي المتواضعة لموضوع صلة الله بالعباد.

خلق الله الإنسان وخلق له الدنيا ليحي فيها، وفي هذه الدنيا خير وشر وحق وباطل، وليبتليه ويختبره فيها، وبعث الأنبياء والرسل ليُعلْموه الطريق الذي يُوصله إلى الجنة، وكيف يُسير حياته حتى لا يشقى فيها، وبما إن الإنسان ضعيف فهو لا يعرف في أغلب الأوقات طريق النجاة فتراه يُخطئ ويُصيب ويرتكب ذنوبا ومعاصي ويقصدها، ويفعل الخيرات دون تفريق ومعرفة  في أغلب الأحيان وفي أحايين أخرى يبتغي المعصية، والله تعالى يعفو عنه، ويعلم أن الإنسان سيُخطئ بالضرورة، بل خلقه غير مكتمل المعرفة وبه قصور وهذا عن قصد، ليتعلم في هذه الأرض من خلال تعميرها بالعمل ونشر المعرفة كما قال تعالى: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها} (هود:61)، والله سبحانه وتعالى عندما طلب من الإنسان أن يعمر الأرض لم يتركه تائها، بل وفر له أهم المقومات المتمثلة  في:

الأول: الإمكانات والوسائل التي يتمكن بها من عمارة الأرض.

الثاني: القدرة العقلية التي تجعله قادرا على الاستفادة من هذه الثروات، وهذه الإمكانات.

الثالث: الشعور الذي يدفع الإنسان إلى التفكير في الفعل والإنجاز.

وما دام الإنسان  في هذه الدنيا يكد ويجد ويعمل سيقع حتما في الخطأ،  لكن المطلوب منه ان يتوب ، وهذا في حد ذاته تكريم للإنسان ، ولو أراد الله من الإنسان ان يعبده فقط لخلقه مثل الملائكة وجعله يعيش في عالم متميز بأبعاد أخرى، لذلك لا بد على الإنسان أن يحمد الله على هذه النعمة، لأن الله عادل وعدله مُطلق.

وفي هذه الدنيا أكيد كلنا سنخطئ وخير الخطاءين التوابون، وهذا طبيعي جدا، عندما نتوب يغفر الله لنا، هذا وعد منه، كما قال الله جل جلاله "ٍ قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم" (الزمر 53)، لكن الشيء غير طبيعي هو عدم توبتنا وإصرارنا على المعصية.

قال الحسن البصري : انظر إلى هذا الكرم والجود ، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة ! .

من جهة أخرى فإن الله سبحانه وتعالى خلق  الكون وجعل له نظام مُحكما جدا لن يزيغ أبدا وتكفل جل جلاله بمراقبته، يقول الله عز وجل " الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض"(البقرة 255)، فالله لا يغفل عن هذا الكون العظيم الذي خلقه وسن فيه قوانين دقيقة جدا، فالسموات مخلوقات بأحجام عظيمة تفوق الخيال ، وتتجاوز محيط الأفكار ، وحدود الخواطر، إن هذه المخلوقات تُسيِر وفق خطة محكمة ، لا تتعدى حدودها المرسومة لها ، ولا تميل عن مسارها قيد أنملة. والغاية الأساسية من وُجود هذا الكون هو خدمة الإنسان، وبين الله عز وجل في القرآن الكريم أهم محدثات الكون بدءا بمصدر مادته إلى اتساع كونه بأبعاد مجراته، كما كشف للناس عن تشكل الرتق وانفطاره، وعن تكون النجوم والكواكب وتقسيمها لسبع مجموعات كونية ومن ثم خلق الحياة،كما قال عز وجل "أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون" (الأنبياء 30). بعد ذلك خلق الله الإنسان، وأجرى عليه اختبارا صغيرا ليُقيم عليه الحجة وينزله الأرض، وهو تكريما آخر حبا بـه الله الإنسان.

ثم تكاثر هذا الإنسان وشكًل مجتمعات، فأمر  الله الإنسان أن يحترم قوانين هذا الكون وسن له قوانين تُسير العلاقة التي تربط الإنسان بنفسه وبمحيطه هذه القوانين والسنن تبدو أمرة وناهية وبدون مبتغى ولكن في الحقيقة هي عكس ذلك فهي منتظمة بشكل يعجز أي مخلوق عن  فهمها ووعيها أو ينتبه لكيفية تسييرها، فمثلا الروابط التي تكون بين البشر مثل الزواج والطلاق والوفيات والولادات...الخ، تواريخها مكانها  عناصرها هي لحكمة هو أرادها، لكن الإنسان لجهله وعجزه وعدم معرفة أسرار هذا الكون وعدم استيعاب قدرة الله، يتساءل أحيانا عن سر هذه الحكمة وما هي أهدافها وما المراد منها وأحيانا أخرى يغضب للوضع والحال الذي هو عليه وهو يجهل أو يغفل  أن كل شيء بيد الله، ولكن في الحقيقة ما يريده الله لهذا الإنسان هو مصلحة له حتى وإن كان الله أراد أن ينزع نعمة ما منه، ففي ذلك حكمة ومصلحة يعلمها إلا هو، لأن الله لا يظلم أبدا وهو عادل عدلا مطلقا. فسعادتك  وشقاؤك، وغناك وفقرك ، حرمانك من أي نعمة أو فقدانك لأعز الأحبة أيها الإنسان هو في الحقيقة لو تعلم منفعة لك، لكن يجهل هذا الإنسان الكيفية.

فلذلك كان تعامُل الإنسان مع مجتمعه ومحيطه بالقوانين والسنن التي أمره الله بها والرضا بحكم الله تُنًجيه من الهلاك سواء أكان حيا أو ميتا. لذلك فخلقُ الإنسان في هذا الكون ليس عفويا وبدون هدف، كما قال الله عز وجل " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا تُرجعون " (المؤمنون 115)، إذا الله سبحانه خلقنا ليسعدنا، وجاء بنا إلى الدنيا كي نتأهل لهذه السعادة، في الدارين.

فالإنسان  أولا مسؤول لأن الله جعله وريثا وتحمل الأمانة رغم ثقلها، فهو وريث الله في هذا الكون الذي لا حدود له وعليه أن يحترم قوانين الطبيعة التي سُنت لتسيير هذا الكون، ثانيا هذا الإنسان مُكرم،  بدءا من تحمله لوحده هذه المسؤولية دون غيره من المخلوقات كما فهمنا من هذا الحديث القدسي :"يا أبن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك"، ويكفي أن الإنسان خلقه الله بيديه، وهذا أفضل تكريم وأعظم تشريف.

فلو عدنا إلى الإنسان ككائن مخلوق فإنه يتكون من ذات تحمل بين طيًاتها نفس، فالإنسان المتوازن في حياته، ذاته تنسجم وتتوافق مع نفسه سواء في تصرفاته أو انفعالاته وحتى إنجازاته وعلاقاته مع المحيط الذي يعيش فيه، بينما الإنسان الغير متوازن، تتصارع وتتنافر نفسه داخل ذاته، هذا الصراع خفي غير ظاهر لكنه يتجلى في سلوكاته. فالعنف الذي يحدث في المجتمعات مصدره دائما الإنسان الفاقد للتوازن، ولنا في في التاريخ خير أمثلة على ذلك، مثل فرعون وهامان وهولاكو وهتلر وجورج بوش إلى غير ذلك.

ولو تأمل الإنسان قليلا في مُلك الله لغشيه أمل ولأصابه ألم، أمل في رحمة الله الواسعة التي لا حدود لها، ومن رحماته ترك الكافر والعاص والمنكر لوجود الله يعيش في رغد ومن منح الله الجليلة وسخر له كل شيء، فلقد استطاع أن يصل الإنسان إلى الفضاء الخارجي واستطاع أن يُسخر لحياته العلم وأستطاع أن يُدرك الذرة وأبعادها. وقد يكون هذا من باب أن الدنيا لا تساوي عند الله شيئا فلم يحرم منها المؤمن والغير مؤمن، ولكن في النهاية هذه الدنيا هي لله، هي من مُلكه، ومن رحمته كذلك أن الله تغاضى عن المجرمين وأمهلهم إلى يوم الدين ليمنحهم كل الفرص المتاحة ليستفيق الغافل ويتوب المذنب والعاصي ويكتشف الضال ضلاله، حينئذ يُحاكمهم بالحجة فهو عادل عدلا مطلقا، ومن ناحية أخرى هذه الدنيا التي يعصي فيها الإنسان ربه رغم أبعادها اللامتناهية فالإنسان فيها لا يساوي شيئا مقارنة بأبعاد هذه الكواكب والمجرات، وقد يقول قائل لماذا يُحاسبه الله إذا فالإنسان ضعيف، نعم من ناحية الأبعاد فهو لا يساوي شيئا فهو فعلا ضعيف عضليا، لكن الله كرمه بشيء لم يمنحه لأي أحد من مخلوقاته، وهو العقل هذا الأخير لو يستخدمه في ما يُرضي الله لملك الكون كله، لأنه وريث الله في هذا الكون. وفي حديث لرسول الله صل الله عليه وسلم رواه ابن حبان، قال "عجبا للمؤمن لا يقضي الله له شيئا إلا كان له خيرا"، وكذلك كما قال الشاعر أبو الفتح البستي:

يا خادم الجسم كم تشقى بخدمته

أتطلب الربح فيما فيه خسران؟

أقبل على النفس واستكمل فضائلها

فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان

و ألم من خشية الله واستحضار عظمته وجبروته ، كيف للإنسان ألا يخاف هذا الإله الذي أبدع في خلقه وهو يملك كل شيء، رزقه حياته مماته، ولو راجع الإنسان وفكر في خلق الله، من أبعاد الذرة إلى أبعاد المجرة، لأصابه الرعب ولملأت قلبه الدهشة من عدم استيعابه لهذه الأبعاد ومدى دقة تصميم هذا الكون الذي يسير بنظام عالي الدقة، رغم أن هذه الدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة. وتخيًل أيها الإنسان لو أن الله يوم القيامة يُعاقب الإنسان الظالم أو الكافر أو العاصي بعقوبة الطرد من مُلك الله، يمنعه من دخول الجنة لأنه غير مؤمن ويمنعه من دخول النار رحمة به، فأين سيذهب هذا الإنسان؟.

 

الدكتور مزوز عز الدين - جامعة باتنة 1

قسم الفيزياء - كلية العلوم

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3636 المصادف: 2016-08-19 14:33:11


Share on Myspace