المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (35): مرجعية السيستاني والأمة والكتل السياسية

salim alhasaniعندما قررت المرجعية الدينية تشكيل كيان (الإئتلاف الوطني الموحد) عام 2005 وأوجبت على الشعب المشاركة في الانتخابات، فانها صارت معنية بتفاصيل العملية السياسية، وما ستؤول اليه الأمور. خصوصاً وأن الشخصيات والكيانات التي أخذت موقعها في المشهد السياسي بدعم من المرجعية ظلت نفسها في الواجهة منذ تلك الفترة وحتى الآن.

أنقذت المرجعية العراق من الحرب الأهلية بداية 2006، وكان لها دورها المؤثر في إطفاء عدة ازمات مشتعلة، وفي الضغط على الحكومة والبرلمان للتراجع عن مواقف خاطئة واستبدالها بغيرها لمصلحة الشعب. وكان بابها مفتوحاً أمام السياسيين لعدة سنوات، تسمع منهم وجهات النظر ، وتقدم نصائحها لحثهم على خدمة الوطن والمواطن وتحمل المسؤولية.

وفي فتوى الجهاد الكفائي أنقذت بغداد وغيرها من المحافظات من السقوط بيد تنظيم داعش الإرهابي، في موقف تاريخي سيبقى ثابتاً في الذاكرة العراقية كجزء مهم من تاريخ العراق.

وكان لها الرأي الحاسم في أزمة الولاية الثالثة للمالكي بعد ان تعقد الموقف وتجمد الوضع السياسي، فكانت رسالة المرجع الأعلى السيد السيستاني هي الفاصلة في اختيار رئيس وزراء جديد.

ومنذ بدايات حكومة العبادي كان لرأي المرجعية ونصائحها الدور المهم في العديد من القرارات التي اتخذها العبادي، مثل تقليص المناصب وإلغاء أخرى وترشيق الوزارات وغير ذلك.

 ...

ربما يحتج قسم من المتابعين بأن المرجعية اعلنت في اكثر من دورة انتخابية بأنها لا تدعم أي قائمة، وانها تقف من الجميع بمسافة واحدة. وهذا كلام دقيق لا اعتراض عليه، وهو أمر ثابت بالدليل والوثيقة والذاكرة.

غير ان المهم في هذا المجال، هو ان المرجعية لم تغلق الباب امام الكتل السياسية، ففي انتخابات عام 2010 حيث انشطرت الكتل الشيعية الى الائتلاف الوطني ودولة القانون، كانت المرجعية تسعى الى تقريب وجهات النظر بينهما. وكانت تتابع مفاوضات الطرفين بعناية وإهتمام. والأهم من كل ذلك أنها دعمت المالكي لتولي ولايته الثانية.

هذا الزمن الحساس والثمين من العملية السياسية، لم تكن المرجعية مفصولة عن الحدث، بل كانت حاضرة بشكل مستمر، وصاحبة قرار فاصل في مقاطع مهمة منه. كما أن حضورها كان متواصلاً بشكله الاسبوعي من خلال خطب الجمعة حيث يسمع الشعب والمسؤولون مواقف المرجعية ورأيها وملاحظاتها.

ثم كانت الصدمة عندما أعلنت المرجعية الانسحاب (أو هكذا فُهم) مطلع العام 2016. ...

لا يوجد شخص أو كيان يستطيع ان يفرض رأيه على المرجعية، أو يحدد لها مسارها وحدودها، فهي الجهة الأعلى في الكيان الشيعي، وهي التي تحدد التكليف للمقلدين ولعموم الشيعة التابعين لها، وهذا هو عنصر القوة الأكبر في المرجعية، وهو العنصر الذي أقلق الحكومات والجهات المعادية، وعجزت عن إضعافه رغم كل ما بذلته من ضغوط وأساليب وحصار ومؤامرات ودعم لمرجعيات مصطنعة.

لا نقاش في هذه الحقيقة التي يرويها التاريخ ويؤكدها الواقع. إنما يدور الكلام عن مراجعة خلفيات المشهد العراقي، وتشخيص مرتكزاته، لنكتشف الخلل، ثم تكون هناك مساحة للتفكير ومساهمة في الحل، بعد هذه التجربة المخيبة التي شهدها العراق، فتداعت الدولة وأخذ البؤس من المواطن حاضره وحياته.

وازدادت الظواهر السلبية في المجتمع، ونشط رجال الخرافة والتجهيل، وداعبت فكرة الزعامة اشخاصاً غير مؤهلين، ولعبت التبعية بإرادة قطاعات واسعة من الناس البسطاء، مدفوعين بأوهام الأمل في هذا وذاك، وهو خلل يؤثر على موقع المرجعية ومكانتها الميدانية. وهذا ما يتطلب عملاً مكثفاً من قبل المثقفين والخطباء والكتّاب لتنبيه الأمة اليه، لأن صناعة القادة مجازفة خطيرة في حاضر العراق ومستقبله، ولقد وصل به الحال لدرجة لا تتحمل أبسط درجات المجازفة، إنه يتجه نحو الانهيار كدولة، ويسير الشعب نحو التمزق، مما يستوجب ايقاف عناصر الانهيار كخطوة أولى.

 ...

سأتحدث في الحلقات القادمة من هذه السلسلة عن شكل العلاقة بين المكونات السياسية وجماهير الامة من جهة، وبين المرجعية بوصفها القيادة العليا من جهة اخرى، استناداً الى تجارب التاريخ ودور المرجعيات الكبيرة في رسم معالمه وتحديد مساره، وكذلك المخاطر التي تتسببها القيادات السياسية الشيعية في اضعاف الكيان الشيعي بانفرادها الفئوي وابتعادها عن المرجعية. الى جانب المسؤولية المتبادلة بين الأمة والمرجعية.

لها تتمة

 

للاطلاع على جميع حلقات:

 وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (3)

This comment was minimized by the moderator on the site

سيدي الكريم ... ألا تعتقد أن المرجعية الدينية أرتكبت خطأ لا يغفر في سعيها ومباركتها الى أنضاج فكرة الأئتلاف الوطني .... وكلنا نعرف أن الأئتلاف الوطني هو أئتلاف سياسي شيعي محض وهي بهذا الفعل كرست للطائفية السياسية التي نعاني منها اليوم... أما كان بألأجدر بالمرجعية الدينية أن تنأى بنفسها عن أقامة هذا ألأئتلاف الذي مزق الشعب العراقي الى نصفين ... ولماذا لم تحاول على ألأقل بتشجيع المكون الشيعي والسني بأختيار سياسيين كفؤئين للعملية السياسية مع باقي المكونات ألأخرى للشعب العراقي ... !!! أنها بذلك أختزلت الشعب العراقي بالشيعة فقط وأهدرت وضيعت حقوق المكونات ألأخرى ... وقد يأتي جواب بأن المكون السني عزف عن المشاركة في العملية السياسية في البدأ ...وهذا كلام غير صحيح وأتهام أريد منه أبعاد المكون السني وباقي المكونات وألأقتصار على مكون معين وهو ألأئتلاف الوطني الشيعي ... وهذا ما جنيناه من تسلط أئتلاف واحد لمكون واحد على باقي المكونات التي تمثل الشعب العراقي ... فمكون كالمسيحيين والصابئة وألأيزديين وباقي مكونات أخرى تمثل الشعب العراقي قد أبعدت عن العملية السياسية وخدمة العراق الجديد ... وهي أنتكاسة تتحملها المرجعية الدينية منذ البداية ..... أضافة الى تكرارها الخطأ بأنتكاسة أخرى عندما أصدرت فتوى الجهاد الكفائي وأقتصرت على مكون ....!!! دون المكونات ألأخرى للشعب العراقي ... مما ولد ظهور الميليشيلت المسلحة من الخفاء الى العلن وعلى حساب المكونات ألأخرى للشعب العراقي ... أن خطأ المرجعية الدينية أنها تنظر للشعب العراقي على أنه من مكون واحد خاضع لأرادتها ومشيئتها... وليس كمكونات مختلفة من عدة مذاهب وطوائف وقوميات .. وهذا هو ما ولد من ظلم أجتماعي وتسيد مكون على مكون والشعور بنشوة الفوز وأسترجاع العقد والخرافات القديمة التي مر عليها أكثر من 1400 عام من الجهل وألأحاديث والحوادث الغير مسنودة بالوقائع والمصداقية .... وستبقى هذه المثلمة بحق المرجعية الدينية أن هي أبت أو أعترضت وستتحمل نتائج أخطائها بحق جميع مكونات الشعب العراقي .

أبو أثير / بغداد
This comment was minimized by the moderator on the site

اريد اكمل ماتفضل به الاخ الفاضل ابو اثير مشكورا --- يادكتور على اقل تقدير ان تبقى المرجعية متابعة للحدث والمطالبة بحقوق الشعب العراقي من خلال منابرها اليومية في جميع انحاء البلد وخصوصا خطبتها ليوم الجمعة في الحضرتين الحيدرية والحسينية التي هي كانت السبب فيها وليس ان تدير ظهرها وتلوذ بالفرار والكل يعلم ماهي تلك الحقوق منها فرض شروطها على الائتلاف الشيعي وهي قادرة على ذلك لسطوتها الجبارة على الفرد المتدين العراقي شكلا بمجرد نداء بسيط لايتعدا دقائق الى النزول للشوارع والمطالبة ليس بحل الحكومة والبرلمان لاسامح الله وانما المطالبة بمحاكمة الفاسدين والسرقة والقتلة ومن باع الارض ومن كان سببا فيه ومن مزق وحدة البلد وهجر الملايين وتاجر بدماء ابنائنا في مجزرة سبايكر وغيرها من المجازر حتى مجزرة الشيعة في الكرادة هل هذا صعبا بالتاكيد ليس فيه شيئا من الصعوبة ولكن صعوبته تكمن ان الشيعة ستخسر السلطة من جديد فلا حاكم شيعي ولاحكومة شيعية ولابرلمان اغلبية ولا شعائر حسينية وستخسر ايضا مليارات الزكاة والخمس والتبرعات من جميع دول العالم و حتى اموال العتبات المقدسة ستذهب من بين ايديها كما كانت في زمن النظام البعثي الصدامي السابق ولو ارادت ان تنادي بالناس لنزل في الشوارع الملايين وقد حسم الامر يادكتور كما لبى ندائها الملايين يوم نادت حي على الجهاد ناهيك عن علاقتها بايران والوفود المستمرة لها ولانعلم مايدور خلف كواليسها غير التصريحات من المسؤلين الايرانيين ان بغداد عاصمة فارس وتطرب لها اذان المرجعية كما لاحضناه في كثير من الاوقات لذلك يادكتور نقول على الاقل توجيه وتحريض الناس من اجل اعادة حقوقهم وهيبتهم والحفاظ على دولتهم لكن كل هذا لم نلتمسه منها فما هو دورها الحقيقي يادكتور واتباعها الملايين اعلمنا ان كنا من الجاهلين

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

المرجعية لا تقول قال الله وأقول نحن علي الحسيني السيستاني!..، الرحمة فوق القانونين الإلهي والوضعي، وليس السياق التاريخي منطقيا ولا عادلا بحضرة المرجعية، ومن لا رحمة في قلبه لا إيمان له..، قل: يوجد من يفرض رأيه، الضحية، ولو كان الجلاد صدام باق لانصاعت المرجعية بتقية السكوت الذهبي الباطني..، قل: نقاش وحوار، الحوار القرآني، حوار الله مع ملائكته ومع إبليس ومع نبييه خليله إبراهيم وكليمه موسى على جبل طور سيناء، وحوار أنبياء الله إبراهيم ونوح مع قوميهما، وحوار إبراهيم مع النمرود وحوار موسى مع الخضر وقصة صاحب الجنتين، وحوار خاتم الأنبياء في الحديث الصحيح مع قومه.

لا نستبدل صنم صدام بأصنام آيات الله العظام تأكل اللحم وتدع للأيتام العظام!، وللمهاجرين الأضيع من المقيمين الأنصار قبض الريح والخواء وهشيم وفتات موائد اللئام.

أولى من علي السيستاني علي بن أبي طالب القائل: ما جاعت حرة تأكل بثدييها جوار سفارة العراق ولا تعفف عراقي جوار حسينية مؤسسة الكوثر اللاهية باحتفالاتها في لاهاي، إلا بما متع به ممثل المرجعية. ظغ

عبود طوبجي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3646 المصادف: 2016-08-29 09:00:24


Share on Myspace