المثقف - قضايا

يسري عبد الغني: هل عرف تراثنا الحوار بين الأديان؟!!

yousri abdulganiمن مفاخر الحضارة العربية الإسلامية أنها هي التي ابتكرت (علم مقارنة الأديان) أو بمعنى آخر وضعت أسس (الحوار الفاعل بين الأديان)، وقد اعترف مفكروا الغرب في القديم والحديث بذلك .

ومن الطبيعي جداً أن هذا العلم لم يظهر قبل الإسلام، لأن الأديان قبل الإسلام لم يعترف أي منها بالأديان الأخرى، وكان كل دين يعد ما سواه من الأديان وما تطرحه من أفكار نوعاً من الهرطقة والضلال، وكلنا يعرف موقف اليهودية من المسيحية، ومن المسيح عيسى بن مريم (عليه السلام)، ونعرف أيضاً موقف المسيحية من اليهود واليهودية .

فاليهودية لم تعترف بالمسيحية ولا بالسيد المسيح، واعتبرت المسيح مجرد ثائر استحق عندهم الحكم بالإعدام، والمسيحية اعتبرت نفسها الوريث الشرعي لليهودية، ولم تر مع وجودها وجوداً لليهودية، ومثل ذلك موقف الهندوسية من البوذية، والبوذية من الهندوسية، ومثله موقف المسيحية من الإسلام في الأندلس.

بل وصل الأمر إلى أكثر من ذلك، إذ أنكرت كل طائفة مسيحية جميع الطوائف الأخرى وعدت اتجاهاتها وأفكارها هرطقة وضلالاً، وربما حكمت كل منها بالإعدام على أتباع سواها، وحسبك أن تتذكر معي هنا مذبحة باريس الفرنسية في 24 من أغسطس سنة 1572 م، حيث سطا الكاثوليك على ضيوفهم البروتستانت فذبحوهم وهم نيام، وأصبحت باريس وشوارعها تجري بدماء الضحايا، وراح البابا يهنئ ملك فرنسا على هذا الاتجاه كما يحكي لنا التاريخ .

وهذا الاتجاه كان هو الاتجاه السائد بين الأديان وبين المذاهب، ومن هنا لم يوجد علم مقارنة الأديان، لأن المقارنة تأتي نتيجة للتعدد، وليس التعددية معترف بها عند أحد، فلم يوجد ما يترتب عليه وهو المقارنة .

وعندما جاء الإسلام، كان موقفه بالنسبة للأديان الأخرى ينضوي تحت اتجاهين، الناحية النظرية، والناحية الواقعية أو العملية .

من الناحية النظرية:

يعلن الإسلام أنه الحلقة الأخيرة في سلسلة الأديان، وأنه بالتالي ورث أهم ما في الأديان، وأضاف إلى ذلك ما تحتاجه البشرية في مسيرتها إلى يوم الدين .

قال الله تعالى: {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك، وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى} (الشورى: 13)

وبذلك يصبح الإسلام هو الدين الوحيد الذي لا دين سواه، قال تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام}(آل عمران: 19)، وقال: {ومن يتبع غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه}(آل عمران: 85)

ويجمع المفكرون المسلمون على أن كل رسول يجيء برسالة تناسب زمانه، وتحقق أغراضها أو أهدافها في ذلك الزمان، وكلما تغيرت الحاجة جاء طور من الديانة جديد يتفق مع الأديان السابقة في أصل الوحدانية الكبير، ويختلف في فروعه تبعاً لحاجات الناس .

وهذا هو موقف الإسلام بالنسبة للأديان السابقة، وبالنسبة لحاضر البشرية ومستقبلها، وعليه فإن المفكرين المسلمين يتجهون في تفسير قول الله تعالى:{الله لا إله إلا هو الحي القيوم، أنزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه، وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان، إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد ...} (آل عمران: 2 ـ 4) .

يتجه المفكرون المسلمون إلى أن الكفر بأي دين من الأديان التي نزلت بها الكتب المشار إليها في الآيات ضلال يستحق مرتكبه العذاب الشديد . (سيد قطب، في ظلال القرآن، 2 / 53 ـ 54)

كان هذا موقف الإسلام بالنسبة للأديان الأخرى حيث يدعو إلى ضرورة احترامها والأيمان بها، بعد ذلك ننتقل من الناحية النظرية إلى الناحية الواقعية العملية .

 

الناحية الواقعية العملية:

يعترف الإسلام بالوجود الفعلي لجماعات غير مسلمة (أي أنه يعترف بالأخر ولا يرفضه أو ينكره)، ويتحدث عن أهل الكتاب، وأهل الذمة، وينظم جميع حقوقهم وواجباتهم، وفي ضوء هذا وجد علم مقارنة الأديان .

بل إن القرآن الكريم يضع جذور هذا العلم عندما يقول: {ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن} . (العنكبوت: 46)

فالمجادلة أو الحوار بالتي هي أحسن جوهر هذا العلم، بل من أهم أسسه وأركانه، بل ورد في القرآن الكريم بعض الآيات التي تحمل اتجاه المقارنة، كقوله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} (الأنبياء: 22) ففي الآية مقارنة بين التوحيد والتعدد، وبيان أن التعدد يسبب الفساد .

وكذلك قوله تعالى: {أفمن يخلق كمن لا يخلق} (النحل: 67)، ففي الآية نوع من المقارنة، فالخالق الأعظم لا يمكن أن يماثله هذا النوع من الآلهة العاجزة التي لا تستطيع أن تخلق ذبابة واحدة، ولو اجتمعت كلها لهذا الغرض .

 

إبداع من نوع جديد:

وعلى هذا ظهر الباحثون المسلمون وأبدعوا في هذا العلم، وكتبوا فيه الدراسات، منذ بدءوا يدونون العلوم الإسلامية الأخرى .

وعندما التقى المسلمون بالمسيحيين في الأندلس الأسبانية وما يجاورها، وفي صقلية الإيطالية، وفي بلاد الشام، حدث ما يمكن أن نسميه بتبادل أو تلاقح الأفكار، وكان علم مقارنة الأديان من الموضوعات التي تم التبادل فيها، فقد تخلى المسيحيون عن اتجاههم في عدم الاعتراف بهذا العلم، فأخذوا يهتدون بمقارنة الأديان كوسيلة للتعريف بالمسيحية ومحاولة النيل من الإسلام، واقتبس المسلمون ـ للأسف الشديد ـ اتجاه المسيحيين الغربي وهو التعصب، فتخلوا عن علم مقارنة الأديان، باعتبار أنه ليس هناك دين يقارن مع الإسلام .

وعبر الأزهر الشريف عمره الطويل، وعبرت الكليات الإسلامية أعمارها دون أن يظهر علم مقارنة الأديان في المناهج الدراسية، ولم يتدارك المسلمون هذا النقص الخطير إلا منذ منتصف الستينيات تقريباً .

 

التسامح منطلق إسلامي:

وينسب الأستاذ/ آدم ميتز نشأة هذا العلم للمسلمين، ويعدد المصادر الأولى التي كتبها المسلمون في هذا المضمار، وذلك في صفحات كتابه المهم: الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري

ويؤكد ميدز على أن تسامح المسلمين في حياتهم مع اليهود والنصارى، ذلك التسامح الذي لم يسمع بمثله في العصور الوسيطة، كان سبباً في أن يلحق بمباحث علم الكلام شيئًا لم يكن قط من مظاهر العصور الوسطى، وهو علم مقارنة الأديان (آدم ميتز، الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري، 1 / 366) .

ويقرر كذلك أن نشأة هذا العلم لم يكن من جانب المتكلمين، ومعنى ذلك أن هذا العلم لم يكن بأي حال من الأحوال وسيلة عند المسلمين للحط من شأن الأديان الأخرى، وإنما كان دراسة وصفية علمية تؤدي إلى نتائجها الطبيعية .

وهنا أحب أن نوجه العتاب إلى كل الذين كتبوا عن الثقافة الإسلامية وعلومها المختلفة سواء أكانت نقلية أو عقلية (وكاتب هذه السطور منهم) فهم لم يشيروا إلى دور المسلمين الكبير في نشأة وتطور هذا العلم (علم مقارنة الأديان) المهم والضروري .

 

جهود متفردة:

نعود لنقول: إن العلامة / النوبختي (202 هـ) يعتبر مؤلفاً لأول كتاب في هذا الميدان، فقد وضع كتاباً عنوانه: (الآراء والديانات)، كما كتب العلامة/ المسعودي (34 هـ) كتابين مهمين عن الديانات .

ثم جاء العلامة / المسبحي (420 هـ) فكتب كتابه: (درك البغية في وصف الأديان والعبادات)، وهو كتاب مطول يقع في حوالي ثلاثة آلاف ورقة .

وكثر بعد ذلك التأليف في هذا المجال، ومن أبرز الكتب التي كتبت عن الملل والنحل، واتخذت هذه التسمية، نذكر كتاب: (الملل والنحل) لأبي منصور البغدادي (429 هـ) .

وكتاب: (الفصل في الملل والأهواء والنحل) لأبن حزم الأندلسي (456 هـ)، وكتاب: (الملل والنحل) للشهرستاني (548 هـ) .

ونذكر أيضاً كتاب: (تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في                    العقل أو مرذولة)، للعلامة / أبي الريحان البيروني، والذي طبع لأول مرة في مدينة ليبزج الألمانية، سنة 1925 م، في 365 صفحة .

وكما يتضح من اسمه فهو خاص بأديان الهند، وليس شاملاً للأديان والعقائد المختلفة كالكتب السابقة .

ولا أعرف بالتحديد لماذا يحلو لبعض الباحثين إدراج هذا الكتاب للبيروني ضمن كتب الفلسفة ؟!، بينما عنوانه يوضح محتواه !! على كل حال فإن هذا الكتاب سيكون من الكتب الرئيسية التي سوف نعتمد عليها بإذن الله في حديثنا عن البيروني كرائد من رواد علم مقارنة الأديان .

ونوجه عناية القارئ الكريم إلى أننا قمنا بكتابة كتاب عن (أبو الريحان البيروني رائدًا للحوار بين الأديان، أو البيروني ودوره في مقارنة الأديان) نأمل أن نجد ناشرًا يخرجه إلى النور، أو أي مكان ينشره لعل فائدته تعم، وفي هذا البحث قمنا بالإشارة إلى الجهود التي بذلها العلماء من المسلمين في مجال مقارنة الأديان بشيء من التفصيل .

 

بعيداً عن التعصب .. ولكن ..:

نواصل فنقول: لقد كانت كتابات المسلمين في هذا المجال ـ كما سبق وذكرنا ـ كتابات وصفية علمية، لا تعصب فيها، فلما جاءت الحروب الصليبية بأهوالها على الشرق، أدرك المسلمون أن بعض اتباع الديانات الأخرى لا يتحلون بالتسامح الديني، فخفت صوت علم مقارنة الأديان، بيد أن إخفاق أدعياء حماية الصليب في السيطرة على المسلمين بالوسائل العسكرية جعلهم يلجئون إلى الوسائل السلمية، وفي مقدمتها التبشير الذي يستلزم معرفة كل شيء عن الإسلام، وعن الدراسات الإسلامية .

وقبل عصر الاستعمار الغربي قرر الخبراء والباحثون أن الإنسان به نزعة دينية في أعماقه مهما كان مادياً أو تظاهر باللادينية أو بالإلحاد، كما قرروا أن رباط الدين لا يقل عن رابطة الدم والجنس .. وأخذ بعض الأوربيين هذا الخيط وأضافوا عليه: إن معرفة الداعي بدين المدعو واعتقاده، يساعد كثيراً في التأثير عليه .

وبناءاً على هذه الأسس نشط من جديد علم مقارنة الأديان، ليكون من وسائل التبشير ونشر المسيحية، أو بالتعبير المهذب العصري جداً: فهم الآخر من أجل الحوار معه !، ولكن المسلمين كانوا قد وصلوا إلى يقظتهم الحديثة، واستعادوا نشاطهم في هذا المجال، وساعدهم ما في الإسلام من سهولة ويسر، فراحوا يدرسون هذا العلم ويطبقون قوانينه، وهم يقومون بالدعوة لدينهم .

وهكذا عاد علم مقارنة الأديان للظهور في معاهد العلم الإسلامي، ولكنه في الحقيقة مازال لم يأخذ مكانته اللائقة به .

 

تداعيات جديدة:

وبعد أحداث سبتمبر 2001 م، وتداعيات ما سمي بالحرب ضد الإرهاب، والدعوة إلى العولمة، والكتابات العديدة عن الصراع بين الحضارات أو الثقافات، وما استتبع ذلك من محاولات عديدة للنيل من الإسلام، واتهامه بأنه دين إرهاب وتخلف، كل ذلك يجعلنا ننادي دائماً أن نتجه جميعاً كباحثين ودارسين ومثقفين ودعاة، إلى المزيد من الاهتمام بعلم مقارنة الأديان، ليلعب هذا العلم دوره في التعريف بالإسلام دين السماحة والسلام، ورد الحملات المشبوهة عنه، ويوم ينشط هذا العلم المهم ستخبو ترهات الباطل، وتتضح معالم الحق، وليس هذا اليوم ببعيد إن شاء الله تعالى (أحمد شلبي، سلسلة مقارنة الأديان، الكتاب الأول، اليهودية، ص 5، وما بعدها بتصرف من عندنا .)

وفي الواقع فقد كنا نريد الحديث خلال هذه الصفحات عن أسس دراسة مقارنة الأديان فيما يتعلق بالمنهج، وفيما يتعلق بالحيدة العلمية، وفيما يتعلق بالمصادر والمراجع و الأسانيد، ولكن وجدنا أن ذلك قد يخرجنا عن موضوعنا الأساسي ألا وهو التعريف المبسط بعلم مقارنة الأديان وتطوره وأهميته .

 

مقارنة الأديان والأهمية القصوى:

وفي رأينا المتواضع أن دراسة مقارنة الأديان والاهتمام به، في هذه الظروف الحرجة التي تعيشها أمتنا، دراسة هذا العلم يمكن بها توحيد جهود المنظمات والهيئات الإسلامية ليس على المستوى المحلي الضيق، ولكن على النطاق العالمي، حيث يمكننا من مخاطبة المجتمعات الغربية أو غير الإسلامية باللغة التي يمكن أن يفهموها جيداً، وذلك من أجل مواجهة الحملة الشرسة على الإسلام .

لا نريد التعامل مع الآخر بطريقة ردود الأفعال، ولكن انطلاقاً من مردود إيجابي يعرض للجانب المشرق لحضارة الإسلام ورجالها من أمثال البيروني وغيره، والهدف الذي نريده إزالة ما يلتصق بحضارتنا الإسلامية من عدوانية وتكفير وتعصب، وهذا لن يتأتى إلا بحوار فاعل جاد يعتمد على العقل والمنطق والواقعية .

إن الإسلام دون بقية الديانات السماوية والحضارات الإنسانية هو الذي يتعرض لاتهامات باطلة أهمها وصفه بالإرهاب والتخلف، في الوقت الذي يتغاضى فيه الإعلام الغربي عن نفس هذه التصرفات التي يقوم بها أصحاب الديانات الأخرى .

ليس مطلوب منا ونحن ندعو إلى اعتماد دراسة مقارنة الأديان كوسيلة فاعلة في الحوار مع الآخر، ليس مطلوب منا أن نقدم اعتذاراً عن الاتهامات التي توجه ضد الإسلام، ولكن علينا أن نسعى بكل ما نملك من قدرات وإمكانات،إلى توضيح الجانب الحضاري الإنساني للإسلام، وبالحق نقول: أننا كمسلمين تأخرنا كثيراً في ذلك المجال، وذلك حين ركزنا في دعوتنا على الشريعة والعقيدة فقط لا غير، وتركنا الحضارة والثقافة معاً ...

وعليه فنحن نطالب في دعوتنا إلى أهمية الاهتمام بدراسة مقارنة الأديان، نطالب بألا يحاكم الإسلام بما تفعله فئة غير واعية بأمور دينها الداعي إلى الحب والتسامح والتضامن واحترام حقوق الإنسان، مثلما لا يحاكم المسيحي أو اليهودي على ما يفعله .

ونلح هنا على أن دراستنا لمقارنة الأديان كتدعيم محوري لنجاح الحوار مع الآخر، لا يعني أن نقدم ـ كما ذكرنا ـ اعتذاراً عن بديهيات الإسلام، والتي على رأسها أن كل مخطئ يجب أن يتحمل نتيجة تصرفاته، بغض النظر عن انتمائه للدين .

وفي نفس الوقت نطالب الإسرائيليين واليهود أن يقرءوا جيداً تاريخهم ليعرفوا فضل الإسلام وحضارته عليهم عبر عصور التاريخ المختلفة، وهو ما يجب علينا كباحثين وكتاب ومفكرين ودعاة أن نوضحه، ونعرف الجميع به، من خلال أسلوب علمي متعقل، أسلوب أساسه الحوار والنقاش بالتي هي أحسن .

وختاماً لهذه الجزئية نوجه التحية والتقدير لكل من أسهم في دراسة هذا العلم (علم مقارنة الأديان) أو كتب عنه أو وضع لبنة في صرحه، في القديم والحديث .

والله ولي التوفيق،،،،

 

د . يسري عبد الغني عبد الله

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3652 المصادف: 2016-09-04 04:23:31


Share on Myspace