المثقف - قضايا

سليم الحسني: وَهْمُ الدولة (46): المشكلة في (القضاء) لا في الدستور

salim alhasaniلا أتصور أن دستوراً قد تعرض للنقد من قبل الطبقة التي كتبته، مثل الدستور العراقي. فلقد أشبعه السياسيون شتماً وإدانة حتى صار الانطباع السائد أن مشاكل البلد وأزماته تبدأ من الدستور وتنتهي به، وأنه لولا نواقص الدستور ونقاط الخلل فيه، لما وصل حال العراق الى هذا الشكل من الخراب والتردي.

إن أكثر من يوجه نقمته على الدستور هم الطبقة السياسية الحاكمة من مسؤولين وبرلمانيين وقضاة من كافة الكتل والاحزاب.

فهل الدستور العراقي بهذا السوء؟

بجواب مباشر وسريع، ليس للدستور هذه الدرجة من المسؤولية فيما جرى ويجري في العراق، بل أن دستوراً أقل من هذا بكثير من شأنه أن ينظم العملية السياسية لإعادة بناء العراق وتوفير عيشة راقية لشعبه، لو توفرت سلطة قضائية غير هذه الموجود.

وفي المقابل فأن أرقى الدساتير في العالم لو تم اعتمادها في العراق، فان الخراب والفساد سيكون بمثل الذي حصل ويحصل مع وجود هذه السلطة القضائية الحالية.

إن المشكلة العراقية ليست دستورية، فتنظيم الدولة فيها يعتمد على أسس مقبولة، والنظام الديمقراطي قائم فيها على انتخابات وبرلمان وتقسيم للسلطات. لكن الخلل في فساد السلطة القضائية، ومشاركتها في القرار السياسي، اي انها الجزء المؤثر والأقوى في السلطة التنفيذية من الناحية العملية. وهذا ما اشرت اليه في المقال السابق.

يرى الكثير من الخبراء وكبار رجال السياسة في العالم، أن النموذج البريطاني في ادارة الدولة ورقي ديمقراطيتها، يعود الى عدم اعتمادها لدستور مكتوب، وقد ناقش قادتها في فترات مختلفة مسألة كتابة الدستور للمملكة المتحدة، لكنهم كانوا يصلون الى نفس النتيجة، وهي عدم كتابة الدستور.

إن ما ينظم الحياة الادارية والسياسية في بريطانيا مجموعة لوائح قانونية وتشريعات برلمانية واعراف وتجارب سابقة، وأهمها ما جاء في قانون وراثة العرش الذي يؤكد أن القضاة أحرار لا يخضعون لسلطة الملك او الملكة. وهذا ما جعل السلطات التشريعية والتنفيذية تلتزم بواجباتها، لأن هناك سلطة قضائية حقيقية مستقلة حرة، وهي ضمانة هذا النظام الديمقراطي العريق.

وفي ضوء ذلك يتعامل المواطن البريطاني بثقة تامة، بأنه عندما يتعرض الى الغبن أو يشعر بوقوع ظلم عليه في شأن خاص أو عام، فان هناك سلطة قضائية تأتيه بحقه كاملاً من أعلى مسؤول في المملكة.

ليس المسؤول البريطاني متفانياً في عمله لأنه يمتلك مواصفات عالية من التربية الشخصية والسمو الاخلاقي، ولكن لأنه يعلم أن هناك سلطة قضائية قوية، تتعامل بالقانون بمهنية عالية، وهو معرض للمثول أمامها بشكوى بسيطة من أي مواطن.

لا دخل هنا للدستور، بل ان دوره يبدو ثانوياً في تنظيم الحياة العامة والسياسية والادارية، إنما هناك سلطة قضائية نزيهة، تجعل الموظف البسيط والوزير ورئيس الوزراء والملكة يتصرفون بنفس المستوى من المسؤولية، وكلهم يخشون الشكوى التي يرفعها المواطن العادي فيما لو شعر بأنهم قصروا معه، او أنه اكتشف مخالفة أرتكبوها بحق شخص آخر.

ليس سلوك الناس في الغرب مثالياً كما هي النظرة الشائعة، فهناك الكثير من المواطنين يتحينون اي فرصة لمخالفة القانون مثلما هو الحال في دولنا، لكن الذي يمنعهم من ذلك، هو الخوف من سلطة القضاء.

وليس الموظف الغربي ـ من أصغر درجة الى أعلاها ـ تلقى تربية أخلاقية من نوع خاص، فصار ملاكاً، فهناك الكثير منهم يتحينون فرصة الحصول على صفقات ورشا وكسب غير مشروع، لكن الطريق أمامهم شبه مسدود، فهناك الخوف من سلطة القضاء التي لا ترحم المذنب، واذا ما تجرأ المسؤول وعقد صفقة فساد، فانه لا يطمئن الى بقائها مخفية، لأنه يعلم ان هناك موظفاً رقيباً يؤدي عمله باتقان فهو الآخر يخاف من القضاء، وهكذا صار الالتزام بالقوانين سلوكاً عاماً.

إن بريطانيا بهذه السمعة العالمية والمكانة الدولية من المؤكد انها ستتحول الى مثل العراق أو أسوأ منه، خلال أقل من عام واحد فيما لو كانت السلطة القضائية فيها على شاكلة الموجودة في العراق. وستكون مضطرة لكتابة دستور والتصويت عليه وبعد اقراره فانها ستواجه بروز حالات الفساد، وستكون الكتل السياسية هي المتحكمة من خلال الصفقات والاتفاقات السرية، وسيعيش الشعب في أتعس الظروف، وستنتهي انجازاتها كلها. ونفس النتيجة ستصل اليها كل الدول الكبرى فيما لو انتقل لها الجهاز القضائي العراقي.

سبب الخراب في العراق، هو كتلة السلطة القضائية بالدرجة الأولى، إنها فاسدة خاضعة، وهذا ما يريده قادة الكتل السياسية، لكي ينعموا بحرية السرقة وامتصاص ثروات البلد، في علاقة متبادلة بينهم وبين القضاء.

ولكي يوهموا المواطن، فانهم يصرفون انظاره عن فساد القضاء بالقاء اللوم على الدستور ونقصانه ونقاط الخلل فيه، وقد اقتنع المواطن البسيط بهذه الكذبة.

إن الذين يرفعون شعارات الاصلاح، ويدعون الى الاضراب عن الطعام، لن يقتربوا من خطوة جادة لاصلاح الجهاز القضائي، وأنا متأكد بانهم لو أدركوا ان الاضراب عن الطعام سيؤدي فعلاً الى إصلاح القضاء، لتركوا صيام شهر رمضان.

 

للاطلاع على جميع حلقات:

وَهْمُ الدولة / د. سليم الحسني

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلام سليم ومنطقي يادكتور ولكن من سيبني القضاء بشكل واساس صحيح السلطة التنفيذية ام التشريعية ام المواطن البسيط ام المرجعية الدينية التي هي تبنت مشروع الدستور وايدته وباركته وحرضت للتصويت عليه ولماذا تصمت اليوم ازاء هذا الانحراف القضائي الذي تجاوز على حق المسلمين وهي التي لها اليد الطولى في حسم الامور كما فعلتها بالسابق

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3656 المصادف: 2016-09-08 14:21:10


Share on Myspace