المثقف - قضايا

سليم الحسني: ما يصح من كتاب البحار أقل من 10%

salim alhasaniبذل علماء الرجال والحديث جهوداً مضنية للوصول الى الحديث الصحيح، وقد وضعوا القواعد والقوانين لذلك، واعتمدوها في بحثهم العلمي التحقيقي. ومن ضمن تلك القواعد أنهم يقسمون الأسانيد الى قسمين:

 الأول: سلسلة الرواة الذين رووا الحديث، حيث يخضع كل راوٍ لدراسة تحقيقية رجالية لمعرفة وثاقته، ولديهم الضوابط الدقيقة في ذلك.

 الثاني: سلسلة الكتاب الحديثي نفسه، وكيف تم نسخه وعن أي طريق وصل الى الطالب من استاذه ثم من استاذه الأكبر وصولاً الى مؤلف الكتاب. ويجب ان تكون هذه السلسلة في تداول الكتاب واستنساخه مضبوطة دقيقة، ويصطلح عليها العلماء بـ (المناولة). وقد اعتمدوا هذه الطريقة لكي لا يختلط الأمر بين النسخ العديدة للكتاب الواحد، فقد يتصرف النسّاخ عن عمد أو سهو في الأحاديث المدونة فيه.

 وزيادة في الدقة العلمية، فلم يعتمد العلماء على شهرة الكتاب، إنما التزموا بالنسخة التي تصلهم بـ (المناولة)، وقد ميزوها عن النسخ الأخرى لنفس الكتاب فاطلقوا على هذه الثانية مصطلح (الوجادة) اي وجدوها عند شخص أو مكتبة.

 وزادوا درجة في الحرص والدقة، حين درس العلماء الأسباب التي تجعلهم يتأكدون من صحة تأليف المؤلف لهذا الكتاب، حتى وإن كانت سلسلة (المناولة) صحيحة موثوقة.

 وهكذا نرى أن الجهد في هذا المجال في غاية الصعوبة، وأنه يحتاج الى تحقيق وبحث وقرائن وشواهد، جعلت العلماء الأوائل يضعون الضوابط الدقيقة، وزادها دقة العلماء المحققون من بعدهم.

 

 هذه التفاصيل والضوابط لم يلتزم بها الشيخ محمد باقر المجلسي في تأليفه لكتاب (بحار الأنوار). فالغالبية العظمى من المصادر التي اعتمدها كانت عن طريق (الوجادة) وهذا ما يتضح من كلامه في مقدمة كتابه بأنه بعث مجموعة من الأخوان يجوبون البلدان فيجمعون الكتب القديمة. وهذه الطريقة خارجة عن ضوابط البحث العلمي، فلقد اقتنى هؤلاء ما وجدوه في المكتبات والأسواق وعادوا الى المجلسي بمجاميع الكتب، فاستند اليها وصارت مصادره التي استخرج منها الأحاديث ووضعها حسب أبوابها في كتابه.

وقد كتب العالم المحقق الشيخ محمد آصف محسني، وهو مختص في علم الرجال، وله مؤلفاته الرصينة في هذا الاختصاص، كتاباً مهماً بعنوان (مشرعة بحار الأنوار) أصدر منه مجلدين، ثم تعرض لضغوط شديدة للتوقف عن مواصلة جهده العلمي. وقد كان أقطاب الخرافة وراء الحملة الشديدة عليه، لأنه أثبت بالأدلة العلمية أن معظم روايات وأحاديث (بحار الأنوار) لا صحة لها، وأنها ساقطة الاعتبار.

 بل أنه توصل الى أن جميع مصادر بحار الأنوار لم تصل الى المجلسي بطرق معتبرة، بمعنى أن كل المصادر التي جمعوها له من البلدان المختلفة والتي اعتبرها مصادره في الكتاب، مشكوك فيها، ولا يصح التعامل معها على انها النسخ الحقيقية لمؤلفيها. وهي نقطة على قدر كبير من الأهمية في هذا المجال. ومن خلال دراسته للأسانيد، اثبت بأن 90% من روايات وأحاديث كتاب بحار الأنوار ساقطة الاعتبار.

 وقد أشار الشيخ آصف محسني الى نقطة مهمة، كتبها بشجاعة عالية في كتابه، حيث أكد أن الكثير من الروايات والأحاديث انتشرت في الأوساط العامة، وهي من المكذوبات على أهل البيت، لكن العلماء والحوزات العلمية، بعد أن وجدوا سعة انتشارها، خافوا من غضب العوام، فسكتوا عن مواجهتها، وبذلك صارت هذه المكذوبات بما فيها من غلو وتجهيل وانحراف من عقائد العوام الرائجة والمتداولة في أوساطهم، بينما لا يستطيع العلماء الجهر بموقفهم الرافض لها، وانها انحراف وخطأ لا صلة له بعقيدة التشيع.

 يدافع اقطاب الخرافة والتجهيل بقوة عن منهجهم، ويتصدون بالتهجم على أي جهد علمي لتنقية التراث من الشوائب والروايات المكذوبة، خوفاً من ضياع مادة الخرافة والتجهيل من أيديهم، وبذلك تزول مكانتهم، ويضعف نفوذهم وهيمنتهم على عقول البسطاء.

 إن ما يريده أقطاب الخرافة، هو تحويل التراث الحديثي عند الشيعة على شاكلة ما جرى عند أهل السنة، حيث اعتبر علماؤهم أن كل ما ورد في الصحاح صحيح ثابت غير قابل للنقاش، إنما يؤخذ بتسليم كحقيقة قاطعة. وفي هذا المنهج الذي يعتمده ويصر عليه الخرافيون، فانهم يعملون على الضد من منهج الأئمة عليهم السلام، بل أنهم يسعون الى طمس معالم مدرستهم التي تمثل أصالة الإسلام في عقيدته ومفاهيمه وتعاليمه.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3708 المصادف: 2016-10-30 05:30:22