المثقف - قضايا

راغب الركابي: كلمة في معنى (الحلال والحرام)

rakeb rekabiسوف لا أدخل في تعريف معجمي للحلال وللحرام، لأن المجال لا يتسع لذلك ولأن التعريفات في هذا المقام تراثية صرفة، ولهذا لا يعتد بها في مجال البحث الموضوعي، إنما المطلوب المتابعة من وجهة نظر عقلية خالصة مؤوسسة على ما في كتاب الله، من غير الإعتماد على ما يصطلح عليه بالسنة النبوية في هذا الشأن .

و سأركز جهدي هنا على المعنى في كتاب الله وعلى الجانب المفهومي للمصطلح في لسان المتفقهة وعبر أستخداماتهم له، وسوف أخرج قدر الإمكان من كل دائرة هي غير الدائرة القرآنية، وأعني في كلامي صيرورة المفهوم تشريعاً في المتداول والمحكي، وللتنبيه سأعيد ما قد قلته سابقاً عن النبي وعن الرسول، فالخبر النبوي أو ما يروى عن الرسول أو ما ينسب إليهما، إنما هو وفي أحسن الأحوال شرحاً وتفسيراً لكتاب الله ليس إلاّ، وفي هذه الحالة لا يجوز إعتبار الخبر النبوي تشريعاً أو حكماً يساوي حكم الله في الدرجة وفي الرتبة، وكما في السابق سنبطل المقولة الرائجة والقائلة : - إن حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة -، إن أريد بها أعتبار محمدا مشرعاً، فإن كان ذلك كذلك فهذه المقولة باطلة ولا تصح مطلقاً كما ولا تصح إن أعتبرنا بمقدوره التحليل والتحريم، فهذه القدرة ليست من شؤونه ولا من صلاحيته، ولكن ان اعتبرنا هذه المقولة بمثابة الإشارة إلى : إن الحلال الذي جاء به محمد من عند الله في القرآن المجيد هو حلال باقي إلى يوم القيامة وكذلك الحرام فهذا الكلام لا بأس به، وفي ذلك يكون تجريد محمد من صفة المشرع للحلال وللحرام لا زمة من لوازم نبوته ورسالته، وتركيز الإهتمام على التشريع وحصره بالله وحده وأعتبار ذلك من صفاته الإيجابية .

ولهذا تسالم القوم لدى جمهور الفقهاء وأهل الأصول على أن الحليّة هي الأصل الأولى وهذا هو الثابت، ولذلك قالوا بنفس الإتجاه : إن كل شيء في الكون مباح، وإما الحرام فهو تلك الصفة الملازمة لمجموعة من الاشياء المذكورة في القرآن المجيد فقط وفقط لا تزيد ولا تنقص، وذلك لأن شأنية التحريم هي شأنية ذاتية لا تتعلق بسبب أو بقرينة، فلا يكون الشيء محرماً بسبب أو بقرينة أوبقيد، ذلك لأن الله حين حرم هذه الاشياء حرمها لذاتها، ولم يحرمها لعوارضها أو لسبب ناتج عنها، ومعلوم إن الحرمة لا تتعلق بدين محمد - ص - وحده، بل هي حرمة ثابتة في كل الديانات السماوية، وأما ما يُقال عن لحم الخنزير فهو كذلك حرام في الديانة المسيحية، ولكنهم وتجاوزا ابطلوا هذه الحرمة واستبدلوها إباحةً، وذلك تبعاً لردة فعل مزاجية ولتضاد معلوم الشأن تجاه اليهودية، وتلك أزمة تأريخية لسنا بصدد الدخول في حلقاتها، إنما الذي يهمنا من الأمر، هو التركيز على ان الحرمة هي ساحة معينة جعلها الله هكذا ودعانا لإحترامها .

و الحرمة ليست بمعنى المنع أو عدم الجواز، ذلك لأن الممنوع له مقتضى وسبب معين وقرينة محددة ومعينة تخرجه من الإباحة وتدخله بباب المنع وعدم الجواز، أي إن المباح يكون ممنوعاً بسبب أو بقرينة دالة عليه، فالخمر الذي جاءني السؤال عنه هذه الأيام ليس حراماً إنما هو من الممنوعات، ومنعه متعلق بسبب ما ونتيجة لعارض ما معين ومحدد، فلو أنتفى السبب أنتفى المُسبب، وهذه القضية هي من باب قضايا العلة والمعلول، التي تنتفي فيها العلة تبعاً لأنتفا المعلول وجوداً وعدماً، وفي ذلك يشبه الخمر كل القضايا الممنوعة أو المتعلقة بظرف أو بقرينة، ولهذا نقول : إنه لا يجوز الخلط في مسائل الشريعة في احكام الله، ولا يجوز أعتبار ذلك من المسائل الشخصية أو الإجتهادية، فالحلال عند الله هو الأصل، وأما الحرام فهو تلك الأشياء المذكورة في القرآن حصراً، ولفظ الحرام لا يجوز تسويقه أو إطلاقه جزافاً كما نسمع ونرى، وكل الذي نعيشه في حياتنا هو من قبيل المباح، وأما الممنوع فبقرينة يكون أو بسبب يكون ..

 

راغب الركابي

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

ولكن ياستاذ راغب كثير من الامور جائت بعد الاسلام وفي عصرنا الحاضر من خلال التطور العلمي وتغير نمط الحياة فكيف للانسان ان يبقى محتكما الى ماجاء به القران والسنة النبوية دون الاجتهاد بما يحصل من تغيير واذا كان ليس من حق النبي محمد ص ان يحرم ويحلل وهو بالتاكيد ما يوحى اليه من ربه فكيف تسير امور العباد اليوم دون عالم ومجتهد يفتي بالحلال والحرام ومايضر وما ينفع وهي لم تاتي في كتاب الله وسنته

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3709 المصادف: 2016-10-31 13:53:04


Share on Myspace