المثقف - قضايا

نبيل أحمد الأمير: الدولة الحديثة.. خصائصها وأشكالها ووظائفها

nabil ahmadalamirأخذ مُسمى الدولة يتطور بتطور المفاهيم الآيدلوجية والسياسية والإجتماعية في المجتمعات الحديثة . .

وأخذ يتضح للمهتمين والباحثين بعد الإستقرار السياسي لدول اورپا وأمريكا، وترسّخ مفهوم الديمقراطية في أنظمتها السياسية والإجتماعية .

ومن هنا كان لابد من وضع أُسس واضحة وثابتة لمعرفة معنى الدولة وخصائصها وأشكالها ووظائفها .

 

خصـائـص الدولـــة

تتميز الدولة عن غيرها من المنظمات بخصائص رئيسية لعل أهمها هي السيادة ومدى حريتها في تعديل القوانين التي تضعها، من أهم خصائصها:

 

الشخصية المعنوية:

حيث يعترف الكثير من الفقهاء أن الدولة تتمتع بشخصية معنوية مستقلة، تمارس جميع الحقوق الممنوحة للشخص المعنوي لكن شخصيتها منفصلة تماماً عن شخصيات الأفراد الذين يمارسون السلطة والحكم فيها. وهذا دفع ببعض الفقهاء إلى إنكار الشخصية المعنوية للدولة ونتيجة هذا الخلاف كان هناك إتجاهين:

1- الاول: الإعتراف بالشخصية المعنوية للدولة ونتائجه، ويقصد كمبدأ عام بالإعتراف بالشخصية القانونية والقدرة على التمتع بالحقوق وتحمّل الإلتزامات، أي القابلية التي تؤهل الشخص لأن يكون طرفا إيجابيا أو طرفا سلبيا بشأن الحقوق . ونتائج هذا الاتجاه هو دوام الدولة ووحدتها، والمساواة بين الدول .

2- الثاني: إنكار الشخصية المعنوية للدولة، حيث يرى بعض الفقهاء والباحثين أن الدولة ظاهرة إجتماعية موجودة على أساس الإنقسام للمجتمع إلى فئتين حاكمة ومحكومة، وإن الذي يضع القوانين هو الحاكم ويفرض تطبيقها وتنفيذها، بينما آخرون يرون أن الدولة مجموعة من القواعد القانونية الآمرة، وأنه لا يتوافر لها الشخصية القانونية .

ومما سبق يتضح أنه ما يؤخذ على أنصار هذه النظرية، أنهم لم يقدموا لنا البديل للشخصية المعنوية .

 

• السيادة:

وهي من أهم خصائص الدولة التي تنقسم الى:

- السيادة الداخلية .

- السيادة الخارجية

فالسيادة الداخلية تتمثل بالسلطة التي تتمتع بالشرعية من خلال الانتخاب المباشر لها من قبل الشعب، وبما يمثله من تفويض عام من خلال رأي الأغلبية الشعبية أو البرلمانية، وهذه السلطة تمثل الهرم السيادي لمثلث السلطة المتمثل بقاعدتية السلطة القضائية والسلطة التنفيذية . والسيادة هي التعبير والفكرة التي تضع السلطة فوق إرادة الأفراد من خلال اختيارهم وتفويضهم لهذه السلطة وتمثيلها بما يعني إقرارهم بالموافقة على أن تكون الدولة ممثلاُ لهم ووكيلاًُ عن أرادتهم السياسية والقانونية، والتفرد بالقرارات التي تقتضيها الحياة العامة .

أما السيادة الخارجية فتعني عدم سيطرة حكومة أو سلطة خارجية على السلطة المحلية، وعدم خضوع أرادتها الى أي إرادة خارجية، وتمتعها باستقلالية قرارها السياسي والقانوني الوطني، إضافة الى انطباق قواعد القانون الدولي عليها .

وفكرة السيادة فكرة قانونية تتصف بها السلطة السياسية، يتم تفويض أفراد من عموم الشعب لتمثيلهم بنتيجة العقد الاجتماعي، حيث يتم تفويض هذه المجموعة من الأفراد صلاحيات مطلقة أو محددة تبعاً للظروف ورغبة الشعب، والشعب هو الذي يملك السيادة أصلاً ويفوض بعض من صلاحياته الى هذه المجموعة، لتمثيله ضمن صيغة قانونية وفقاً لانتخابات عامة أو محددة، أو وفقاً لتخويل من البرلمان المنتخب أو أية صيغة شرعية أخرى .

واتفق الفقهاء في القانون الدستوري أن الأمة هي صاحبة الإرادة الشعبية وهي مصدر السلطات وهي التي تخول أو تمنح الهيئة السياسية بعض أو كل من الصلاحيات التي تملكها، والتي ينص عليها الدستور .

 

خضوع الدولة للقانون:

دولة القانون هي الدولة التي تُخضع جميع أوجه نشاطها للقانون، سواء في التشريع أو التنفيذ أو القضاء .

وإن أهم ما يميز الدولة القانونية عن غيرها من الدول، هو خضوع جميع نشاطها للقواعد القانونية، أي عدم إلزام الأفراد بشيء خارج القانون .

ولكي تقوم الدولة القانونية يجب أن تتوفر ضمانات أساسية حتى لا يُخرق هذا المبدأ، وأهم هذه الضمانات:

١- وجود الدستور،  .

٢- تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات .

٣- احترام مبدأ سيادة القانون .

٤- تدريج القواعد القانونية .

٥- الاعتراف بالحقوق والحريات العامة .

٦- تنظيم رقابة قضائية واستقلالها .

 

 

"أشـكـال الـدولــة" . . .

تنقسم الدول من حيث التركيب الداخلي للسلطة، ومن حيث التكوين إلى:

- دول بسيطة .

- دول مركبة .

 

الدول البسيطة الموحدة:

هي الدول التي تكون فيها السلطة واحدة ولها دستور واحد، ويكون شعبها وحدة بشرية متجانسة تخضع لقوانين واحدة داخل إقليم الدولة الموحد .

وتتميز الدولة الموحدة بكون التنظيم السياسي للسلطة فيها واحد، وتكون موزعة على على عدة هيئات تمارس في شكل وظائف أو اختصاصات مختلفة بمبدأ الفصل بين السلطات ولكن كل هذه الهيئات أو السلطات هي عبارة عن جهاز سلطوي واحد في الدولة البسيطة، وما هذا التوزيع إلاّ توزيع للوظائف وطرق العمل داخل نفس السلطة الحاكمة في الدولة .

أما فيما يخص توزيع السلطات الإدارية على الأقاليم والهيئات فإن السلطة التنفيذية في الدولة تتولى مهمتين وظيفة الحكم ووظيفة الإدارة والتي يمكن تقسيمها وتوزيعها على هيئات لامركزية تتمتع بالاستقلال في أداء وظيفتها الإدارية .

فاعتماد على نظام اللامركزية الإدارية لا يؤثر في وحدة الدولة سياسياً .

 

الدولة المركبة:

هي الدول التي تتكون من إتحاد دولتين أو أكثر، غير أن هذا الإتحاد ينقسم إلى عدة أشكال بسبب اختلاف نوع وطبيعة الإتحاد الذي يقوم بين هذه الدول، والتي تنحصر في:

- الإتحاد الشخصي:

وهو أضعف أنواع الإتحاد بين الدول وهو وليد الصدفة لأنه نتيجة حادث عارض في حياة الدول يتمثل في تولي شخص واحد الرئاسة مع احتفاظ الدول بالاستقلال الكامل .

 

الإتحاد التعاهدي أو الاستقلالي:

وهو نتيجة الاتفاق بين دولتين أو أكثر في معاهدة دولية على الدخول في الإتحاد مع احتفاظ كل دولة باستقلالها الخارجي والداخلي، وبقاء نظمها الداخلية دون تغيير .

 

الإتحاد الحقيقي أو الفعلي:

هو الذي يقوم بين دولتين أو أكثر تخضع جميعها لرئيس واحد، وتندمج في شخصية دولية واحدة، ولها وحدها حق ممارسة الشؤون الخارجية والتمثيل السياسي الدبلوماسي والدفاع، مع احتفاظ كل دولة من الدول الأعضاء بدستورها وقوانينها ونظامها السياسي الداخلي الخاص .

 

الإتحاد المركزي:

يضم وحدات متعددة (ولايات، دويلات) في شكل دولة واحدة هي دولة الإتحاد، حيث تتولى تصريف وتسيير بعض الشؤون الداخلية لكل دولة والشؤون الخارجية الخاصة بالدول جميعا، ويعتبر هذا النوع من أهم صور الإتحاد، على خلاف الاتحادات السابقة فهذا الإتحاد يستند إلى دستور الدولة الاتحادية ذاته، ولا يعتبر الإتحاد المركزي بعد قيامه إتحادا، بل هو دولة واحدة مركزية تضم مقاطعات أو جمهوريات، وتنحصر نشأته في اندماج عدة دول مستقلة في الإتحاد أو تفكك دولة موحدة إلى عدة دويلات، وينتهي الإتحاد بزوال أحد أركان الدولة أو تغيير شكل الدولة من إتحاد مركزي إلى دولة موحدة وبسيطة .

ومن أسس ومظاهر الوحدة في الإتحاد المركزي في النطاق الدولي، انه يقوم على أساس وحدة الشخصية الدولية، ويظهر رعايا الدولة الاتحادية كشعب واحد يتمتع بجنسية واحدة، ويقوم على إقليم موحد يمثل الكيان الجغرافي للدولة الاتحادية في مواجهة العالم الخارجي، ويتكون من مجموع الدويلات المكونة للإتحاد المركزي .

أما في النطاق الداخلي فيتمثل في وجود دستور إتحادي يشكل الأساس القانوني الذي تقوم عليه الدولة الاتحادية، وفي السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية المركزية وكذلك السلطة القضائية الاتحادية (قضاء فدرالي) .

هناك فروق متعددة بين الإتحاد المركزي الفدرالي والإتحاد الاستقلالي الكونفدرالي، إذ يستمد الإتحاد الاستقلالي وجوده من معاهدة تتم بين الدول الأعضاء فيه، في حين ينشأ الإتحاد المركزي من خلال عمل قانوني داخلي هو الدستور الاتحادي، ولتعديل هذا الأخير يكفي توفر الأغلبية في حين يشترط موافقة كافة الأطراف في الإتحاد الكونفدرالي .

أما الانفصال فهو حق مقرر لكل دولة من الإتحاد الاستقلالي بينما ذلك مرفوض في الإتحاد المركزي .

يتمتع جميع أفراد الشعب في الإتحاد المركزي بجنسية واحدة هي جنسية الدولة الاتحادية، بينما يبقى لرعايا كل دولة في الإتحاد الاستقلالي جنسيتهم الخاصة لدولتهم .

فإذا قامت حرب بين دولتين من دول الإتحاد الاستقلالي فهي حرب دولية، أما الحرب التي تقوم بين الولايات الأعضاء في الإتحاد المركزي هي حرب داخلية أهلية .

 

وظـائف الدولـــة

يقصد بوظائف الدولة هو الوظائف السياسية وليس الوظائف القانونية التي تنصرف على الوظائف التشريعية والتنفيذية والقضائية، بيد أن لكل دولة حد أدنى يجب ان تقوم به، يتمثل في مهمة الدفاع عن نفسها، وبث الطمأنينة والسلام في ربوع الدولة، وفظ النزاعات التي تثور بين الأفراد .

مما سبق نجد هناك خلاف بين النظريات في فيما يخص وظائف الدولة، لذلك تم تقسيم نظريات وظائف الدولة الى: - المذهب الفردي.

- المذهب الاشتراكي .

- المذهب الاجتماعي .

 

المذهب الفردي:

يقوم على أساس الفرد وتقديسه، إذ يحصر وظيفة الدولة في أضيق حد ممكن، أي أن تمارس (عدا أوجه النشاط المتصلة مباشرة بوظائف الأمن والدفاع والقضاء)، فيما عدا هذه الوظائف تترك الدولة للأفراد ممارسة مختلف أوجه النشاط الأخرى في حدود القانون .

تعرض هذا المذهب الى عدة انتقادات من أهمها:

- يضيق هذا المذهب دائرة نشاط الدولة مما يعيقها من تحقيق المصلحة العامة .

- إن ترك المسائل الحيوية كالصحة والتعليم في أيدي الأفراد قد ينتج عنها أزمات اجتماعية، إذ لابد من تدخل الدولة لتسيير هذه النشاطات.

- يفتقد هذا المذهب إلى الأساس العلمي عندما يؤمن بوجود حقوق للفرد سابقة على وجود المجتمع، وهذا أمر غير منطقي .

 

المذهب الاشتراكي:

ظهر هذا المذهب كرد فعل لتناقضات المذهب الفردي، وليجعل من الجماعة الهدف والغاية بإزالة بعض مخلفات الرأسمالية من الطبقية بين أفراد المجتمع، ليؤمّن بذلك للدولة التدخل في كافة الأنشطة وإدارتها، وذلك لتحقيق العدالة الاجتماعية بين الأفراد، وكغيره من المذاهب وجهت له انتقادات من أهمها:

- إذا كان المذهب الفردي يجعل الإنسان يستغل أخيه الإنسان، فإن المذهب الاشتراكي يقضي على نشاط الفرد ويضعف لديه روح الابتكار والمبادرة بحيث يصبح يتكل على الدولة في كل شيئ .

- يؤدي هذا المذهب إلى استغلال الطبقة العامة من طرف أصحاب القرار، أي استبدال الاستغلال من الطبقة الرأسمالية إلى طبقة كبار الموظفين .

 

المذهب الاجتماعي:

هو من أكثر المذاهب انتشارا في الوقت الحاضر، و هو المذهب الوسط بين المذهبين المتطرفين الفردي والاشتراكي، فموقفه يتجلى في وجوب العمل على إصلاح المجتمع عن طريق تدخل الدولة مع الاحتفاظ بالقيم المعروفة كالدين والأسرة والملكية الفردية وحرية التعاقد، أما من الناحية الاقتصادية فيأخذ بفكرة الاقتصاد الموجه، بمعنى أن الدولة تتدخل لتوجيه بعض نواحي الحياة الاقتصادية دون أن تقضي على المبادرة الفردية مثل السيطرة والسيادة على ثرواتها الطبيعية وإقرار العدالة الاجتماعية، أو مكافحة البطالة .

 

مذهب وظائف الدولة الإسلامية:

للدولة الإسلامية وظائف ومهام عديدة، إذ أنه يبيح للدولة وللسلطة الحاكمة أن تتوسع في وظائفها، وتحد من حقوق الأفراد لصالح الجماعة كلما دعت الضرورة لذلك، ويكفيها فقط الشهادة وتبليغ الدعوى للإنسانية جمعاء وفق الضوابط الشرعية، إلى جانب كل هذا تضطلع بوظائف أساسية هي:

- فريضة الجهاد .

- توفير الأمن والطمأنينة لجميع سكانها، .

- إقامة العدل بين الناس ورد المظالم .

- الأمر بالمعروف والنهي على المنكر .

- توجيه الاهتمام بالعلوم ووسائل التقدم الحضاري .

- إقامة التكافل الاجتماعي داخل المجتمع .

إن المذهب الاجتماعي يجد أساسه في الشريعة الإسلامية تشريعاً وتطبيقاً، وتلك الشريعة التي التزمت الوسطية في جميع المجالات، هي تعتني بالفرد قدر اعتنائها بالجماعة، بل تفضل مصلحة هذه الأخيرة كلما حكمت الضرورة ذلك (جباية الزكاة ومحاربة مانعيها، تامين المرافق العامة والصناعات الثقيلة بضرورات الحياة للجميع) .

وللموضوع بقية . . .

والله من وراء القصد .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3713 المصادف: 2016-11-04 02:07:16