المثقف - قراءات نقدية

بناء الشخصية في الرواية / عبد الباقي يوـف

الشخوص في تقنيات مسرود المقام الروائي يتشكلون في تربة أعماق الروائي، كل شخصية معبأة بحالة ما،

 وهي رسولة  هذه الحالة.

إن هؤلاء جميعاً يسعون لأن تكون الشمس أكثر ضوءاً والليل أقل ظلمة وهم جميعاً يحملون سمات الأبطال مهما كانت أدوارهم ومواقعهم .

قبل أي فعل أو ردة فعل، فإن الشخوص تنظر إلى رسم عالم النص لأن هذا العالم هو العنصر الفاعل والأرض الخصبة التي تعيش على تربتها، وهنا ستمتد أيدي هؤلاء من داخل النص إلى أيدي القراء لإدخالهم إلى عالم النص كخطوة أولى للتفاعل، ثم يندرج التفاعل حتى يبلغ مرحلة تأبى فيها روح القارئ الخروج من هذا العالم حتى لو ابتعد عن موضع الخطوة آلاف الأميال، فيتوسد سطراً ويلتحف جملة ويستلقي في حضن شخصية، ويستحم بفصل إلى أن يمكن لقارئ ما أن ينجب أطفالاً من شخصية داخل النص في بعض المراحل المتقدمة أو يحدث العكس، لذلك تجد مثل هده الفتنة السردية أو الطقوسية أو الكرنفالية متقدة في مفاصل اللغة التي ينظر فيها القارئ أول الأمر.

 

فتنة استدراج القارئ

إن المسرود الروائي  ينبثق في فضاء مخاض هذا الفعل التغييري،فإن قام قارئ ما بقراءة نص ولم يتمكن النص من محاولة إدخاله أو استدراجه، فإن ذاك النص سيفضل الاختفاء على الاستمرار في نهج الفشل، وأظن أنه وأثناء أخذ شكله وموقعه النهائي على المبيضة يكون الروائي مدركا لهذا الأمر، ولهذا أكون أكثر الناس خوفاً وقلقاً في الشهور الأولى من طباعة كتاب جديد، وأحياناً فإنني أسعى إلى بعض القرّاء لاستطلاع الأمر .

لاتوجد طامة كبرى إذا بدرت مواقف بدت غرائبية من بعض الشخوص، فربما ما تراه غرائبياً يراه غيرك طبيعياً، لان مفهوم الغرائبية مفهوم نسبي متغير من شخص إلى آخر، ومن زمن لآخر، والحياة مبنية على الأضداد والتناقضات، فأنت تعيش ذروة شروق الشمس، وتعيش قمة حلكة الليل، وتعيش ذروة الحرارة، ثم تبحث عن نار تدفئ صقيعك .

العمل الروائي  ينادي بالانفتاح وألا ينظر إلى هذه الحالات على أنها مؤشرات تعقيد وألغاز، بل على أنها حالات طبيعية سواء كانت في الطبيعة أو داخل الإنسان، إنها طاقات عليها أن تخرج، فعليك أن ترى وتعيش هذه التناقضات ويكون مفهومك أوسع واشمل، وهذه مأساة حقيقية تولدها حالات الانغلاق لحدث بسيط أن يرفع من ضغط أحدهم فيودي ذلك بحياته أو حياة شريحة من المستضعفين .

لايزال هناك حتى الآن من لايؤمنون بأن الرواية  هي الوسيلة  الكبرى لاكتساب سعة الأفق وانفتاح الروح والإيمان بنوازع الآخر وحقه في ذلك .

بين الشخوص والشخصيات في عمارة الرواية

الشخوص كائنات حية تتحرك على الورق،، تتألم،، تبتسم،، تتزاوج  ،، تتعلم،، تتطور،، تنمو . كثيرا ما نـُسأل عن شخوصنا الذين نأتي بهم  ونجعل لهم حضورا في عالم الواقع فيتعلم الناس منهم،، من أفعالهم وأعمالهم،  ويسدون رؤاهم ومعتقداتهم ثم يفسحون مجالا واسعا للجدال والنقد ؟  وفي الواقع فإنني أتعلم من شخوصي وأعلمهم، والكاتب يعيش حياتين واحدة مع شخوصه والأخرى هي حياته في محيطه ويحاول أن يتعلم من العالمين معا،، أحيانا أدخل شخصية من عالمي إلى عالم شخوصي أقوم بعملية التعريف فيما بينهما وأحيانا يحدث العكس وأمنح شخوصي الحرية التي أتمتع بها فهم أحرار بمقدار ما أنا حر وأعتبر حريتي من حريتهم وحريتهم من حريتي،، لم يسبق لي أن مارست القمع على إحداها و حتى لو خالفتْ ما أؤمن به فإنني أجعل من هذا الخلاف مادة للنقاش والتحاور والحب وليس بالضرورة أن نلتقي دوما فلابد أن نبتعد أيضا .

الكاتب في بلادنا يمتلك أفقا أرحب للكتابة عن الحرية وكذلك ممارستها والاستمتاع بممارستها أكثر من غيره، لأنه هنا يعيش روح  لحظات المغامرة  . لهذا فإن إبداعات أبناء بلادنا الشرق أوسطية  تتمتع بخصوصية بالغة في العالم و ترتقي هذه الإبداعات لتحوز بإعجاب العالم برمته  من حيث تناول مسألة الحرية الفكرية وبدون أن ننسى بأن هذه الأسماء هي سلسلة متواصلة من التاريخ  الأدبي في تراثنا  .   فالظروف مختلفة في منطقتنا بعكس ما يحدث في البلدان الغربية . قبل كل شيء على الكاتب أن يمارس سلوك الحرية في ذاته ومن ثم  يمنح الحرية لشخوصه ولا يصادر أفكارها،فأن أكون حرا أصعب بكثير من أن أكون ملزما لأن الحرية تملأ قلمي بمسؤولية غاية في الحساسية تجاه ما أكتب، وهذا التعامل بين الكاتب وبين الشخوص يحمل حساسية عالية إليه ويحمل إليه الأرق لأن أي كاتب في العالم لا يستطيع أن يرى بأنه ألمّ بكل شيء وامتلك الحقيقة كلها، وليس بوسع الإنسان أن يمتلك كل الحقيقة.

 

مخاض ولادة الشخوص

ولكن من أين نأتي بالشخوص؟ الحقيقة إن الأفكار هي التي تولّد شخوصها وتلبسهم الثياب وتعلمهم الحركات والتفكير، وأيضا ماذا أعني بالأفكار .

لنفرض أن الكاتب شاهد حدثا سعيدا أو تعيسا، وقد تأثر به غاية التأثير، إنه هنا يريد أن يمجده أو يدينه وبالتالي يؤرخه .

هنا تومض فكرة الكتابة إلى أن تتطور وتبلغ مرحلة لايستطيع الكاتب تحمّلها إلى أن يباشر في الكتابة . إن أي كتابة في العالم تأتي ليقول الكاتب من خلالها شيئا ما، ربما عندما يشاهد الكاتب مكانا أثريا أو يقرأ أحداثا تاريخية تومض لديه فكرة الكتابة،، لكن حتى وهو غارق في القرون الغابرة  فهو يكتب بأنفاس العصر الذي يعيش فيه،، وهذا ما يبدو في الأعمال الروائية التاريخية المعاصرة التي تميز بها البعض من روائيينا  .

أعود لأقول بأن الكاتب  عندما  ينوضع  أمام مصائر شخوصه يبلغ مرحلة غاية في التوتر،، وليست هناك قضية أألم من هذه، فليس دوما يحدث ما يريده الكاتب، أحيانا تأتي الشخوص وتجلب نهاياتها معها وكم يكون ألمي عميقا عندما تموت شخصية أكون قد تعلقت بها وعندذاك يمكن لي أن أمارس كل طقوس الحداد ويصل احتفالي ذروته أمام حدث سعيد لشخصية أميل إليها فاحتفل ذاك اليوم وأعزم الأصدقاء وأقول لهم عن المناسبة وبهذا فأنا كثير الحزن وكثير الاحتفال لان المناسبات تتوالى،، أجل إلى أقصى الحدود يتعلق الكاتب بشخوصه ويتعلقون به وبدون هذا التعلق لا تكون الولادة أو تولد الشخوص من روح الكاتب ميتة وبدون آلام المخاض وأيضا  غير مكتملة الفترة الزمنية،، أي تولد ناقصة وميتة وهذا أيضا لا يكفي فالكاتب عليه إلى جانب ذلك أن يمتلك البراعة في إقناع الآخرين بهؤلاء الذين يقدمهم،، أي أن يجيد حسن التقديم ويدري كيف يغرسهم في نفوس القراء،،

إذن فشخوصنا يتنفسون الحرية التي نتنفسها، ويعانون المعاناة التي نعانيها . وهذا بالطبع لم يعد مصدر قلق وإزعاج لنا فأي عمل في العالم لا يحمل المخاطر وروح المغامرة ولا يجلب لصاحبه الأرق هو عمل ناقص،، والإنجازات الكبرى هي التي تصطحبها الآلام الكبرى فحتى لو كنت مهندسا قد تتعرض لمخالفة رقابية وقد تتوقف    بهذه المخالفة وكذلك الكاتب يتعرض لهذه المخالفة .

إذن نحن الذين ننتج الشخوص وهم الذين يسعدوننا ويحزنوننا ويقدموننا مثلما نحن نقدمهم.

هناك في أعماق كل شخص يستقر عالم كامل مستقل ومتفرد كفردانية أي فرد وعلينا أن نتصوركم من العوالم موجودة في أعماق عدد سكان العالم . عندما يولد الإنسان يولد معه عالمه المختلف كليا عن عالم أي كائن آخر غيره، كل إنسان يأتي بالجديد الذي لم يُكتشف من قبل ويعيش تفاصيل حياتية لم يعشها أحد قبله وينظر إلى الحياة نظرات لم ينظرها أحد قبله وهذه الاستقلالية الذاتية والروحية تفرز التمييز الفردي وأيضا تولد منها النرجسية بمختلف مستوياتها ونزعاتها.

الفرد وأي فرد هنا بمفهومه ومواقعه يعرف ما لا يعرفه غيره ولديه ماليس لدى غيره ولديه ثقة بنفسه أكثر من أي شخص آخر وأيضا ربما يعلم المجهول أو شيئا من الغيب بحدسه،،مثلا قد نلتقي شخصا يُقال بأنه عندما يلقي بنظرات على أي شخص آخر فانه يستبطن إن كان سيعيش طويلا أو لا،، أو يقول آخر بأن حادثة ما ستقع أو غير ذلكأو أن شخصا ما نسمعه في إحدى المناسبات يقول بأنه يعلم أشياء خفية تخص جماعة أو مدينة أو دولة بحدسه فيقع بالفعل ما قاله هذا الشخص   .

 

القارئ ومجتمع الروايــــة

بكل هذا الذي ربما يكون فارغا وهذيانا أريد أن أمهد لأ قول بأن علينا أن نحترم الناس أجمعين على مختلف مستوياتهم الفكرية والعقلية والشخصية والاجتماعية والميوليةوعلى هذا فأقول بأنه لا يوجد أغبياء في العالم فكل إنسان يحمل في روحه أسراره وخفاياه وليس هناك أسوأ من أن يتعرض شخص ما للاستفزازات ويُرغم عليه السكوت بالتهديد والوعيد لأنه يريد أن يبوح بشيء يسري في كوامن أعماقه، ليس بمقدور شخص أن يفكر نيابة عن أربعة أشخاص فكيف يفكر ويقرر بدلا ونيابة عن آلف شخص أو مليون شخص وهو بذات الوقت يعجز أن يغور في أعماق شخص واحد منهم ويعجز أن يسمع الحديث الخفي الذي يتمتم به هذا الشخص في قرارة سره، نحن لا نستطيع أن نفعل شيئا بدون الآخرين ولا نستطيع أن نحقق شرط وجودنا الإنساني بدون احترام الآخرين وعلينا أن نعترف بأننا من صناعة الآخرين من صناعة أفكارهم ورعشاتهموطاقاتهم وآلامهم . لقد صنعونا فكيف نحاربهم ونعيش في قطيعة عنهم أو نتعالى عليهم وقد أطعمونا حليبهم وخبزهم وزيتونهم وبصلهم وعدسهم،، نستعبدهم أو نستهزئ بهم نشتمهم أو نسخر منهم . أي فرد هو امتداد للغير وأي حادث يصيب أي طفل في أي قرية من قرى العالم فهو إصابة لسكان الأرض أجمعين .

نحن ننظر إلى أي شخص على أنه يعلم ما لانعلم وندنو منه ونتعلم منه حتى لوظننا للوهلة الأولى بأنه سفيه وما أدرانا أنه لا ينظر النظرة ذاتها إلينا - فلديه ماليس لدينا وأوتي ما لم نؤت مثلما أوتينا مالم يؤت إذا زعمنا هذا،، فنحن نعيش بفضل الآخرين ولكل شخص فضل على الآخر سواء من الأموات أو الأحياء نحن ندين للعالم بتعلمنا اللغة واستماعنا الموسيقي وتعلمنا السباحة وقراءاتنا للروايات المذهلة والقصائد الجميلة وسكنانا واستخدامنا للاختراعات البشرية وبقدر هذا الاعتراف علينا أن نصر على وضع لبنة على عمارة الحياة الخالدة التي وضع أساسها أجدادنا أولئك القدامى .

علينا أن نحترم حتى أشخاص الروايات أن نحترم نبلييسيون لدى غريما لسهو من،، وروكنتان لدى سارتر،، وميرسو لدى كامو،، وعائلة تيبو لدى مارتان،، وقبيلة موهيكانلدى كوبر،، و أهل رانتزو،، لدى أر كمان،، والفلاح المنحرف لدى نيكولا،، والأخوة كراما زوف .

إن مجتمع الرواية هو ذاك المجتمع المتجدد الذي يقدم دروساً وملخصات حياتية هامة لسلاسل الأجيال البشرية . وكما أننا نكن ذاك الاحترام الخاص لأعلام الرواية، فإننا نكن ذات الاحترام لأولئك الشخوص الذين هم منارات مضيئة في دروب أفئدة الأسرة الإنسانية . من هنا كانت المسؤولية تتفاقم وتتعاظم حتى ينجح الروائي في رسم شخوصه، وكذلك وهو يمر بمراحل مختلفة حتى ينتقي لها الأسماء  التي سوف تقترن باسمه تماماً كما الأمر بالنسبة لفلذة الكبد .

 

    العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2311 الخميس 27 / 12 / 2012)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2305 المصادف: 2012-12-27 08:08:57