المثقف - قراءات نقدية

الكاتبة آمال عواد رضوان / وجدان عبدالعزيز

wejdan abdulazizتصرخ بوجه الزمن وتدعو للجمال بنفس الوقت

 

في مساء برودته شفيفة، حاولت ان افتدي نفسي بمثاقيل الذهب البراق لقاء استراحة بسيطة، ثم حاولت رفع نفسي، لأرى مساحة الكون وخضم الحياة، بغيوم مبللة بالألم واليأس، وبقيت أحاول، واحاول علّي اجد كوة ضوء في العتم الرمادية، كل هذه النوازع تتواردني وانا ادخل حدائق الشعر وامتح من ازاهيره، احس اريجاته، فتهدأ نفسي، وتمتلأ بحب الحياة ... وكلما كان الشعر صادقاً كان أكثر جمالاً، لأن الصدق يضيف للشعر قيمة عليا تترسخ في مكنونات الكلمة من خلال لغة الأحاسيس المشتركة ما بين الشاعر والمتلقي، كذلك فالشعر هو الأداة التي من خلالها نستطيع البوح بها عن المعاناة التي تلفنا دوامتها منذ زمن بعيد .

فالشعر هو فن الكلام المنمق الذي يحمل معه وشاحاً هادئاً من النبرة المتزنة كي يدخل البهجة إلى النفوس الظامئة للحقيقة، فهو القامة التي تتشبث بها هموم المجتمع ورؤى المتطلعين إلى غد مشرق جميل، وهو الشعر لغة الخيال والعواطف له صلة وثقى بكلّ مايسعد ويمنح البهجة والمتعة السريعة أو الألم العميق للعقل البشري إنّه اللغة العالية الّتي يتمسك بها القلب طبيعيًا مع ما يملكه من إحساس عميق ...

والشعر ليس تاريخ للواقع كما يقوله الشاعر محمد إبراهيم أبو سنة، لكنه تجسيد لرؤية الشاعر لهذا الواقع وتعتمد هذه الرؤية على وعي الشاعر وثقافته، وكلما اتسع وعيه وثقافته جاءت قصيدته مكتنـزة ومعبرة . اسوق هذه المقدمة، لأدخل إلى عوالم كاتبة تعددت محطاتها في عالم الحرف والكلمة، وبما اني ميال للشعر وهو يغزو أعماقي دون أي ممانعة مني، أتناول الكاتبة آمال عواد رضوان هنا كشاعرة في قصيدة لاتخلو من مشاكسة وبحث عن حقيقة، قد عانت منها الشاعرة، وهي بعنوان (مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ)، ومن العنونة نجد حدة المغايرة ظاهرة للعيان ومثيرة لخلجان الانسان بفعلها الأمر (مرغوا) إلى كلمة (نهد) عنوان خصوبة في كل الجوانب سواء العاطفية المثيرة للحواس او كون النهد رمز الحياة وعنوان النمو فيها الى العطر الازرق، كحلة جمالية او عامل جذب مغري، ثم ان القصيدة بُنيت على عوالم مغايرة قالتها الشاعرة واحجمت عنها في ذات الوقت، فـ(الشاعر ينقل تجربة ذاتية مثقلة، تستند بلا شك الى خلفية فيها بالاضافة الى المشاعر، مدركات وثقافة وتجارب واقعية وافكار . في تجربة عقل مدرك وفيها ايضا خيال مبدع وعاطفة جياشة وتوتر من نوع ما، هذه الانفعالات هي الابرز وهي العنوان . هي الاعلاء من حجم العناصر الشعورية او الاعلاء من حجم الاعلان عنها الى الدرجة التي لايمكن معها رؤية ما في التجربة من ادراك وفكر ومفاهيم، هي عملية تعتيم لا واعية لانجد لها تفسيرا مقنعا) ص84 في الادب الفلسفي، فـ(ان قوة الفن لاتكمن في ما يقوله وحسب بل في ما لا يقوله ايضا، أي في ما يرمز اليه ويوحي به، وهذا بعض سر خلود الاعمال الفنية الاصيلة وحيوتها المتجددة، والعمل الفني يقترب من لحظة الابداع الكلية بقدر ما يحمل من غنى في المضمون في ايحاءاته ودلالاته، بحيث يبقى لكل متقبل لذلك العمل تجربته الخاصة المتميزة الى حد ما عن تجربة غيره )ص49ـ50 الادب الفلسفي، لذا كانت قصيدة الشاعرة آمال تحمل عدة دلالات وتأويلات، تغدق بدفقها على الذائقة المتلقية الكثير من عطاءات المعنى، فهناك ظاهر وهناك باطن ... تقول الشاعرة :

 

(وأنا في سكرةِ أعماقي

أثملُ بموْجِ مُستحيلٍ

لا يُذبِلُ نُواحَهُ جنونُكَ!

أنامِلُكَ.. ما فتئتْ تتندَّى اشتعالاً دامِسًا

تُقشِّرُ سحابَ وقتِي الموْشومِ بالنّعاسِ!

ولمّا تزلْ تخلعُ أسمالَ تثاؤُبٍ

كم تيمّنَ بالأزلْ!

ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ

تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!)

 

واني أرى هنا ليس باستطاعتي التوقف عند النص بدلالاته الباثة وقد تكون المغلقة، إنما أجد انفتاح النص على ثقافات أخرى، تحرك الحساسية الثقافية له باتجاه اكتشاف مناطق حيادية في النص وهذه مشاركة بين المبدع والمتلقي .. ينقل الأستاذ الدكتور محمد صابر عبيد في كتابه (بلاغة العلامة وتأويل الرؤيا) : (ان الدراسات السيمائية للنص الأدبي تتميز بحرصها الشديد على فهم العلامة الادبية في مستوى العلاقة الجدلية بين النص الأدبي والمجالات الثقافية الاخرى)ص10، وأضاف قائلا : (بحيث يتجلى فهم الانسان داخل وسط كثيف وثري وعميق من الحساسية الثقافية العامة، وهي تتداخل وتتحايث مع الحساسية النصية لتؤلف هذا الجدل المعرفي الذي يقود إلى إنتاج المعنى) نفس الصفحة، ومن عنونة القصيدة الى متنها البلاغي نجد الشاعرة امال عواد تستفز المكان، لتغليف ذاتها بعدة اقنعة بلاغية تتخفى من خلالها في بوح استنفاري للغة الجسد، محاولة منها لتحضور الجسد في تجلياته الايروسية (الايروتيكية)، ورمزت لهذا بالنهد .. ولكنها استمرت في رحلة استكشافية لذاتها ومقدار تعلقها بالاخر الذي يكمل فراغات الجسد ويعادل موضوعية الروح، كون الشاعرة، هي باحثة عن الجمال وحقيقية الحياة في مساحة لغوية تحولت إلى نص يجترح معنى كامن ... وهي تخاطبه : (ولمّا تزلْ.. في سديمِ الصّمتِ المثقوبِ / تمتطي تراتيلَ كَوْني الغافي!)، فالكينونة لاتكون الا به لاستيقاظ تلك الغفوة .. وتستمر قائلة : (طُيوفُ جراحي طاعنةٌ في سَرمديّتها) (حينما غرَّها بَسْطُكَ المُهترِئُ

وَ.. على مَقامِكَ المرْكونِ

مُــنْــصَــاعَــةً

تَــكَــسَّــرَتْ

وَ.. رصَّعتني بانكساري!

بجناحَيْ جنونِكَ انبثقْتَ عائِمًا تُرفرِفُ)

هذا الصراع السرمدي يخلق قوة الاصرار في البحث عن حقيقة الغياب، وحقيقة الحضور الجمالي في العلاقات الانسانية بين الاخر والاخر، فوسط هذه التحولات تزداد آمال عواد قلقا ويتعاظم قلقها مع ازدياد حالة الغياب، يقول الدكتور علي الشامي : (على الادب مهمة التعبير عن هذه المعاناة واعادة الاعتبار لقيمة الانسان التي ضاعت وسط المسار المأساوي للعلم والحضارة الحديثة وما تطور عن الاتجاهات الرومانسية والواقعية الانسانية في الادب الغربي الحديث الا انعكاس لردة فعل الادب تجاه هذا المسار المؤلم)، وتبقى الشاعرة باحساس مرهف تعاني مشكلاتها وتحاول ايجاد المبررات المقنعة للمتلقي شريكها في المحنة ..

 

(وفي مَحافِلِ التّرقُّبِ

احترفتَ تضميدَ حروقِ حروفي!

ألْسِنةُ بوْحي النّاريِّ

طليتَها بوَشوشةٍ انبجَسَتْ تستجيرُ:

سرابُ حوريّةٍ أنا؛

إِلى مسارِبِ الوَهْمِ أَغواني)

 

لاشك انها تعيش محنة انثى، هي محنة عصر توتر بين الحقيقة والوهم، بين الحرية ومفاهيم التحرر، بين الانوثة المحجبة بحجاب مقدس واخرى محجبة بحجاب مدنس، بين مفاهيم الحفاظ على الحورية السراب، وبين ان تكون حورية بحقيقة الخلق الانساني وليس التابوي الموضوع بقوالب مزيفة .. ان قصيدة الكاتبة آمال عواد رضوان (مرِّغوا نهدَيَّ بعِطرِهِ الأزرقِ)، صرخة في وجه العصر، ودعوة في نفس الوقت لجمال البوح وجمال الحب وجمال العلاقة وفتح نافذة مشرعة للتحليل والنقاش، وهذا عمق في الرؤية والافكار ..

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2316 الثلاثاء  01 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2310 المصادف: 2013-01-01 13:39:07


Share on Myspace