المثقف - قراءات نقدية

(عودة الكومينداتور) للقاص انمار رحمة الله .. قراءة انطباعية..

salam kadomfaraj(اتقدم بالتهنئة الحارة للصديق القاص أنمار رحمة الله بمناسبة انتخابه نائبا لرئيس اتحاد ادباء السماوة.

ويسرني أن اقدم هذه القراءة النقدية عن مجموعته القصصية الجديدة). 


 

هل هو بصدد خلق عالم يكاد أن يكون غريبا عن الواقع؟.. أم هو بصدد إعادة قراءة الواقع من خلال التضاد في ذات الواقع المنقولة الى المستويات الدلالية من مستويات لغة نصوصه السردية؟؟.

أنا هنا أحاول ان أعيد قراءة نصوص مجموعة الاستاذ انمار رحمة الله ( عودة الكومينداتور) الصادرة عن دار تموز في عام 2012 في دمشق والتي انطلقت من محورين اساسيين.. محور القصة القصيرة، ومحور القصة القصيرة جدا، والتي نعتها ( بالقصص الخطيرة جدا..). ليحكم السيطرة من خلال اللعب على جناس اللفظة ليحرفها ويلتمس معنى مغايرا ليكشف عن نية مبيتة ومقصودة للإنتقال من طرف دلالي ملتبس الى طرف دلالي نقيض مما يوسع من مديات دلالات نصه.. ويمنحها تخوما غير مرئية لكنها لاتخفى حتما على القاريء النابه. والناقد المستكشف..

يدخلنا انمار رحمة الله في سلسلة من تداعي الافكار المنثالة بأضدادها عبر مفاهيم الثنائية والمفارقة.. التناقض الذي يوجب التضاد.. الانسجام الذي يعقبه اللاإنسجام او العبث الذي يصطدم بنا كقدر محتوم..

مثال.... (رأيت في عينيه ضياعي. هو طالعني كقاريء الحظ التعيس.. ابتسم. ابتسمت..رمى سيجارته ،، رميت،،ونهضنا مسرعين) ... (المقبرة القديمة هي آخر ما تبقى من الانجليز(القوات التي دخلت ــ لتحرير ــ احتلال مدينتنا ــ) عن قصته.. حدث في المقبرة. صفحة 35..).

اقاويل روجها شقي المنطقة كي لايفسد احدهم خلوته فيها..ليقضي هو وعصابته ملذاتهم الممقوتة..). عن قصة حدث في المقبرة..

هناك عالمان. عالم ما يتعارف عليه الناس، والعالم الذي يعرفه الراوي العليم.. تمنيت على القاص الاستاذ انمار ان لا يبدي رأيه في افعال شقي المنطقة..ونعتها بالممقوتة. تلك مهمة القاريء لا الكاتب.. عليه ان يتناول وصف بعض ملذات الشقي  (الفتوة) والقاريء هو الذي يقرر ويحكم.. ان الحكم المسبق من قبل الراوي العليم على ممارسة شخوص النص. اي نص.. يفسد العلاقة بين النص والمتلقي ويحول القاص الى مصلح اجتماعي وينقل النص من ضفة الإبداعي الى ضفة التقريري التعليمي..

ولكن هذا لايمنع من القول ان نص الاستاذ انمار (حدث في المقبرة) كان على غاية من الدقة والاتقان في السرد الدرامي والترميز عالي القيمة..بليغ الدلالة..

في نصه الخطير جدا (القصير جدا) دعوني أغرد.صفحة 96

نجد أن البلبل يتحول وبمرور الوقت الى شيء .. او الى ثمالة شيء محنط. بعد ان كان روحا تنتج الغناء. التغريد.

. الحديقة وقد تحولت الى محل لبيع  اشرطة اغاني هابطة( لاحظ ثنائية التضاد والانسجام بين تغريد البلبل. والغناء المحنط في شريط جامد). بعد ان تحول المكان. كان لابد من زوال.. والزوال يتلخص بتحول البلبل الى جثة محنطة تباع ايضا وتشترى..

هل هو ترميز لانحطاط المثقف وتحوله الى بوق دعاية رديئة بسبب تغير احوال المكان والزمان؟؟ ام هو ترميز لحتمية التغيير؟.او حتمية الزوال؟؟

هذا اللعب على التضاد المادي (المكاني الزماني). مع المعنوي. الروحي. تغريد البلبل..يحيلنا الى سؤالنا الاول. هل هو بصدد قراءة واقع مرير. هل هو بصدد الاحتجاج على واقع مؤلم؟ هل هو يستبطن البحث عن عالم نظيف متاح؟؟ام هو رثاء الطبيعة امام تحولات الاشياء . وانخذال التلقائي امام الصناعي؟؟..

اما قصة العراة ( صفحة20) فتلعب على مفارقة الدعوة الى التعري الكامل والتي تجد صدى لدى الجموع. ورغم تطامن النص برؤيا حلمية . لكنه يؤشر الى قوة تلك الدعوة التي ارعبت الراوي وبعض الناس. فهو يفرك عينيه غير مصدق. ويتساءل هل ان ما يجري حقيقة ام حلم يقترب من الكابوس؟؟. الراوي يرى بعينيه بعض العراة ويصفهم..

الظاهرة هنا تستدعي الى الذهن قوة تأثير الدعوة الى تبني ظاهرة ما. لا الظاهرة نفسها.. فثيمة النص لا تكمن في التعري. بل الدعوة اليه من فوق.. من مؤسسة ما.. او من جماعة ضغط معينة.. ومديات الاستجابة.. وقوة النص تكمن في استدعاء نص غير مكتوب على القاريء ان يستكشفه.. اعني الدعوة الى اشياء أخرى. كالدعوة الى النقاب مثلا. او اطلاق اللحى.. او اي نوع من انواع التمرد او التقوقع على قيم معينة( واحدية) لا تأخذ بنظر الاعتبار تنوع المفاهيم. وسعة الافق في قبول او رفض اية ظاهرة بحرية بعيدا عن املاءات المؤسسة. (اية مؤسسة..)

مع انمار رحمة الله عليك ان تبحث عن السطور غير المكتوبة او النص الكامن خلف النص المكتوب على الورق.. هو يرتكب احبولة جميلة.. احبولة النص والنص المضاد المختبيء والمصنوع بمهارة فائقة  و إمكانية ثنائية القراءة لنص واحد..!!!

ليس من عادتي تقييم كل النصوص واعادة قرائتها نقديا. لكني اركز على الانطباع الذي تتركه تلكم النصوص..وماكتبته اعلاه رأيته في نصوص مجموعة الاستاذ انمار.. لتي تجاوزت الاربعة والثلاثين نصا.. تدخل كلها في (وعي النص بتشكيل فني يمكن للقاص ان يغنيه لتأصيل تجربته) كما ذكر الروائي وارد بدر السالم في معرض تقديمه لمجموعة القاص المثابر..

من هنا أجد ان القاص انمار رحمة الله قد أجاب على السؤال الأزلي (لماذا يشعر الانسان بحاجته الى الفن؟؟).. هذه الاجابة لخصها قبله البير كامو بقوله (أن الفن يعبر عن حاجة ميتافيزيقية اساسية الا وهي الحاجة الى  الوحدة ، ولما كان الانسان لا يجد في عالمه هذه الوحدة التي هو في حاجة اليها دائما فإنه يجد نفسه مضطرا الى ابداع عالم آخر يجعله بديلا لهذا العالم)..

الفرق عند انمار ان هذا العالم متوار خلف النص بما يسمى بالأنساق السردية المحذوفة التي نتلمسها من السياق العام للسرد وتلك فضيلة القاص التي نغبطه عليها. وهي التي دعتنا للإحتفاء بمجموعته..

بقي علينا ان نعيد ما وضحه القاص عن معنى الكومينداتور.. وتشفيرات ماقصده في اسفل نصه الموسوم بنفس اسم مجموعته هذه (الكومينداتور في اللاتينية تعني القائد وفي الفلكور الاسباني هو القائد الذي عاد من الجحيم ليعاقب (الدون جيوفاني) المعروف بغواية النساء..). وقد تترجم الى مفردة قومندار..ايضا..

 

سلام كاظم فرج...

   

العودة الى الصفحة الأولى

 ............................

 الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2337 الجمعة  25 / 01 / 2013)

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

 ألرسم والكتابة فن واحد.. فالأديب يمكنه رسم النص، والرسام يمكنه كتابة الشعر بلا صوت "كورسون"
ويقول أرسطو "ألشعر والرسم نوعان من انواع المحاكاة ، يتمايزان في المادة التي يحاكيانها، فأحدهما يتوسل باللون والظل، والآخر يتوسل بالكلمة، لكنهما يتفقان في طبيعة المحاكاة وطريقتها في التشكيل وتأثيرها على النفس".
وهنا أجد انمار رحمة الله، قد رسم بالكلمة، وكتب باللون.. مدركاً ماله وماعليه.. فأبهرني بإضاءاته، وظلاله التي عتّمها بمهارة رائعة، بلغة واضح انزياحها نحو الشعر، وبانفعالية قصدية للتعبير عن الأحاسيس والمشاعر والمواقف العاطفية - لا أقصد العشقية - وتثويرها عند المتلقي.
رسم القاص لوحات مختلفة المواضيع والقضايا، ومسك لجام المخيال بحنكة متنقلاً مابين القصة القصيرة، والقصة القصيرة جداً, بينهما نوع من القص يتأرحج بين النوعين، طاب له أن يطلق عليها ( قصص خطيرة جداً )..
وهو نوع من اللعب على المفردة، وإشارة إلى أنها تقع بين المنطقتين.. لكنها متماهية معهما بجميع الرؤى، ومن حيث علاقة التوازي والتبادل والتفاعل، ولا تختلف من حيث الأهمية.
وبرأيي أن كل ما نسجه هذا القاص هو مهم، ويسهم بإغناء المشهد الأدبي.
فإذا راجعنا خواتيم نصوصه، نجدها مبنية على عنصر الدهشة والإبهار، وحتى إنْ تنازل عن ذلك فأنه يلجأ إلى القفشة
وفي كل الأحوال أنه يذوِّب الحدود الفاصلة بين المُدْرَك الحسي، واللامرئي والميتا.
وبرع تماماً باستدراجي إلى مجموعته بالكامل، في ليلة واحدة.. وحين استُلَّ الليلُ من غمد الغَلَس، شعرت بأن أنمار قد سرق مني الوقت ببسالة.. وحينها أدركت ما قصده الكبير محمد خضير بـ ( ساعات كالخيول )، حيث أنه واثق من مهارة أصدقائه بسرقة الزمن من القراء المنصهرين مع جسد النص الرصين، المستوفي لشروط القص ( ألثيمة، والحبكة، والزمان، والمكان )، وما يرافقها من مشكلة وعقدة وصراع وذروة وتطهير.. وبناء.. والعمل على أكثر من خط درامي.
وهنا أود أن أشير إلى أن رحمة الله حاذق بالتلاعب بخارطة النص، فهو يبتدئ النص أحيانا من آخر نقطة / ألتطهير.. وفي أحيان أخرى يتناول العقدة فقط.. وبسِمات تصويرية تعبيرية ممتعة.
ألمأخذ الوحيد على المجموعة - من وجهة نظري طبعاً - هو بساطة عناوين القصص.. فأنها عناوين قد تصلح لحكايا بسيطة، لكنها لاتتوازى جمالياً مع نصوص رائعة كهذه.. حتى ساورني شك، بأن العناوين موضوعة من قبل شخص آخر غير القاص.
تحية إعجاب وتقدير.

عمر مصلح
This comment was minimized by the moderator on the site

الشكر الجزيل للأستاذ عمر مصلح على هذه القراءة النقدية لمجموعة الاستاذ انمار..

سلام كاظم فرج
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2334 المصادف: 2013-01-25 17:09:07