المثقف - قراءات نقدية

مسرحية العميان للمخرج المسرحي الأكاديمي محمد حسين حبيب

sarmad sarmadiليس في وسعنا الا ان نحي ونشكر الأستاذ الدكتور محمد حسين حبيب على استمراره بمواصلة هذا الدرس المسرحي الأكاديمي الذي نحن في امس الحاجة اليه، ان يمضي مخرج مسرحي في مشروعه ولم يمر على وفاة والدته رحمها الله الا ايام معدودة، وليس جديدا على المؤسسة الأكاديمية العراقية في ان تجود بهذه النماذج المنشودة في جيل المستقبل من التدريسيين، فقد سبقه في هذه المعاناة على صعيد كلية الفنون مثال مشرف آخر هو الدكتور سامي الحصناوي الذي استكمل عرضه المسرحي رغم وروده نبأ وفاة والدته رحمها الله وهو في كواليس خشبة المسرح، والكثير من نوادر الفن المسرحي العراقي مروا بهذه التجارب التي تلمع في صفحات الثقافة العراقية، هذا الالتزام المهني والأخلاقي الذي رافق أساتذتنا الأفاضل لا يستحق منا الا كل التقدير والاحترام، ونبارك له افتتاح عام 2013م  وقاعة مسرح كلية الفنون الجميلة بنتاج إبداعي مهم وهو مسرحية (العميان)، على الرغم من خروج المتلقي بحصيلة مفادها تناقض فكرة نص تتهم شخصياته المجتمع بالعمى المعنوي مع فكرة عرض يتهم جمهوره شخصيات العميان بالعمى المادي، حيث أوكلت اليهم مهمة الإضاءة، فجاء تصميم الإضاءة المسرحية لينهي فكرة العرض حينما انار منفذها قليلا من داخل وخارج خشبة المسرح، ليحيل العرض المسرحي الى نص مسموع في شبه الظلام.

يعد افتتاح صالة للمسرح مناسبة مهمة لرفع الوعي الثقافي العراقي، حتى لو كانت هذه الصالة قاعة دراسية تم ترميمها وتطويرها تقنيا داخل كلية الفنون، تخصص لعرض نتاج الطلبة على الصعيد العملي والذي يفترض إن يكون متوازيا مع ما يتلقونه من محاضرات دراسية على الصعيد النظري، و تعقد الآمال الكبيرة على هذه الصالة/القاعة الدراسية الفنية في تطوير العملية الدراسية الأكاديمية لمادة الفنون المسرحية في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بابل في العراق.

يتم تجسيد هذه الآمال وفق حساب المتحقق من أهداف عملية إنشاء قاعة دراسية وأخرى بالتوازي مع التطوير المنشود على صعيد البناء الفكري المتشكل فنيا في واقع العروض المسرحية التي ستقدم من على خشبة قاعة المسرح الجديدة، مما يحقق تكاملا لا يحل فيه الشكل محل المضمون الذي يعول عليه المستقبل الأكاديمي الثقافي العراقي، متى ما تخلص المسرح العراقي من الطاعون الذي احل به على شكل الرقص والصورة بديلا عن التمثيل المسرحي، متى ما انحاز لجمهوره وتخلص من حالة الخرس التي نالت ممثليه الذين تحولوا بدورهم إلى مشاركين في حلبة العاب اولمبية، حينها نستطيع إن نتأمل مسرحية لا تمر بمخاضها الموت عند الولادة، تلك الهجمة الطاعونية التي رافقها مصفقا بعض النقد السلبي حتى لم يبقى للدراما مكان في محاضرات ونتاج طلبة المسرح إلا ما ندر، فأفرزت هذه الظاهرة ممثلا ملونا راقصا لا ينطق حرفا من صحيح اللغة إلا النصف عامية التي جادت به النصوص المحلية لعدم قدرة الممثل والطالب على تقديم نص عالمي.

كل طلبة المسرح تعرفوا على الواقعية نظريا ولكن كم منهم اختبر أداءه في مسرحية واقعية بل كيف اجتاز دراسته دون التطبيق العملي لما تلقاه نظريا، وكلما شهدنا عرضا مسرحيا لا ينتمي لمنهج الدراسة الأكاديمية في داخل كليات الفنون قيل لنا انه ينتمي للتجريب، ذلك المصطلح الذي شكل شماعة يعلق عليها كل فشل جماهيري وعجز أكاديمي لعرض مسرحي، وهو المصطلح الذي يتم اللجوء له من غير إن يمر الأكاديمي بما تم الوصول إليه من خلال التجريب ابتداء، فكأن الأمر أشبه بعملية صياغة جملة مفيدة اتخذ قائلها لفظ الأحرف كل على حدة طريقا لكي تخرج جديدة لا تقارن بغيرها من الجمل وتسجل له في سجل الريادية الفنية إلا إن هذه المرحلة تأتي قبل كل تجربة قبل إن تكون مرحلة ما بعد كل التجارب، بمعنى إن تيارات المسرح العالمي من مذاهب ومدارس لابد لها من المرور بمرحلة التجريب حتى وصلت لمستوى الترسيخ النظري الذي يرتقي لتم تدريسه أكاديميا، إما ما يقدم حاليا على الصعيد المحلي جماهيريا وأكاديميا فلن يتم ترسيخه إلا بوصفه يدور حول مفردة التجريب لأجل التجريب فحسب، ولهذا لم يدخل في مناهج الدراسة الأكاديمية تجربة مسرحية عرضت محليا إلا من خلال تحليلها ضمن دراسات وبحوث تقدم لنيل شهادة الدراسات العليا من ماجستير ودكتوراه وربما لنيل الترقيات العلمية أيضا، لكن كل هذا التوثيق العلمي لم يرتقي بها لتصبح من دعائم نظرية محلية في فن المسرح اتخذت من التجارب طريقا لتصل إلى مرحلة الثبات، فقد تحولت وفق طبيعة الإسقاط النظري الذي تتطلبه الدراسات والبحوث المختلفة للدرجة التي يمكن إن نجد مسرحية تم تحليلها وفق نظريتين متناقضتين في بحثيين مختلفين تماما من حيث الاختصاص الدقيق في مجال الفنون المسرحية وتم الخروج بنتائج مختلفة في كل مرة يتم تناولها، وعلى الرغم من هذا الإثراء الذي يوفره النتاج المسرحي المحلي على مستوى الدراسات والبحوث ووريقات النقد المسرحي، إلا انه لم يتشكل في مستوى يمكن دراسته أكاديميا كما يتم دراسة المسرح العالمي، وذلك لكونه نتاجا متحولا يفتقد إلى عنصر الثبات على مذهب ومدرسة وتيار فني معين كما يحدث مع مسرحية ( دائرة الطباشير القوقازية) التي لا تنتمي إلا لنظرية المسرح الملحمي مهما تناوبت عليها مناهج في تحليلها دراسة وبحثا ونقدا على سبيل المثال، ،وكأن الإصرار على تجاهل ما توافر من نتاج تجارب المسرح العالمي هو الهدف المنشود لإثبات هوية محلية تعاني أزمة إطار فن لم يزدهر محليا فما كان من طريق إلا هدم الإطار ليبقى الفن عائما ينشد لوحده هويته فكريا وفنيا، مع انعدام أي ضمان في إن تكون محلية في آخر طريق التجريب، إذن ما ليس له نقطة بداية ما بعد تجارب الآخرين لن يكون له نقطة نهاية على وفق إن المقدمات تحيل إلى النتائج، فالتجريب إما إن يأتي عند انعدام وجود تجارب سابقة أو بعد المرور بها لا إن يقفز فجأة كأنه براءة اختراع لجديد قد يكون قديما، وكأن كل دراسة المسرح في العراق من أساتذة وطلبة ومؤسسات تعليمية تعالت عن مذاهب المسرح العالمي التي يدرسونها نظريا فاتخذت لها سبيلا أخر في هذا المجال لا يعرف له اسم لحد الآن، إلا التجريب.

يمتاز د.محمد حسين حبيب من بين أساتذة قسم الفنون المسرحية بوصفه ذلك التدريسي الملتزم بقضية المسرح الأكاديمي في تعامله مع الدرس والتمرين المسرحي ربما لأنه ينحدر من جيل تمكن الحظ من إسعافه ليرتمي في أحضان ترعاه بعمق جاء من خبرة دراسة بالشكل الأمثل في فترة ثقافة السبعينيات حين كان أساتذة الأكاديمية يرفدون الوسط المحلي بالشهادة تلو الأخرى من مناهل الجامعات الغربية الرصينة، فانعكست في شخصه صيغ التعامل الرصين الممتد من قبل أساتذة محترمين أدبا وعلما لم يبقى منهم على قيد الحياة إلا القليل مع الأسف، فعكست أعماله السابقة خطا فكريا التزم به على صعيد خطاب العرض المسرحي وخاصة فكرة الانتظار التي اتخذت طريقها لأن تكون موضوعة أطروحة الدكتوراه المقدمة من قبله، وكان اختياره لنصوص المسرح العالمي لتجسد خطاب انتظاره المسرحي واضحا في أمثلة كثيرة منها انتظار نهاية لعبة القوي والضعيف في مسرحية (النحيف والبدين) وانتظار نهاية لمعاناة شخصيات مسرحية ( اﻷكمة والكسيح ) وانتظار نهاية ينتفض فيها هملت على واقعه في مسرحية (هملت) ثم أخيرا انتظار نهاية حالة العمى من خلال عودة من يقود شخصيات تائهة في مسرحية (العميان)، ونجح خطاب المخرج مجسدا الانتظار في كل المسرحيات المذكورة التي تطرقت رمزيا لتاريخ العراق المعاصر لكن من زاوية تناول اقصي من خلالها دور الإنسان ليعهد بالتغيير حكرا على رمز قيادة قام مقام القدر في خطاب المسرح الإغريقي، وهذه الأرشفة الفنية انساقت بما لا يتوافق مع تطور الخطاب الفكري العراقي، بمعنى إن التغيير اتخذ شكله الجماهيري ولم يعد النور حكرا على شخصية القائد الذي يرى ما لا يراه الشعب الذي بدوره يقوم باختيار قادته من خلال صناديق الاقتراع، وهذا أولى بان يتم ترسيخه من خلال خطابات المسرح العراقي المعاصر حيث إن الوعي بالديمقراطية وكون الشعب يقود مصيره بنفسه أكثر استحقاقا من البكاء على عدم وجود من يقود هذا الشعب نحو مستقبل أفضل، فهذا المستقبل رهن بما تصرح به نتائج انتخابات تضمن حرية وكرامة كل إنسان في حقه بأن يختار من يمثله لا من يقوده، فيكون للشعب الدور الرئيسي في القيادة، ولن يجد وقتها وقتا للبكاء وهو المراقب لمن اختارهم ليخدموه، شعب فاعل يفرز قادة فاعلين.

في مسرحية ( العميان ) من تأليف موريس مترلينك الكاتب البلجيكي الذي كتبها باللغة الفرنسية 1890م، وإخراج الأستاذ الدكتور محمد حسين حبيب والتي عرضت بتاريخ 11-03-2013م من على خشبة مسرح كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة بابل في العراق، استثمر المخرج عالمية النص المسرحي مرة أخرى ليرسخ دوره الأكاديمي دون إن يحاول الخروج من معطف الأستاذ ليرتدي قبعة الفنان المجرب بعيدا عن المنهج الدراسي والهدف العام للمؤسسة الأكاديمية التي يمثلها في نتاجه المسرحي، وهذا ما يحسب له بكل امتياز على المستوى الفني لا الفكري الذي خالف ما سبق وقدمنا من ملامح الوعي العراقي المنشود، لأن هذا المنحى اقرب في سعيه لإيجاد خلاص في هدم الذات منه إلى بناء مجتمع مكون في الأساس من مجموع هذه الذوات، خاصة وان المسرحية من إنتاج قسم الفنون المسرحية وعرضت على احد مسارحه كأحد مؤسسات دولة ينبغي إن تقدم لمواطنيها الحلول بدل النحيب على عدم وجودها، إما في تعامله مع الممثل وبصفته أستاذا أكاديميا عمد الأستاذ الدكتور محمد حسين حبيب إلى التوفيق بين ما يقتضيه الدرس النظري وكيفية تجسيده على الصعيد العملي بالطريقة التي يرى أنها مناسبة لمستوى الطلبة المشاركين في هذا العرض المسرحي وذلك انعكس على أداءهم التمثيلي مخلفا آثارا تعد النسبة الأعلى منها ايجابية لو تحقق شرط استمرار هذا الدرس من قبل الأستاذ فيكون القياس على ذلك رهن بالعمل القادم لنفس كادر العمل الحالي، حيث توقف المخرج عند عقبات كثيرة حالت دون صقل الممثلين لأداء أدوارهم بالشكل الذي يأمل أي مخرج يتصدى لنص مسرحي عالمي، وهذه العقبات تندرج في إطار الدراسة الأكاديمية النظرية والخبرات العملية للطلبة الممثلين في هذا العرض، فعلى صعيد الدراسة النظرية لم يكن للمثلين سياقا منهجيا كطلبة في قسم الفنون المسرحية تسخر لهم لكي يوازن بين المعلومة وتطبيقها، فلم يتسلسل مفهوم التمثيل لديهم على وفق مدارس التمثيل المتعددة من خلال تطبيقات عملية لكل مدرسة ترافقهم في كل مرحلة دراسية طيلة دراسة البكالوريوس، لكي يصل بهم أخيرا إلى مستوى يمنحهم القدرة على محاكاة أستاذ في فن الإخراج المسرحي، إما على مستوى الخبرات الفردية فمجموع أعمالهم المسرحية السابقة لم تتخذ أيضا ذلك السياق المنهجي لاستيعاب فن التمثيل إلا من خلال ارتجال يعادل ارتجال من لم يدرس التمثيل أكاديميا، ذلك الممثل الذي يعتمد على موهبة تصقل بالممارسة ليتمخض عنها خبرة متراكمة يقاوم بها عمرا يتقدم دون الخروج من النمطية المتوقعة بالضرورة، إلا إن هذا لا يعني إن المخرج لم يكن محاولا بكل جهد إن يرفع من مستوى الأداء كما اتضح من تطور نسبي في أداء الممثلين، لكن هذا التطور تجسد في شكل قفزات هنا وهناك على صفحة العرض كما النقاط البيضاء تجتذب انتباه المتلقي لصفحة سوداء، وكان للإضاءة المسرحية دور مهم في توضيح هذه النقاط إلا أنها لم تكن بالمستوى المنشود لكي تبقيها بيضاء طوال فترة العرض.

فيما يخص التمثيل وعلى مستوى التعبير الصوتي الذي اجتهد فيه الممثل تلو الآخر في اندفاع تصاعدي نحو قشة يتمسك بها ليؤسس من خلالها محورا يركز فيه الجمهور لكي تكتمل فكرة، كان تعالي الصراخ والمبالغة تلازم أداء الممثل كطريقة يائسة لاجتذاب الانتباه بعد الانعزال التام الذي أفضت إليه خارطة حركة الممثلين الإخراجية على الخشبة، فالدخول والخروج الجماعي وسط فضاء متخم بلون اسود تساوت فيه أزياء و وجوه الممثلين مع أرضية وسقف وخلفية المنظر المسرحي،  وسط حيرة الممثل الغارق في بقع الضوء المهلهلة التي بالكاد تضيء حول وجهه وجسده الموجهة من قبل الجمهور، فضلا عن حالة السكون التي فرضتها خطة الإخراج وانعدم معها التعامل بين ممثل وآخر وتم الاكتفاء بطريقة الأداء ألتقديمي، حيث اتضح انتظار الممثل لدوره في قراءة حوار تلو الممثل الأخر عندما استثمر الممثلون الظلام المحيط بهم لأخذ استراحة، حتى ارتبك بعضهم ليتناسى  إن المسرحية بدأت بالفعل منذ اعتلوا الخشبة لا في اللحظة التي يتكرم عليهم احد إفراد الجمهور بقليل من الضوء، وظهر ارتباكهم جليا حينما صرخ احد الشخصيات في البقية (اخرسوا..) فاستجاب الممثلين وصمتت الموسيقى المسرحية، كما إن الارتباك انتقل لمنفذ الموسيقى، ومع إن ارتباكه لم يعد مبررا، إلا إن قسوة التعامل الذي فرضه فضاء المسرحية أحال الذاكرة لاشك لجلسات القراءة أكثر منها إحالة لوضع المشهد على الخشبة، وحتى لا ينال الانطباع السلبي الذي تقدم به اتحاد أداء الممثلين من أداء بعض الممثلين منفردين لابد من قراءة منفردة لكل منهم على مستوى التعبير الجسدي لكنها لن تخرج من إطار الجو العام الذي افترشته التقنيات المستخدمة في هذا العرض المسرحي، فقد اتخذ منفذ الإضاءة حصته من الارتباك لدرجة انه استخدم جهاز إضاءة موجه من عمق صالة المسرح إلى الخشبة، كأحد الخطط البديلة لعدم إسعاف جمهور هذا العرض المسرحي للممثلين بالإضاءة، فكان هذا الجهاز يعمل ليضمن مستوى مقبول من الرؤية بما لم يبقي لخطة الإخراج التي اعتمدت فكرتها على إضاءة الجمهور للعرض المسرحي أي منفذ للنجاح في إثبات تناقضها على الأقل مع فكرة النص.

على مستوى التقنيات أيضا لم يبقى لإضاءة هذا العرض المسرحي ماتنفرد به أمام التاريخ المحلي للعروض المسرحية وإذا كان الحال كذلك فلا داعي للخوض في ما يقابلها من سوابق ريادية تسطر تاريخ المسرح العالمي، إما على المستوى الفني فقد تحسب لتصميم إضاءة العرض كونها اتخذت طريق تجسيد مفاهيم النص المسرحي كظاهرة العمى الاجتماعي نحو شخصية الأعمى الذي كان ليبصر لو إن المجتمع أبصره ابتداء، ولكن لو صح ذلك لما أعطيت مفاتيح إضاءة العميان للمجتمع ذاته في هذا العرض المسرحي، فهنا تم مناقضة فكرة النص وتدمير كل بناءه خاصة وهو يدين حالة تم عرض عكسها، إلا وهي عزل العميان اجتماعيا، إما والحال كما عرضت المسرحية، فقد قدمت لنا حالة عزل المجتمع من قبل العميان، فقد استأثر المجتمع بفضل إنارة فضاء شخصية الأعمى شكلا، ورغم ذلك استمر الأعمى على صعيد النص في نكران ذلك مضمونا، والأجدر بالمراقب لهذا الانحراف المعرفي البالغ في تضاده محاولا الوصول إلى نقطة يلتقي عندها الإخراج مع النص لتهدمت كل محاولاته بسبب مستوى تصميم الإضاءة المسرحية المذكور، إما على مستوى التنفيذ فكل فرد من الجمهور رهن بقوة بطارية جهاز الإضاءة الذي يحمله كما هو رهن بنظرائه من أفراد الجمهور المتلقين لهذا العرض، فقدرته على متابعة المشهد ليست مرهونة بزاوية وشدة ولون الإضاءة المسرحية التي يفترض إن تكون في حالة من الثبات لتضمن انسيابية العرض باتجاه أهداف نص العرض، بل كان التلقي من قبل الجمهور رهن بفرد واحد منهم اتجه بجهاز الإضاءة اليدوي لينير فضاء آخر ولو بالصدفة أو حتى عن سابق قصد، فيبقى جهد بناء المشهد برمته متعكزا على مزاجية أفراد الجمهور في وضع لا يسمح لهذا العرض المسرحي إن يكتمل تقديم فكرته كما وضعت في نص العرض الذي تم هدمه منذ أول لحظات بداية العرض من خلال وجود خطة تصميم للإضاءة اكتفت بأن تحيل مهمة تنفيذ إنارة خشبة المسرح إلى الجمهور، بهذا انسلخ العرض عن نص المؤلف وعن نص المخرج وعن الأداء التمثيلي للدرجة التي أصبح عرضا لنقاط ضوء متحركة يتلاعب بشدتها ولونها وزاوياها جمهور اجبر على المشاركة بهذا الشكل من خلال توزيع كادر المسرحية أجهزة الإضاءة اليدوية عليه بعدما كان جالسا ينتظر إن تضاء فكرة المسرحية من على الخشبة، فكانت المشاركة هادمة لأمل الجمهور في عملية تلقي مسرحية لها، ومحبطة للتعبير الصوتي الذي اجتهد فيه الممثلون للدرجة التي خرقوا مبادئ الصوت والإلقاء لكي تبرز ملامح فكرة العمل على صعيد كلمات النص الملقاة في الوقت الذي يعز عليهم الاعتماد على بديهيات التعبير الجسدي والإيمائي لعدم وجود إضاءة مسرحية تفرض إطارا يتناسب وأدوارهم، فالذي حدث كان مجرد إنارة بالبقع الصغيرة المتحركة الموجهة لهم أكثر منها للجمهور، حينما كانت تأتي من الجمهور ذاته، ولنا إن نتخيل مدى صعوبة الاعتماد على اتحاد الجمهور حول أسلوب إنارة يتبعونه معا لندرك هشاشة فكرة الاعتماد على الجمهور ليتحد حول أسلوب إضاءة فكرة عرض مسرحي يفترض انه وجد في الأساس ليقدم لهم فكرة يتحدون بعد تلقيها على أنهم تلقوها على اقل تقدير.

إن استثمار الإضاءة المسرحية بهذا الشكل له سابقة أكثر تأثيرا بناء على انضباطها التقني في داخل مسارح هذه الكلية، حيث تم إشراك الجمهور في العرض المسرحي بطريقة تضمن وحدة البناء الفكري للمسرحية من خلال عرض استخدم فيه المخرج أجهزة إضاءة يدوية محمولة تعمل على طاقة البطارية تم توزيعها على مجموعة من الممثلين المنتشرين داخل الجمهور المحيط بالدائرة التي مثلت مركزا للعرض المسرحي في داخل قاعة المسرح الدائري، وكانت مهمتهم إن يتوجهوا بالبقع الضوئية على وجوه الممثلين في داخل المشهد كما يفعل جهاز الفلو الذي يلاحق الحوادث المسرحية داخل المشهد المعروض على الخشبة من خلال دائرة من الضوء، ولم يكن من مجال للارتجال أو لمشاركة غير محسوبة الأثر من قبل الجمهور لاستثمار هذا الأسلوب، فقد كانت أجهزة الإضاءة متوجهة حسب زاوية وبشدة معينة تتوافق والجو العام للمسرحية كما كان اختيار الألوان متوافقا والطريقة الأمثل لتقديم فكرة العرض المسرحي، فنتج تصميم وتنفيذ إضاءة مسرحية محكوم بالخطة الإخراجية للعمل المسرحي المعروض، كان ذلك في العام الدراسي 2002-2003م حيث كان لزاما علينا إن نقدم مشروع التخرج وهو مسرحية تعرض بحضور الأساتذة والطلبة من على احد مسارح الكلية، وكانت شرط اجتيازنا لدراسة البكالوريوس حيث كنا في المرحلة الرابعة والأخيرة من ضمن طلبة قسم التربية المسرحية سابقا (الفنون المسرحية حاليا) التابع لكلية التربية الفنية سابقا (الفنون الجميلة حاليا)، التابعة بدورها لجامعة بابل في العراق، فبدأنا بالتحضير لها مبكرا وتكللت بالعرض أخيرا بعنوان (بداية اللانهاية) تمثيل سرمد السرمدي و علي إياد ومجموعة أخرى من الطلبة وكانت من تأليف وإخراج سرمد السرمدي وإشراف الدكتور عقيل جعفر، بحضور كل من الأساتذة الأفاضل الدكتور محمد حسين حبيب، د. عباس محمد ابراهيم، د. محمد ابو خضير، د. أحمد سلمان، د. عبود المهنا، د. علي الربيعي، د. محمد فضيل، د. عبد الوهاب الخطيب، والدكتور مجيد عبد العباس رئيسا للقسم ورئيسا للجنة مشاهدة مشاريع التخرج وقتها، وعدد من طلبة الكلية، حتى نالت إعجاب السيد عميد الكلية الدكتور فاضل خليل الذي قام بدوره بترشيحها لتنال فرصة العرض في مهرجان قرطاج المسرحي حيث استقدم المخرج كل من الممثلين المبدعين شمم عباس وذوالفقار الذبحاوي وتم التمرين على المسرحية وفق رؤية إخراجية جديدة لتلاءم مستوى المهرجان المذكور، لكن هذه الفرصة ضاعت لأسباب مجهولة لحد اليوم، كما هي فرصة العرض في مهرجان منتدى المسرح العراقي التي ضاعت بسبب الحرب وقتها، وكانت عملية المشاركة في منتدى المسرح وفق رؤية إخراجية جديدة أيضا تطلبت إن يعود سرمد السرمدي ليمثل الدور الرئيسي في المسرحية وتكون من إخراج الأستاذ نورس محمد غازي وإشراف الدكتور عقيل جعفر.

 

الكاتب

سرمد السرمدي

أكاديمي - مدرس مساعد - ماجستير- فنون مسرحية - كلية الفنون الجميلة - جامعة بابل - جمهورية العراق

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2380 المصادف: 2013-03-12 07:00:54


Share on Myspace