المثقف - قراءات نقدية

المعمار النصي في مجموعة (أقواس) للمبدعة المغربية سمية البوغافرية

jamil hamdaouiتوطئــــــة: تتأسس القصة القصيرة جدا – معماريا- على البداية والعقدة والجسد والنهاية. وتسمى النهاية أيضا بالقفلة كما عند أحمد جاسم الحسين[1]. وإذا كان هناك من الباحثين من يرادف بين البداية والاستهلال (ياسين نصير مثلا [2])، فإن هناك من يميز بينهما (أحمد العدواني مثلا)[3]. فالبداية هي الجملة الأولى من القصة. في حين، إن الاستهلال هو بمثابة مطلع سردي يستهل به الكاتب قصته، وقد تستغرق هذه الفقرة الاستهلالية مساحة نصية، قد تكون قصيرة أو متوسطة أو كبيرة.

ولا يمكن الحديث عن البداية بشكل جيد ودقيق، وذلك في غياب العقدة والجسد السردي والنهاية. فهذه المكونات كلها هي التي تحقق للقصة القصيرة جدا اتساقها، وترابطها، وتماسكها النصي. وما يهمنا في هذا المقام هو دراسة هذه المكونات المعمارية جميعها في القصة القصيرة جدا عند القاصة المغربية سمية[4] البوغافرية في ضوء المقاربة الميكروسردية[5].

إذاً، ماهي مميزات القصة القصيرة جدا في مجموعة (أقواس)[6] لسمية البوغافرية على مستوى البداية والعقدة والجسد والنهاية؟ هذا هو الإشكال المحوري الذي سوف نرصده في هذا الموضوع.

 

دراســـات حول البدايـــة والعقدة والجسد والنهايـــة:

 قليلة هي الدراسات النقدية التي اهتمت بالبداية أو الاستهلال أو العقدة أو الجسد السردي أو النهاية في الكتابات الإبداعية الشعرية والدرامية والسردية والفنية؛ نظرا لما تطرحه هذه العناصر المعمارية من مشاكل عويصة نظريا وتطبيقيا. ولقد همشت هذه العناصر البنائية في الدرس الأدبي والنقدي والبلاغي منذ اليونان إلى يومنا هذا. وعلى الرغم من هذا الإهمال الطويل، فثمة استثناءات كما هو الحال في كتاب (الخطابة) لأرسطو الذي خصص فصلا للبداية والاستهلال[7]، وما قام به كتاب الثقافة العربية القديمة الذين اهتموا بالخطابة وصناعة الكتابة، فقد أوردوا فصولا في هذا المجال بنوع من الإيجاز تارة، وبنوع من التفصيل تارة أخرى [8]. ومن الأمثلة الحية على ذلك كتاب ( فن التخليص في علوم البلاغة) للإمام جلال الدين محمد بن عبد الرحمن القزويني الخطيب[9] ...ونستثني أيضا من هذه الدراسات الكتابات الشعرية الغربية الحديثة (جيرار جنيت – Gérard genette- مثلا)

وإذا كان الدارسون والباحثون العرب قد اهتموا بهذه العناصر البنائية في القصيدة الشعرية القديمة والحديثة والمعاصرة، فإنهم أهملوا بشكل كبير دراستها في السينما والمسرح والسرديات، لاسيما في الرواية، والحكاية الشعبية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا.

هذا، ويعد الباحث العراقي ياسين نصير – حسب اعتقادي- أول دارس عربي يشتغل على البداية والاستهلال في كثير من أبحاثه ودراساته القيمة كما في كتابه(الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي)[10]. ومن الكتب الأخرى التي اهتمت بالبداية نذكر كتاب (البداية في النص الروائي) لصدوق نور الدين[11]، وكتاب( بداية النص الروائي) [12] لأحمد العدواني، وكتاب(البداية والنهاية في الرواية العربية) لعبد الملك أشهبون[13]، وثمة مقالات أخرى اهتمت بالبداية والاستهلال كدراسة ( البدايات ووظيفتها في النص القصصي) لصبري حافظ[14]، و( مساهمة في نمذجة الاستهلال الروائي) لعبد العالي بوطيب[15]، و( في شعرية الفاتحة النصية: حنامينة نموذجا) لجليلة الطريطر[16]، و( فاعلية التخييل في البداية السردية) لشعيب حليفي[17]،...

أما عن الدراسات المترجمة في مجال البدايات، فيمكن الإشارة إلى الدراسة القيمة التي هي تحت عنوان: ( في إنشائية الفواتح النصية) لأندري دي لنجو[18]، و( في البداية) لجاك وب[19]...

ومن أهم الدراسات التي اشتغلت على النهاية في الرواية نستحضر ماكتبه عبد الملك أشهبون تحت عنوان(خطاب النهاية في الرواية العربية)[20]....

 أما عن الدارسين الذين اهتموا بالبداية والعقدة والنهاية في القصة القصيرة جدا، فنستحضر كلا من: أحمد جاسم الحسين في كتابه ( القصة القصيرة جدا)[21]، ويوسف الحطيني في كتابه( القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق)[22]، وجاسم خلف إلياس في كتابه ( شعرية القصة القصيرة جدا)[23]، وجميل حمداوي في كتابه ( من أجل مقاربة جديدة لنقد القصة القصيرة جدا- المقاربة الميكروسردية)[24]...

 

 أنـــواع البدايــات في القصــة القصيــرة جــدا:

تستعمل القصة القصيرة جدا كما هي عند الكاتبة المغربية سمية البوغافرية مجموعة من أشكال البدايات، حيث تنوع الكاتبة بداياتها الاستهلالية، وتغير باستمرار وضعياتها الاستفتاحية من قصة إلى أخرى. وقد تشترك القصة القصيرة جدا في هذه البدايات بشكل من الأشكال مع القصة القصيرة والرواية، مادامت الصياغة السردية في الاستفتاح متشابهة إلى حد كبير بين هذه الأجناس الأدبية الثلاثة. ويمكن الحديث عن مجموعة من البدايات التي تستند إليها القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية، ويمكن حصرها في الأنواع التالية:

 

البدايــــة الحدثيـــــة:

تتحول بعض القصص القصيرة جدا في أضمومة سمية بوغافرية إلى بدايات حدثية رئيسة، تتضمن عقدا متوترة لهذه القصص، فتنبنى عليها الأحداث والحبكة السردية إيجازا أو إسهابا، كما يبدو ذلك جليا في قصة (خطأ الكبير):

سقط الكوب من يده فتهشم..

نهره أبوه بعصبية: احترس يا ولد..أخطاؤك تجاوزت الحد المقبول.. ستقودك لامحالة إلى الهلاك...

ألقى ابنه نظرة معبرة على ساق أبيه المعلقة وقال له:

اطمئن يا أبي ليست أخطاء الصغار من تقود إلى الهلاك..

وخرج تاركا أباه يخمن في كلام ابنه، وفي خطئه الذي غيبه عن وعيه شهرا وكاد يودي بحياته[25]."

تتخذ هذه القصة بعدا قيميا وأخلاقيا، وتشير إلى جسامة أخطاء الكبار بالمقارنة مع أخطاء الصغار. ومن ثم، فسقوط الكأس من يد الابن الصغير يعد عقدة واضطرابا في مسار الحبكة السردية. وبالتالي، فهي وضعية اضطراب وإساءة، تعقبها وضعية اللوم والعتاب، لتنتهي بوضعية الحكمة ورد الفعل.

 

البدايـــة الفضائيــة:

تشغل سمية البوغافرية في مجموعة من قصصها القصيرة جدا ما يسمى بالبداية الفضائية أو الظرفية التي تتحدد في الزمان والمكان على حد سواء. وتتضح البداية الزمانية في قصتها:"بسمة حالمة" التي استهلتها الكاتبة بمؤشر زماني: " حل عام 2012". وإليكم القصة كاملة:

" حل عام 2012 لايحمل على جناحيه جديدا:

زلازل،

براكين،

حروب،

رائحة الكوارث تزكم الأنوف من بعيد،

زفرت الصدور لوعة خيبتها،

وانغلقت على حزنها

بينما،

كانت الأرض تحتفل بمولودها المليار السابع

وتفك خيوط بسمته الحالمة ".[26]

وقد تكون هذه البداية الظرفية مكانية، كما في قصة"اقرأ" التي تحدد فضاء مكانيا للحدث الرئيس، ألاوهو فضاء المدرسة:

 " مذ دخل المدرسة وهو يسمع : اقرأ.

وحيث التفت لايرى أحدا يقرأ..

فشعر وكأن " اقرأ" قدره وحده،

فسأل معلمه:

- وإذا لم أقرأ، يا أستاذ، ماذا سيحدث؟

- سيجمد عقلك..إن فتحت فمك ستموء أو تثغو أو تزأر...

فقال الطفل:

- الآن، فهمت لماذا أختي الصغيرة تموء، وأمي تثغو، وأبي يزأر، والكلاب في الشارع تنبح...."[27]

ويعني كل هذا أن البداية الظرفية هي التي ترتكز على الزمان والمكان، باعتبارها خلفية إطارية محددة للشخوص والأحداث الواردة في القصة القصيرة جدا. ولايمكن بأي حال من الأحوال التخلص من هذه البداية التقليدية التي انتشرت كثيرا في الرواية والسرود الواقعية أو الرومانسية؛ لأنها الإطار الفضائي العام للقصة، ونطاقها المجالي الذي تتحرك فيه الشخوص، وترتبط بها الحبكة السردية بمكوناتها الخمس(البداية، والعقدة، والصراع، والحل، والنهاية).

 

البدايـــة السرديــــة:

من الطبيعي أن تكون بدايات كثير من القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية سردية، مادامت هذه القصص تتكئ على عمليتي التحبيك والتخطيب على المستوى السردي، كما يتجلى ذلك بوضوح في قصة:"وشم":

" كان نادرا ما يحضر اللحم على موائد الأفراح.

وخلافا للسائد، في تلك القرية النائية، حضر في حفل الزفاف الخمر وبعده أطباق اللحم...

 رأى الطفل، ذو ثمانية أعوام، الطبق فهجره اللعب، والرقص، والشغب، والطفولة أيضا.

انقض على قطعة لحم كانت بالقرب من عمه الذي يلعق عظما وعيناه شبه مغمضتين.

إلا أنه رغم الخمر الذي عبث بجوارحه، فقد أحسن تأريخ أطباق اللحم على جبهة الصبي بالعظم الذي كان في يده...".[28]

ويتضح، مما سبق، بأن البداية السردية هي التي ترتكز على إيراد الأحداث تمهيدا وتعقيدا وانفراجا وتمطيطا وتسريدا.

 

البدايـــة الوصفيــة:

تستهل بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية ببداية وصفية، من أجل وصف الشخصية أوالأمكنة أو الأشياء أو الوسائل، كما يبدو ذلك جليا في قصة:" هزيم الرعد"، التي تصف فيها الساردة السياسي المناضل والثوري الذي تلجئه الرعود إلى النوم تحت السرير:" صوته حاد، نافذ.. يخترق الآذان من مسافات بعيدة.. يتقدم دائما صفوف المتظاهرين.. يهتف بالنصر العربي وبنصرة الحق.. يتسابق إلى الميكرفونات وإلى عدسات الكاميرات لإيصال كلمته إلى أقصى الحدود..

حيث حل ضخه حماسا، ونفخا في الهمم، ولعنا وسبا للجبناء والعملاء.. أحيانا، يعري صدره العريض للبرد والرياح.. يلطمه بقبضاته القوية وهو يزمجر بصوته الرعدي:

ـ هذا الصدر أولى أن يخترقه الرصاص أو أدكه بيدي إن استساغ هواء الذل والمهانة ورضي بحياة الجبن.

استيقظت أسرته، ولا أثر له في البيت. صرخت زوجته، وولولت على زوجها المختطف من فراشه.. اجتمع الجيران والأقارب يبكونه مستنكرين ما حدث.. كانت خادمه، في هذه الأثناء، قد دلقت عليه سطل ماء ممزوج بمواد التنظيف، تكنسه من تحت سريره الذي أوى إليه من شدة رعود الليلة."[29]

ويلاحظ أن الكاتبة قد أسبغت على شخصية الثوري المناضل مجموعة من الأوصاف الخارجية التي تبين قوتها وشجاعتها ورباطة جأشها. لكن المفارقة أن هذا البطل الثوري يختفي تحت السرير؛ لأنه يخاف رعود الطبيعة وبروقها.

 

البدايـــة الشخوصيــة:

ترتكز بعض القصص القصيرة جدا على الشخوص المحورية تبئيرا ورصدا وتركيزا، كما في قصة" أبناء الربيع" التي تصور معاناة صافية مع زوجها في أرض الغربة، حيث يهملها زوجها تهميشا وإقصاء وهجرا، ويغيب عنها أياما وأسابيع:

 " اسمها الصافية... بنت قروية تفيض أنوثة وشبابا وسذاجة أيضا...تزوجت بشاب وسيم. تقيم معه في فرنسا. لاتزور بلدها وترى أهلها إلا من صيف لآخر... كشفت لأخواتها لأول مرة عن مأساتها، بعدما استمعت إلى شريط منغصات حياتهن:

-أما أنا فزوجي لا أراه إلا حينما يأتي في آخر الأسبوع ليغير ملابسه أو ليأكل.

ضحكت أخواتهن وغمزن لبعضهن متهمات:

- والأبناء الخمس سقطوا عليك من السماء أم أهدتهم إليك نصرانية؟؟؟

زفرت وقالت بنيرة مفعمة بالحسرة:

-إنهم كلهم أبناء الربيع؟...هم ثمرة كل صائفة أقضيها بينكن في الريف.

فقالت لها أختها الصغرى بنبرة لاتخلو من المرارة:

-هيا تجهزي الليلة لاحتضان الابن السادس، ياعروس الأصياف، إن عريسك قادم.

نظرت إلى وجهها بازدراء ... حضنت إليها أولادها الخمس كأنها خشيت أن يخطفهم منها، ولم تتبعه ولم تنم ليلتها في غرفتها..."[30]

وهنا، نورد أيضا قصة قصيرة جدا تحت عنوان (عروس الهنا)، ترصد لنا شخصية أخرى، وهي شخصية العروس، وهي بنت صغيرة تبحث عن سعادتها مع رجل كبير السن في الستين، إلا أنها ستصادف مسؤوليات جساما: مسؤولية تربية أولاده من الزوجة الأولى، ورعاية زوجها المنهك صحيا:

"العروس بنت العشرين. تزوجت برجل في الستين، له من زوجته الأولى المتوفاة خمسة أطفال. أصغرهم لم يكمل بعد الشهر الأول...

في ليلة زفافها حمل إليها ابنته الرضيعة وقاد وراءه أطفاله الآخرين.. أخذ الورد الأحمر من يدها النائمة وألقاه على المنضدة بجانبه. ووضع صغيرته في حجرها قائلا لها بصوت حاد وهو يشير لها إلى أولاده:

ـ هؤلاء أمانة في يديك.. إن فرطت فيهم غضبت عليك إلى يوم الدين.. ولن تنقذك من لهيب غضبي ملائكة الأرض والسماء إن اجتمعت...

ثم مضى إلى فراشه في غرفة مجاورة. وبعد قليل، نادى عليها بصوت مبحوح:

ـ فاطمة.. فاطمة

مضت فاطمة إليه وهي تتعثر في فستانها الأبيض الطويل.. وقفت بجانبه خجولة، ورأسها يحاذي صدرها كأنه مبتور من الخلف، فأشار عليها بصوت جاف:

ـ هاتي من الثلاجة "التقطيرة"، وضعي قطرتين في عيني اليمنى، وقطرة في عيني اليسرى، ومسدي ظهري ولا تنسي أن تكرري هذا كل يوم قبل النوم..

خلعت العروس فستانها، تأبطت محفظتها الصغيرة، فعادت إليه تسوق وراءها أولاده الصغار، وتحضن إليها طفلته الصغيرة. وضعتها في حجره، وراحت تنصرف، فنهرها غاضبا:

ـ إلي أين أنت ذاهبة؟؟

ردت عليه وهي تخنق دموعها، وتكز على أسنانها:

ـ سأذهب لأحضر لك تقطيرة البصيرة يا....."[31]

وهكذا، فالبداية الشخوصية هي التي تدور حول شخصية رئيسة أو محورية، تلتف حولها الأحداث تشبيكا وتعقيدا وتمطيطا وتخطيبا .

 

البدايـــــة التشكيليــــة:

تستهل بعض قصص سمية البوغافرية ببداية تشكيلية أو لوحات فنية جميلة، قوامها الأشكال والألوان والمقاصد الشاعرية والرمزية والذهنية، كما يبدو ذلك جليا في قصة (لاتعرف الغضب)، التي تبدو كأنها لوحة انطباعية استعارية موحية، تعبر عن نفسية الرائي المشرقة، وتفاؤله العارم في الحياة، وانتشائه بجمال الشمس بابتسامتها اليانعة:

" عندما تأتي الشمس لتلم أشعتها وتلبسها زي الوقار، يكون جسدها الأخضر البديع لوحة جماعية.. استوعبت كل الألوان والأدران.. رئتاها تكدستا بأدخنة الشواء ظلت طوال النهار تضبب فضاءها..

في الصباح، تتعطر بعطور الربيع، تحضن إليها قرص الشمس، تسربأشعتها بين فرجات أصابعها الخضراء إلى وفود حجاجها بذات حنيتها المعهودة... [32]"

ونجد هذه البداية نفسها في قصة (بكماء):

" تمعن لوحة فنية،

تفيض أضواء وألوانا،

وأنهارا تجري بسحر الكلام.

فاشترى ريشة وألوانا،

وضرب بها على البياض،

فتفجرت ألوانا وأضواء

لكنها لم تقل له شيئا.[33]"

ويعني هذا أن البداية التشكيلية هي التي تستثمر معطيات فن التشكيل بكل آلياته التعبيرية لرصد ماهو ذاتي وفني وجمالي وموضوعي.

 

البدايــــة الحلميــــة:

نعني بالبداية الحلمية تلك البداية التي تستهل بملفوظ حلمي يحول الحقيقة إلى تخييل أو فانطاستيك، كما يظهر ذلك بينا في قصة "عشق قديم" التي تصور لنا أحلاما رومانسية متفسخة بسبب الشيخوخة والعمر المترهل:

" عصفت بهما رياح الأحلام.

ألقت كل واحد منهما في مجرة مستقلة يعانق قمره،

وبضعة نجوم صغيرة يراقصها

كلما مر طيف أحدهما بالآخر.

لاقتهما الصدفة، وهما هيكلان تصفر فيهما رياح الشيخوخة.

تبادلا ابتسامة بيضاء، وانصرف كل واحد في طريقه

يتعكز على عكازه، وعلى لوحات فنية

كانا بطليها ذات عشق قديم."[34]

ويعني هذا أن البداية الحلمية هي تلك البداية التي يحضر فيها الحلم بشكل بارز ولافت للانتباه، لتصبح فيما بعد إطارا فنيا وجماليا للأحداث والشخوص والأفضية السردية.

 

البدايــــة الموحيــــة:

تعتمد البداية الموحية على مجموعة من الإيحاءات الرمزية والذهنية، كما يتبين ذلك جليا في قصة (نجمة) التي تعبر عن أفول نجمة:

" ذات ذبول، هدهد القمر ظهرها وهمس في أذنها بأنه قد حان الأوان لتفرغ المكان لغيرها.

بكت وأصرت على البقاء في حضنه.

سقطت ذات غفوة.

تلقفتها النجوم، ورعتها إلى أن أغمضت عينيها.

ولا زالت تحرسها وتحوم حولها،

وتروي قبرها بدموعها الفضية.[35]"

وتظهر كذلك في قصة(الديمقراطية) التي تعتمد التشخيص سبيلا للترميز والإيحاء دلالة على غياب الديمقراطية في واقعنا السياسي العربي:

" كانت منكمشة على نفسها،

تنتحب بجانب قبرها،

ورائحة الدم والحرائق تخنق نفسها.

داعبها نسيم ربيع منعش،

سرى في رئتيها نسمة الحياة والانبعاث.

فطارت لتتفقد حدائقها.

وجدت كل زهورها أكماما منفوخة.

بعضها تخنق الضحكة، وبعضها الآخر تخنق الصرخة

فانكمشت في عشها أعلى غصن الشجرة

تنتظر غدها.[36]"

ويعني هذا أن البداية الموحية هي التي تحمل في طياتها علامات عدة مفتوحة على عوالم الذات والموضوع.

 

البدايـــة الساخـــرة:

تتسم بدايات بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية بخاصية السخرية والفكاهة والتهكم والتندر، كما يتجسد ذلك واضحا في قصة"فلسطين" التي تتهكم فيها الساردة من الذين باعوا وطنهم مقابل فلس رخيص:

" قبض الـ "فلسـ" مقابل الـ "ـطين".

وقبل أن ينام مزق العقود القديمة وأوصى ورثته:

إياكم أن تفرطوا في شبر من فلسطين.[37]"

ويعني هذا أن البداية الساخرة هي تلك البداية التي تثير المتلقي ذهنيا ووجدانيا وحركيا، عبر لغة الابتسامة والطرافة والضحك، وغالبا ما تنبني تلك اللغة المثيرة على التهجين والباروديا والمحاكاة الساخرة.

 

البدايــــة الفانطاستيكيـــة:

توظف سمية البوغافرية مجموعة من القصص القصيرة جدا ذات الطابع الفانطاستيكي القائم على التحول، كما يبدو ذلك جليا في قصة:"حقنة الأنسولين) التي تصور صراع المريض مع الداء العضال، حيث يتحول هذا المريض إلى خنفساء من شدة الخوف والرعب والهلع:

"حينما يرى الحقنة في يد ممرضته،

يستحيل خنفسا صغيرا،

كأنها تحمل إليه صاروخا.

أحيانا، تفر منه صرخة

تزعزع سكينة أهله وجيرانه.

سرى الأنسولين في أنسجته،

فمسح على لحيته، ورفع يده ملوحا لوالديه الشيخين:

وداعا.. أنا ذاهب للجهاد."[38]

ويعني هذا أن البداية الفانطاستيكية هي تلك البداية التي تنبني على التحول والامتساخ والتقلبات الحلمية والرؤيوية.

 

البدايـــة الحواريــة أو المشهدية:

هناك نوع آخر من البداية تستهل بها قصص سمية البوغافرية، ويمكن تسميتها بالبداية الحوارية أو المشهدية أو القولية، وتحيلنا هذه البداية على جنس المسرح والنصوص الحوارية والخطابات الاستفسارية المبنية على السؤال والجواب، كما يتجسد ذلك بوضوح في قصة" تحد":

" قيل للفراشة :إذا انتزعت منك جناحاك وألوانك لن تكوني فراشة،

ابتسمت بسخرية،

وتعرت من ألوانها ومن جناحيها،

اعتلت وردة بهيجة،

ومضت ترقص على بتلاتها بكل عنفوان الفراشة.."[39]

هذا، وإذا كانت البداية السردية الحكائية مرتبطة بالسارد أو الراوي؛ فإن البداية الحوارية مرتبطة بشكل خاص بالشخصيات المتحاورة.

 

البدايـــة التقريريــة:

تتخذ بعض قصص سمية البوغافرية طابعا تقريريا، في شكل جمل مثبتة وتأكيدية تعيينا وإخبارا وتقريرا. بمعنى أن الجمل التقريرية جمل حرفية مباشرة من حيث دلالاتها المقصدية، كما يظهر ذلك بينا في قصة"قضبان داخلية" التي تعبر عن الحزن واليأس في التحرر:

 " كسرت كل قيودها.

فتكت بآخر خيط يشدها إلى قفصها.

وقفت تحدق إلى الفضاء الرحب المترامي الأبعاد.

تحرك أجنحتها وتتأهب للإقلاع.

هزتها قشعريرة،

فمناقير صغيرة حادة اخترقت مسامات جلدها.

كسرت أجنحتها حتى آخر ضلع، وضربت عليها شباكا من حديد. "[40]

وهكذا، فالبداية التقريرية هي بداية حرفية قائمة على الجمل الخبرية، سواء أكانت ابتدائية أم طلبية أم إنكارية. ومن المعروف أن الجملة التقريرية المبنية على التعيين والمباشرة هي نقيض الجملة الإنشائية المبنية على تنويع الأساليب الإنشائية الطلبية وغير الطلبية.

 

البدايـــة الإنشائيــة:

تستند البداية الإنشائية إلى استخدام مجموعة من الأساليب الإنشائية الطلبية وغير الطلبية، كالاستفهام، والأمر، والنداء، والنفي، والنهي، والقسم، والتمني، والشرط، والترجي، والندبة، والاستغاثة....كما في قصة"تفاحة الحياة" التي تحيل على اللقاء الأول من حياة الحب والانتشاء:

 " هل تذكرين لقاءنا الأول؟

هل تذكرين طرافته؟

لا بأس سأذكرك إن نسيت؟؟

كنا جيشا عرمرما..

اندفعنا في لحظة واحدة، ومن بوابة واحدة، نجري ونتسابق نحوك..

وأنت في الأمام تفاحة شهية حمراء.

تنتظرين بشموخ فارس أحلامك.

بكبرياء الآلهة، ترفعين رايتك:

 فارس واحد أحد من سيحضنه قلبي.

قلت في قرارة نفسي:

أنا هو الفارس الواحد الأحد الذي سيغزو قلبك.

وقال آخرون ذات كلامي.

تهالك الكثيرون في طريقهم إليك.

وآخرون كثيرون بلغوا جدارك المتين،

لكن دون قوة تكفي لافتضاض بكارتك.

كنت الوحيد الأحد من نال من عذريتك.

فآويتني وأغلقت علي شغاف قلبك.

وفي وجه جيوش أخرى غازية أقفلت بابك.

 انصهرنا معا..

 فصرنا نطفة..

فعلقة..

.

.

فولدا يعيد رسم أولى أطوار الخلق. ".[41]

 تنتهي هذه القصة القصيرة جدا بأسلوب إنشائي غير طلبي، يتمثل في توظيف أسلوب الحصر والقصر القائم على أداة النفي وإلا الاستثنائية. وكما هو معلوم، يسبغ الأسلوب الإنشائي على القصة القصيرة جدا نوعا من الإيحائية والوظيفة الشعرية.

 

البدايــــة الملغــــزة:

تعتمد بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية على طرح أسئلة الافتراض والاحتمال، واستعمال الألغاز لإرباك القارئ، واستفزازه ذهنيا وعقليا ووجدانيا، كما يتبين لنا ذلك جليا في قصة:" العجوز والطفل" التي يتهكم فيها العجوز من الطفل ومدرسه اللذين لا يستطيعان معرفة اسم السمكة التي يبيعها الصياد:

" أراد أن يمتحن طفلا لا يكف أبوه عن التنويه بنباهته.

فأخرج سمكة من سلة بائع متجول،

ونادى على الطفل أمام والده، وأمام الزبائن وسأله:

ـ ما اسم هذه السمكة؟

عجز الطفل عن الإجابة. لأنه لم يكن يعرف اسمها.

فقال له العجوز متهكما:

ـ قل لمن علمك، وللذي يتباهى بنباهتك إنكما لا تعلمان شيئا."[42]

هذا، ويلاحظ أن هذه القصة القصيرة جدا يبدأها الكاتب بطرح سؤال إشكالي، يتحول إلى لغز مثير ومحير، يثير المتلقي، ويستفزه دلاليا.

 

البدايـــة الرمزيـــة:

تتحول بعض قصص سمية البوغافرية إلى رموز ذهنية لها دلالات مفتوحة، يمكن استكشافها من خلال قراءة السياق النصي والمرجعي، كما يبدو ذلك جليا في قصة (الشرعية!!) التي تدين فيها الساردة الاستبداد بكل أنواعه:

" تبرأت منه، وفرت بعيدا تحوم حول رؤوس غيره،

فزرع البلاد حروبا وخرابا، يطاردها ليشدها إلى كرسيه.

اشتعلت في ذيله النيران، وسيق إلى قبره وهو ما زال يردد:

أنا رب البلاد وحامي العباد."[43]

وتتجسد هذه الرمزية أيضا في قصة (عطاء) التي تقوم على الاستعارة والإحالة الرمزية:

" كانت سلتي ممتلئة برؤوس الورد،

حينما خرجت نحلة من ثنايا وردة بنفسجية،

وضربت لي موعدا للاحتفال بموسم الورد.

فعادت وأهدتني طبق عسل بروح الزهر،

وأهديتها زجاجة عطر

تحت مطر قبلات الورد.[44]"

ويعني هذا أن البداية الرمزية هي التي تتكئ على مجموعة من العلامات الإحالية ذهنيا واتفاقيا، من خلال الإشارة إلى مجموعة من المواضيع أو الأشياء والذوات تلويحا أو تعريضا أو إيحاء.

 

w أنواع العقدة في القصة القصيرة جدا:

نعني بالعقدة الوضعية السردية الأساسية القائمة على التأزم والصراع والاضطراب والتوتر الدرامي، ويمكن تقسيم هذه الوضعية إلى الأنواع التالية:

 

العقـــدة المقتضبـــة:

نعني بالعقدة المقتضبة تلك العقدة التي تتسم بالتكثيف والاختصار والاقتضاب والإيجاز كما وكيفا، كما يتضح ذلك جليا في قصة:" همس القمر":

 " تمر السنون، وهي كما عهد الناس بها منذ قرون..

مشرقة، بشوشة، مبتسمة أبدا..

ولا يدري أحد بما يهمس لها القمر كل ليلة.. "[45]

ويلاحظ أن هذه العقدة موجزة ومكثفة في شكل أحداث مركزة وموجزة ومختزلة.

 

العقـــدة المضمـــرة:

تخلو بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية من العقدة المألوفة التي تتمظهر في شكل أزمة أو مشكلة أو وضعية صعبة، بل هذه العقدة لا يمكن استجلاؤها إلا بالتأويل والتأمل والفحص والاختبار؛ لأن هذه العقدة غير واضحة بشكل جلي، بل هي مختفية ومضمرة، وتحضر في القصة تضمينا وإيحاء وتلويحا وإشارة كما في قصة:"منفضة..!":

" ظل سنوات يراودها،

وسنوات أخرى يروضها.

فصلها أخيرا، على منواله.

ثم

ألبسها القالب الذي يرتضيه

ثم

..

تنهد، وأخذ عقب سيجارته.. يطفئها في عينيها."[46]

من الصعب بمكان استجلاء العقدة في هذه القصة القصيرة جدا، إلا إذا مارسنا فعل القراءة الجيدة، وفعل التأويل المثمر، لنستكشف تلميحا وتلويحا بأن دلال المعشوقة هي العقدة المشكلة لحبكة هذه القصة القصيرة جدا.

 

العقـدة المفصلـــــــة:

نعني بالعقدة المفصلة تلك العقدة التي نجدها بشكل عاد في القصة والأقصوصة، قد فصلت ضمن حبكة سردية لها بداية ونهاية، كما يبدو ذلك جليا في قصة (بكاء):

"تبكي بحرقة.

السماء تمطر بغزارة.

سألوها عن سبب بكائها،

فلم تجب.

اكتفت بالإشارة إلى وردة مدهوسة

تجرفها مياه الأمطار.

كانت قبل قليل في عرشها،

تغازل الشمس وقوس قزح..."[47]

ويعني هذا أن العقدة المفصلة تشبه العقدة التي نجدها في الأقصوصة والقصة القصيرة، وقد استكملت مكوناتها السردية تحبيكا وتسريدا وتخطيبا.

 

العقــدة الممتـــــدة:

نعني بالعقدة الممتدة في القصة القصيرة جدا تلك العقدة التي لا تستكمل مقوماتها الفنية والجمالية إلا عبر امتدادها داخل الرقعة النصية كما في قصة " أصابع من نار":

" أُحرقت أصابعه لمرات عدة.

وعى أخيرا، أن الشقاوة تخمد بالنار.

فأغلق قبضتي يديه،

حريصا على ألا تنفلت منه أصابعه،

فتورطه في الشقاوة،

وتحرق أصابعه بالنار مرة أخرى.

كبر، وتضخم بحر شقاوته في ثناياه،

استعصى عليه خنقها في داخله.

ففتح قبضتي يديه على أصابع من ديناميت.."[48]

ويعني هذا أن العقدة الممتدة هي تلك العقدة التي تهيمن على النص القصصي كله. وبتعبير آخر، حينما تتحول القصة كلها إلى عقدة من البداية حتى النهاية.

 

x أنـــواع الجســد السردي في القصة القصيرة جدا:

يمكن القول: إن ثمة ثلاثة أنواع من أجساد القصة القصيرة جدا في قصص سمية البوغافرية، وهي:

أولا: الجسد القصصي القصير: لا يتعدى بعض الجمل القليلة جدا كما في قصة:" همس القمر":

"تمر السنون، وهي كما عهد الناس بها منذ قرون..

مشرقة، بشوشة، مبتسمة أبدا..

ولا يدري أحد بما يهمس لها القمر كل ليلة.. " [49]

ثانيا: الجسد القصصي المتوسط : قد يتخذ خمسة أسطر أو نصف الصفحة على أكبر تقدير كما في قصة" لاتعرف الغضب":

"عندما تأتي الشمس لتلم أشعتها وتلبسها زي الوقار، يكون جسدها الأخضر البديع لوحة جماعية.. استوعبت كل الألوان والأدران.. رئتاها تكدستا بأدخنة الشواء ظلت طوال النهار تضبب فضاءها..

في الصباح، تتعطر بعطور الربيع، تحضن إليها قرص الشمس، تسربأشعتها بين فرجات أصابعها الخضراء إلى وفود حجاجها بذات حنيتها المعهودة... ."[50]

ثالثا: الجسد القصصي الطويل : ويتعدى هذا الجسد الصفحة أو يقترب في صياغته الحكائية من نفس الأقصوصة، أو من نفس القصة القصيرة، أو من نفس الرواية، أو من نفس المسرحية أو الشعر، كما يتضح ذلك جليا في قصة:" عروس الهنا":

"العروس بنت العشرين. تزوجت برجل في الستين، له من زوجته الأولى المتوفاة خمسة أطفال. أصغرهم لم يكمل بعد الشهر الأول...

في ليلة زفافها حمل إليها ابنته الرضيعة وقاد وراءه أطفاله الآخرين.. أخذ الورد الأحمر من يدها النائمة وألقاه على المنضدة بجانبه. ووضع صغيرته في حجرها قائلا لها بصوت حاد وهو يشير لها إلى أولاده:

ـ هؤلاء أمانة في يديك.. إن فرطت فيهم غضبت عليك إلى يوم الدين.. ولن تنقذك من لهيب غضبي ملائكة الأرض والسماء إن اجتمعت...

ثم مضى إلى فراشه في غرفة مجاورة. وبعد قليل، نادى عليها بصوت مبحوح:

ـ فاطمة.. فاطمة

مضت فاطمة إليه وهي تتعثر في فستانها الأبيض الطويل.. وقفت بجانبه خجولة، ورأسها يحاذي صدرها كأنه مبتور من الخلف، فأشار عليها بصوت جاف:

ـ هاتي من الثلاجة "التقطيرة"، وضعي قطرتين في عيني اليمنى، وقطرة في عيني اليسرى، ومسدي ظهري ولا تنسي أن تكرري هذا كل يوم قبل النوم..

خلعت العروس فستانها، تأبطت محفظتها الصغيرة، فعادت إليه تسوق وراءها أولاده الصغار، وتحضن إليها طفلته الصغيرة. وضعتها في حجره، وراحت تنصرف، فنهرها غاضبا:

ـ إلي أين أنت ذاهبة؟؟

ردت عليه وهي تخنق دموعها، وتكز على أسنانها:

ـ سأذهب لأحضر لك تقطيرة البصيرة يا......"[51]

ويمكن القول أيضا: إن هناك جسدا قصصيا مقتضبا ومختزلا، وجسدا قصصيا متناميا ومتصاعدا. ومن جهة أخرى، هناك أجساد قصصية أخرى متنوعة، كالجسد الوصفي في قصة (عرس)، حيث تصف الساردة اصطفاف تلاميذ المدرسة، وهم يستعدون لاستقبال الموكب الرسمي بحفاوة وفرح وسعادة وانتشاء:

" أسابيع مضت، ولا شيء في جدول الأعمال عدا الأناشيد والأهازيج.. أضحت مدرستنا كما العروس ستزف قريبا إلى عريسها.. اليافطات والرايات في كل مكان.. يد الترميم والتطهير والتلوين سرت على آخر بقعة فيها..

في أجمل الحلل، مضينا لاستقبال العريس.. اصطففنا أمام بوابة المدرسة خلف معلمينا ومديرنا نهلل ونطبل.. وكلما اقترب الموكب بصخبه، خفقت قلوبنا فرحا، واحتدت حناجرنا بالأناشيد، وسخنت الأيادي المعطرة لتستعد للتبرك ببركة العريس.

مضى الموكب من الشارع كالبرق الخاطف المصحوب بالرعد القاصف، أمطر المدير والمعلمين بالغبار المتطاير.. فغضبوا ودفعوا "بالقطعان" إلى الحظائر، وهم يعضون أيديهم المعطرة التي لم تلامس يد عامل مدينتنا النائمة."[52]

ويمكن الحديث أيضا عن الجسد القصصي الحواري، كما في قصة (تشنج) التي تعبر عن تقاعس الأبناء والآباء على الجهاد:

" بعجلة مفرطة، وإصرار أشد من السابق قال لابنه الشاب وعيناه على شاشة التلفاز:

ـــ بدون الجهاد، ودحض العدو في عقر داره، سنظل نتوارث الذل والمهانة. وستظل هذه المجازر الوحشية تستفزنا،

رد عليه ابنه الشاب:

ـــ هذا الإرث الممقوت ورثناه عنكم، والأحرى أن تخلصونا منه أنتم.

وراح يضيف:

ـــ ومع ذلك، متى تقدمتم الصفوف ستجدوننا وراءكم.

لكن حالة أبيه المفاجئة، والغامضة خنقت هذا الكلام في حلقه. فظل يحدق إليه محتارا من أمره. وأبوه يزداد تشنجا.. يعتصر نفسه على الكرسي، يحمر، يخنق نفَسَه ويكاد ينفجر.. ثم قام مقوسا منكمشا على نفسه، يجر خطوه خارجا؛ كأن قذيفة في حجره. إن استقام واعتدل في مشيته، ستسقط منه وتنفجر..

تبعه ابنه حذرا هلعا مما يخفيه. رآه يدخل دورة المياه المجاورة لغرفته، عاد إلى مكتبه يتنازعه الضحك والبكاء.. وعلى أذنيه تتناوب نوعان من "المتفجرات".."[53]

هذا، ويحضر الجسد القصصي الميتاسردي في قصة ( قصة هزيلة!!) التي تتهكم فيها الشخصية الرئيسة من كتاب القصة المتطفلين:

" أمضى ساعات يتلوى في فراشه، يستجدي غفوة تريحه من ضجيج رأسه.

ولما لا جدوى من استجدائها، قام وجلس إلى حاسوبه.

نقر على موقع أدبي.. فتح قصة لقاص يتخاطف الرواد على حرفه..

قرأ العنوان فنسيه بعد سطور ثلاثة. أعاد قراءته بعينين منطفئتين عله يشحذ الذاكرة ويمسك بالمفتاح للدخول إلى صلب القصة التي يتهجى كلماتها دون أن يفقه معناها، كأنها كتبت بلغة غير لغته..

أطفأ الحاسوب وعاد إلى سريره وهو يلعن المتطفلين على الكتابة، وكل المواقع الأدبية..[54]"

وهناك أيضا الجسد السردي أو الحدثي في قصة (مسرحية هزيلة!!) التي يتهكم فيها البطل من المسرحية والمسرحيين قاطبة:

" منذ وفاة زوجته، وهو معتكف في محراب أحزانه.

قرر ذات يوم مشرق، وبدفع من أقربائه، أن يخلع معطفه الأسود.

دخل المسرح المجاور لبيته. انزوى في زاوية أقصى القاعة، يقلب صفحات ألبوم قديم..

قطع عليه شريط ذكرياته، تصفيقات الجمهور، فرفع رأسه وصبغ الممثلين من خلف نظارته السوداء، بنظرات منطفئة. بدوا له مثل علب من قصدير، يحركها أصبع شيخ هرم بخيوط غير مرئية، فأصم أذنيه عن "الرنين" الذي يثقب طبلتي أذنيه اللتين ألفتا الإنصات إلى ضجيجه الداخلي الهادئ..

فقام خارجا وهو يلعن المسرحية وهراء المسرحيين...[55]"

وتندرج مجموعة من القصص القصيرة جدا ضمن الجسد القصصي المضمر، كما يتبين ذلك جليا في قصة (منفضة...!) التي تبين علاقة مغرم بأنثى، استعصى ترويضها إلى أن نكل بها عشيقها:

" ظل سنوات يراودها،

وسنوات أخرى يروضها.

فصلها أخيرا، على منواله.

ثم

ألبسها القالب الذي يرتضيه

ثم

.

.

تنهد، وأخذ عقب سيجارته.. يطفئها في عينيها.[56]"

هذا، وثمة جسد قصصي شاعري كما في قصة (انحناءة) التي تعبر عن انتصار الحب والخير على الحقد والكراهية:

" سلخ لحمي،

سلق عرضي،

زرع الشوك في طريقي،

ثم

توقف في الأمام يسحب القوس ليجهز عليّ.

جمعت الأشواك من طريقه وطريقي،

وزرعتها ورودا،

عطرت سماءه وسمائي بطيب روحي،

فمضيت إليه أرشقه ببسماتي.

ألقى قوسه ورماحه،

وانحنى تقديرا لي ولظلي في غيابي."[57]

 

وثمة جسد سردي فانطاستيكي يقوم على التغريب أو التعجيب، والانتقال من عالم الألفة إلى عالم الغربة كما في قصة (نهر الدم):

التفت يمينا ويسارا،

يبحث عن منبعه ومصبه.

فرأى ظلا ضخما يحوم حوله راقصا،

وفي يده عصا يشير بها إلى تفجير أنهار أخرى.

تآلفت الأنهار وتبخرت.

احتوتها غيمة.

فهطلت قنابل على رؤوس الظلال."[58]

 

إذاً، هذه هي بعض أنواع الجسد القصصي في أضمومة (أقواس) سمية البوغافرية، وهي مبنية على مبدإ التنوع والانتقاء والاختيار.

 

y أنواع النهايات في القصة القصيرة جدا:

تختتم القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية بنهايات متعددة ومتنوعة، ويمكن الحديث عن مجموعة من النهايات بالشكل التالي:

 

النهايـــة السرديــة:

من الطبيعي أن تكون نهاية القصة القصيرة جدا نهاية سردية مادامت بدايتها سردية، والأصل في القصص كما هو معلوم أن تكون محكية وسردية. ومن الأمثلة على النهاية السردية قصة:"عرس":

"أسابيع مضت، ولا شيء في جدول الأعمال عدا الأناشيد والأهازيج.. أضحت مدرستنا كما العروس ستزف قريبا إلى عريسها.. اليافطات والرايات في كل مكان.. يد الترميم والتطهير والتلوين سرت على آخر بقعة فيها..

في أجمل الحلل، مضينا لاستقبال العريس.. اصطففنا أمام بوابة المدرسة خلف معلمينا ومديرنا نهلل ونطبل.. وكلما اقترب الموكب بصخبه، خفقت قلوبنا فرحا، واحتدت حناجرنا بالأناشيد، وسخنت الأيادي المعطرة لتستعد للتبرك ببركة العريس.

مضى الموكب من الشارع كالبرق الخاطف المصحوب بالرعد القاصف، أمطر المدير والمعلمين بالغبار المتطاير.. فغضبوا ودفعوا "بالقطعان" إلى الحظائر، وهم يعضون أيديهم المعطرة التي لم تلامس يد عامل مدينتنا النائمة.."[59]

يلاحظ أن قفلة هذه القصة القصيرة جدا عبارة عن أحداث سردية قائمة على تتابع الأفعال وتراكبها سرديا.

 

النهاية الفضائيـــة:

تتنوع النهاية والخاتمة في قصص الكاتب صياغة وأسلبة وتخطيبا وتسريدا، فقد تكون نهاية ظرفية زمانية أو مكانية كما في قصة:" لاتعرف الغضب.." :

"عندما تأتي الشمس لتلم أشعتها وتلبسها زي الوقار، يكون جسدها الأخضر البديع لوحة جماعية.. استوعبت كل الألوان والأدران.. رئتاها تكدستا بأدخنة الشواء ظلت طوال النهار تضبب فضاءها..

في الصباح، تتعطر بعطور الربيع، تحضن إليها قرص الشمس، تسربأشعتها بين فرجات أصابعها الخضراء إلى وفود حجاجها بذات حنيتها المعهودة... "[60]

يتبين لنا بأن قفل هذه القصة القصيرة جدا فضائي، ويتبين ذلك في مؤشره الزماني الطبيعي (الصباح- الربيع) .

 

النهايــة الشخوصية:

تنتهي بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية بالتركيز على الشخصية تعريفا أو تنكيرا أو تبئيرا كما في قصة" الرجال قوامون على..":

"الخاطب: تعلمين حبيبتي أن اليد الواحدة لا تصفق.. أنصحك ألا تفرطي في مهنتك..

المخطوبة مسبلة الجفون تكتفي بهز رأسها المطأطأ بالإيجاب

الخاطب: راتبك وراتبي من اليوم سيجمع في رصيد واحد باسمي، وسأوثق لك هذا في ....

المخطوبة ترفع رأسها تقاطعه بصوت خافت: مالي هو مالك

الخاطب: سنؤجل الخلفة حتى نفرش العش بالريش الأنعم

المخطوبة تحمر وجنتاها وتتبسم خجلة وهي تنكمش على نفسها...

الخاطب: أنا رجل البيت وكل شيء ينبغي أن يسير فيه وفق رضاي

المخطوبة تسحب بسمتها

الخاطب يمرر يده على لحيته الكثة السوداء يستحضر حكمته ويلتهم صدر عروسه الناهض بعينيه المتقدتين هياما وأضاف يقنعها:

ـ تعلمين حبيبتي أن الرجال قوامون على النـــــــــ ؟؟؟

تنتفض المخطوبة وتقلب المائدة وما عليها على وجه خاطبها...."[61]

تنتهي هذه القصة القصيرة جدا بنهاية شخوصية، يتم فيها تبئير الشخصية المحورية بواسطة ضمير الغائب الذي يحيل على المخطوبة الثائرة والمنتفضة على الرجل الملتحي مقاما وسياقا.

 

النهايــة الوصفيــة:

تنتهي بعض قصص سمية البوغافرية بنهايات وصفية قائمة على ذكر النعوت والأوصاف والأحوال والتشبيهات لتبيان أحوال الموصوف، كما في قصة:" جنس بين بين" التي تتهكم فيها من تخنث الجيل المعاصر:

" - يذوب طربا وعشقا في الموسيقى الغربية الصاخبة.

تجري مقاطع الأغاني على لسانه كما الماء وهو لا يفقه منها حرفا...

حينما يستمع إلى موسيقاه يهتز جذعه من حين لآخر، وهو في جلبابه أو بنطاله العادي. أما ابناه، اللذان تسري هذه الموسيقى الصاخبة في دمائهما، فيصيران تحت إيقاعها، أشجارا تزلزلها الأعاصير...

ضفائرهما تطير في الهواء.. سراويلهما الغريبة تجرجر وتكنس الأرض، وتعري المؤخرة.. لساناهما يلفظان مع حركاتهما العجيبة كلاما يندى له الجبين وهما لا يفقهان منه شيئا...

وبينما يشيح جدهما وجهه ناقما ساخطا على الجنس الممسوخ، كلما رمق ظلي حفيديه، كان زملاؤهما ورفاقهما في الدرب تشرئب أعناقهم إلى بزوغ طلعة النجمين..."[62]

وهكذا، ينتهي هذا القفل القصصي بذكر مواصفات الخنثى، عبر إيراد الصفة والنعت، وتشغيل صورة التشبيه والتمثيل لتجسيد الحال والمآل.

 

النهايــة الحواريــة:

تنتهي بعض النهايات في مجموعة من القصص إما بحوارات مباشرة وإما بحوارت داخلية كما في قصة"الابن":

 " الأم: أراك تتأخر خارج البيت، وتهمل دراستك، ولا تنجز واجباتك المدرسية.

الابن (في الثامنة من عمره): كل شيء على أحسن ما يرام أمي، لقد شغلني رفاقي ولم أنتبه إلى الوقت، غلطة لن أكررها ثانية.

الأم: خروجك يقلقني وقلبي يتقطع خوفا عليك من رفاق السوء وقطاع الطرق وأنت لا تبالي.

الابن (شاب) يقاطعها: لا تقلقي عليّ أمي.. ابنك قد صار رجلا، شنب، شباب، عضلات، من ضربني ضربته، ومن صارعني صرعته...

الأم: أراك تهد مستقبلك بيدك، وتفتك ببقية خلايا مخي التي دمرها والدك الذي ابتلعه الخمر والسهر والعهر...

الابن في حالة غير عادية، تهالك على عضادة الباب، وبشق النفس، همهم بصوت يتغرغر في حلقه: اطمئني يا أمي فلن أكون غيره."[63]

ويعني هذا أن النهاية الحوارية ترتبط بالنصوص السردية والمسرحية والدرامية والمشهدية القائمة على السؤال والجواب.

 

النهايـــة التأمليـــة:

ترتكن بعض قصص سمية البوغافرية إلى التأمل والتخمين والتفكير الذهني كما في قصة (خطأ الكبير) التي تعبر عن جسامة خطإ الكبار بالمقارنة مع خطإ الصغار:

" سقط الكوب من يده فتهشم..

نهره أبوه بعصبية: احترس يا ولد.. أخطاؤك تجاوزت الحد المقبول.. ستقودك لا محالة إلى الهلاك ...

ألقى ابنه نظرة معبرة على ساق أبيه المعلقة وقال له: اطمئن يا أبي ليست أخطاء الصغار من تقود إلى الهلاك..

وخرج تاركا أباه يخمن في كلام ابنه، وفي خطئه الذي غيبه عن وعيه شهرا وكاد يودي بحياته. "[64]

ويعني هذا أن النهاية التأملية هي التي تقوم على التأمل والحدس والتفكير والتخمين الذهني، وتحمل في طياتها بعدا فلسفيا ومعرفيا وتعليميا.

 

النهايـــة التقريريـــة:

تنتهي كثير من القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية بجمل تقريرية خبرية، قائمة على التعيين والحرفية المباشرة والتأكيد، كما يبدو ذلك واضحا في قصة:"الغزال" التي تشير إلى ضرورة الاستعداد لمواجهة العدو في كل حين:

" سئل الغزال: لماذا تحك قرنيك الجميلين مع الصخر؟

أشار بعينيه إلى ظل يتنقل متخفيا خلف جذوع الأشجار وقال:

ـ إني أبريهما لأرسم بهما حدود بسالتي في جسد الغدار.."[65]

ويعني هذا أن النهاية التقريرية هي التي ترد في شكل تقريرات خبرية وأحكام إثباتية، تخلو من الأساليب الإنشائية الطلبية وغير الطلبية.

 

النهايــــة التشكيليــة:

لاتقتصر الخاصية التشكيلية على بدايات القصة القصيرة جدا عند سمية البوغافرية فحسب، بل قد ترد في نهايتها أيضا إيحاء وبروزا، كما يتضح ذلك جليا في قصة (الربيع) التي تعبر عن الانبعاث والتجدد:

" لا زالت الأعناق إليه مشرئبة.

العيون إليه شاخصة.

ولا زال يخفق بجناحيه.

يجابه كتل الضباب والأدخنة،

يقفز على برك الدم

يتلمس الطريق إلى حدائقه ليلونها بألوان ريشه...[66]"

يلاحظ أن قفل هذه القصة القصيرة جدا يرد في شكل خاتمة تشكيلية، تحيل على عالم الفن والرسم والتلوين.

 

النهايــــة المضمـــرة:

نعني بالنهاية المضمرة تلك القصة القصيرة جدا التي تنتهي بنقط الحذف والإضمار، تفاديا لذكر الطابوهات والمحرمات والكلام الفاضح، كما في قصة (الرجال قوامون على...) التي تنتفض فيها المخطوبة على خاطبها ذي اللحية المسترسلة، بعد أن هددها بفحولته الشبقية، وقوامته الجنسية:

"الخاطب: تعلمين حبيبتي أن اليد الواحدة لا تصفق.. أنصحك ألا تفرطي في مهنتك..

المخطوبة مسبلة الجفون تكتفي بهز رأسها المطأطأ بالإيجاب

الخاطب: راتبك وراتبي من اليوم سيجمع في رصيد واحد باسمي، وسأوثق لك هذا في ....

المخطوبة ترفع رأسها تقاطعه بصوت خافت: مالي هو مالك

الخاطب: سنؤجل الخلفة حتى نفرش العش بالريش الأنعم

المخطوبة تحمر وجنتاها وتتبسم خجلة وهي تنكمش على نفسها...

الخاطب: أنا رجل البيت وكل شيء ينبغي أن يسير فيه وفق رضاي

المخطوبة تسحب بسمتها

الخاطب يمرر يده على لحيته الكثة السوداء يستحضر حكمته ويلتهم صدر عروسه الناهض بعينيه المتقدتين هياما وأضاف يقنعها:

ـ تعلمين حبيبتي أن الرجال قوامون على النـــــــــ ؟؟؟

تنتفض المخطوبة وتقلب المائدة وما عليها على وجه خاطبها...[67]"

وهكذا، تقوم النهاية المضمرة على الإضمار والاختزال والحذف، وتمثل لغة البياض والفراغ للتدليل على عوالم محذوفة لأسباب قيمية أو سياسية أو اجتماعية.

 

النهايــة الاستنكارية:

تعتمد سمية البوغافرية في مجموعتها على النهاية الاستفهامية الدالة على الاستنكار، كما يتضح ذلك في قصة( درس صغير) التي تدين لامبالاة الإنسان بالطبيعة، وتقاعسه عن تنظيف بيئته:

"أرهقه الجري في أرجاء الغابة الرحبة، فالتحق بأبويه تحت شجرة وارفة.

أكل وشرب وألقى حوله كل ما فاض عن حاجته، تماما كما رأى أبواه يفعلان..

رأى قطة صغيرة، تحفر عند جذع الشجرة حفرة، تلقي فيها فضلاتها ثم تواريها بالتراب. فأخذ يلتقط الأوساخ ليدفنها في حفرة كما رأى القطة تفعل.

تعبت يداه من التقاطها كلها.. فالأوساخ كثيرة.. ومنتشرة في كل مكان.. تأفف وسأل أبويه بنبرة حزينة بعدما قص عليهما حكاية القطة التي يكتشفها لأول مرة:

ــــ يا ترى.. من علم القطة أن تفعل هكذا؟

وقبل أن يجيباه أضاف:

لا شك أنها رأت أبويها يفعلان أليس كذلك؟!"[68]

يلاحظ أن النهاية الاستنكارية لها علاقة وثيقة بالنهاية الإنشائية بشكل من الأشكال، مادامت تتوسل بالاستفهام أو بأية صيغة تركيبية أو بلاغية أخرى.

 

النهايــة الإنشائيـــة:

تنتهي كثير من قصص سمية البوغافرية بنهاية إنشائية قائمة على الاستفهام، أو الأمر، أو التمني، أو النداء، أو القسم، أو التعجب، أو النهي، أو النفي، أو القصر... كما في قصة:"بكاء" التي تعبر عن فجائعية الحياة الإنسان المعاصر كبيرا وصغيرا:

" بكيت من انقطاع الخبز في بيتي،

وبكت أمك من انقطاع الأنترنيت،

فمِمَّ بكاؤك، يا حفيدتي؟"[69]

 

وهكذا، تختم الكاتبة قصتها بقفل إنشائي قائم على الاستفهام الطلبي الدال على الحيرة والضياع والتيه.

 

النهايــــة التصريحيـــة:

تنبني النهاية التصريحية، كما في نظرية أفعال الكلام، على التصريح بالفعل، وإعلانه بكل تأكيد وتقرير كما في قصة (البنت)، التي تعلن فيها البنت رفضها الزواج على غرار أمها بالطريقة التقليدية، بل تختار التفاهم مع زوجها طريقة مثلى لتحقيق ذاتها:

"الأم : إنه زوج مهذب ونبيل ويحبك.. لا تضيعي الفرصة من يدك فتندمي

الأب يصرخ ويزمجر من داخل غرفته: ستتزوجينه والسيف على رقبتك

تندفع البنت لترد على أبيها.. تكمم الأم فمها براحة يدها وتحضنها إلى صدرها تهدئها قائلة:

ـ قليل من الصبر والتحمل والحياة تمضي

يترقرق الدمع في عينيها وترد على أمها بصوت حزين:

ـ ليتها ما تمضي بعدما تنبت الأشواك في الذات

الأب يرغى ويزبد ويشتم تربية الأم، وموعد قدوم العريس يقترب...البنت تخنق الدموع وتنتفض صارخة تسمع والدها:

ـ سأقابل العريس وسأرضى به زوجا، يا أمي، ولكن لن أكون نسخة منك ولو انطبقت السماء على الأرض.. [70]"

وهكذا، فالنهاية التصريحية هي التي يصرح فيها المتكلم تداوليا بالفعل الذي سيقوم به في المستقبل قولا وفعلا وإنجازا.

 

النهايـــة المفاجئـــة:

تنتهي بعض قصص سمية البوغافرية بنهاية مفاجئة تصدم المتلقي بمعلوماتها المعطاة، فتفاجئه بحلول لم يتوقعها القارئ واقعا أو إمكانا أو احتمالا كما في قصة"لقاء الربيع والخريف"، التي تصور لنا علاقة راقص وراقصة باليه:

" في اللقاء الأول:

بسمة خضراء ونظرات تشع أنوارا،

تفتقت لقاءات وشموسا وأقمارا،

انهارت ذات أحلام عاصفة،

ألقت كل واحد منهما على قرن القمر.

في اللقاء الثاني:

بسمة بيضاء ونظرات تغزل الندم والحسرة،

تبادلاها استحياء.

وانصرفا يجران هيكليهما،

يتعكزان على عكازيهما، وعلى ذكريات قديمة.

كانت هي راقصة باليه،

وهو راقص مجنون بها."[71]

يستعمل الكاتب عنصر الاستدراج والاستقراء، فينطلق من الجزء إلى الكل، ومن الخاص إلى العام، من أجل أن يباغت القارئ بنهاية مفاجئة، وقفل صادم.

 

النهايـــة الساخـــرة:

تنتهي كثير من قصص سمية البوغافرية بالنهاية الساخرة التي تقوم على التنكيت والتلغيز والنادرة والفكاهة والسخرية والمفارقة، كما يتضح ذلك جليا في قصة:"أول فنجان قهوة":

" الطفل في ربيعه الثالث... جلس إلى مكتب والده..

ركب نظارة أبيه وأشار على أمه بصيغة آمرة:

-فنجان قهوة بدون حليب

-ماذا؟؟ (وهي تكبح الضحك)

غارقا يخربش على الورق، أعاد بذات اللهجة الآمرة:

-فنجان قهوة بدون حليب

مضت الأم إلى المطبخ وهي تكتم ضحكها.. أعدت القهوة للبطل الصغير فناولته الفنجان.

ارتشف الطفل قهوته قليلا قليلا حتى أتى على آخر جرعة منها، وهو الذي لم يتذوق طعم القهوة من قبل، ولم يكن يستسيغ مذاقها...

علم الوالد بحكاية ابنه، فاستعاض عن طلب فنجان قهوته بكوب حليب. ضحك الطفل ونصح أباه قائلا:

ـ عليك بالبن المركز. إنه يساعد على التركيز....."[72]

وهكذا، تتعامل سمية البوغافرية مع الواقع الموضوعي من خلال رؤية ساخرة مهجنة.

 

النهايــــة المـــدورة:

تتميز بعض قصص سمية البوغافرية بنهاية مدورة، لايكتمل معناها إلا في السطر الموالي، كما يبدو جليا في قصة (الثرثار) التي تعبر عن مفارقة واضحة، حيث تفرض حالة الصمت على من هو صامت أصلا:

" قيل له متى تلجم لسانك وتكف عن الثرثرة؟

رد: حينما أخلصه من خيوط الـ "صه"

التي ضربت عليه فترة من حياتي "[73]

وتذكرنا النهاية المدورة بشعر التفعيلة الذي يقوم على تدوير الكلمات والأسطر الشعرية، وتشذير التفعيلات تشظيا وتمديدا.

 

النهاية المتطابقة:

تشغل سمية البوغافرية النهاية المتطابقة القائمة على التضاد والطباق، كما في قصة (انطفاء) التي تعبر عن صراع الأفكار والمصالح الشخصية، وغياب الحقيقة المطلقة:

" دخل مجمعهم، وهو مدجج برزمة من الشموع ورزمة كبيرة من المشاريع.

أربكه الظلام وكثرة اللغو والشد والجذب.

كل واحد منهم يدعي أنه يمسك الحقائق المطلقة.

وأن في مداره وحده تدور الشمس والكواكب.

والآخر من نفحاتها محروم.

فخرج، لكن ليس كما دخل."[74]

تستند النهاية المتطابقة إلى توظيف محسن الطباق بديعا وتدليلا وإحالة لتبيان الصراع الجدلي بين الذوات .

 

النهايــــة المفارقـــــة:

تبدو بعض النهايات في قصص سمية البوغافرية نهايات مفارقة، تقوم على التضاد والتقابل والتناقض بين العناصر اللغوية والصور السردية، كما يبدو ذلك جليا في قصة:" السطو":

 " تحاشى احتجاجات جموع الشباب العاطلين، دخل إلى "إدارته" من الباب الخلفي الضيق، رفقة مرافقيه الملازمين له كالظل:

سائقه يسبقه بخطوات، يحمل له حقيبة جلدية مكتنزة.

وآخر يحوم حوله كطائر عملاق يحرسه من سهام الغدر، ومن حالة الصرع والدوخة التي تفترسه كل حين. من فينة لأخرى ينحني ويحمل له إحدى ساقيه ليساعده على ارتقاء الدرجات القليلة المنتصبة أمام بوابة "إدارته".

تهالك على الكرسي. أخذ جرعة ماء، مع عقار يبث النشاط في جسده وذاكرته.

ثم

أخذ قلمه الذهبي ووقع على مشروع تمديد سن التقاعد...."[75]

وهكذا، ينتهي هذا القفل القصصي بتقديم صورتين متناقضتين ساخرتين تؤشران على جدلية الصراع بين الأنا والآخر، وتأكيد مفارقة الذات والواقع.

 

النهايـة الصادمـــة:

يلاحظ أن بعض نهايات القصص القصيرة جدا، التي تكتبها سمية البوغافرية، نهايات صادمة وحادة، تربك المتلقي ذهنيا بنتائجها، وتحيره عقلا ووجدانا، كما في قصة:"الابن"، التي تصور لنا ابنا كثير الغفلة والاستهتار، كان نتاج تربية أبيه المستهتر بدوره:

" الأم: أراك تتأخر خارج البيت، وتهمل دراستك، ولا تنجز واجباتك المدرسية.

الابن (في الثامنة من عمره): كل شيء على أحسن ما يرام أمي، لقد شغلني رفاقي ولم أنتبه إلى الوقت، غلطة لن أكررها ثانية.

الأم: خروجك يقلقني وقلبي يتقطع خوفا عليك من رفاق السوء وقطاع الطرق وأنت لا تبالي.

الابن (شاب) يقاطعها: لا تقلقي عليّ أمي.. ابنك قد صار رجلا، شنب، شباب، عضلات، من ضربني ضربته، ومن صارعني صرعته...

الأم: أراك تهد مستقبلك بيدك، وتفتك ببقية خلايا مخي التي دمرها والدك الذي ابتلعه الخمر والسهر والعهر...

الابن في حالة غير عادية، تهالك على عضادة الباب، وبشق النفس، همهم بصوت يتغرغر في حلقه: اطمئني يا أمي فلن أكون غيره."[76]

ينتهي هذا القفل القصصي بخاتمة أو نهاية صادمة تربك القارئ ذهنيا ومنطقيا، خاصة إذا كان هذا القارئ قد تعود على نهايات تراعي أفق انتظاره.

 

النهايــة المأساوية:

تنتهي بعض القصص القصيرة جدا عند سمية البوغافرية بنهايات حزينة ومأساوية، حسب تجربة الشخصية داخل القصة المعطاة، كما في قصة:"بكاء" التي تصور انكسار البيئة في عالمنا المحبط هذا:

" تبكي بحرقة.

السماء تمطر بغزارة.

سألوها عن سبب بكائها،

فلم تجب.

اكتفت بالإشارة إلى وردة مدهوسة

تجرفها مياه الأمطار.

كانت قبل قليل في عرشها،

تغازل الشمس وقوس قزح.[77]"

ينتهي هذا القفل القصصي بنهاية مأساوية فجائعية، تدل على وضعية الاضطراب والإساءة داخل نسق الحبكة السردية.

 

تركيب واستنتاج:

وخلاصة القول: تلكم نظرة موجزة ومقتضبة حول معمار القصة القصيرة جدا في ضوء المقاربة الميكروسردية، من خلال التركيز على أربعة عناصر بنيوية كبرى، تشكل لحمة القصة القصيرة جدا، وتعضد نسيجها النصي اتساقا وانسجاما ومعمارا. وتتمثل هذه المكونات البنائية في البداية والعقدة والجسد السردي والنهاية. وقد اتضح لنا، مما سبق ذكره، بأن الدراسات التي انصبت على العناصر المعمارية في السرديات بصفة عامة، وفن القصة القصيرة جدا بصفة خاصة، ما تزال قليلة جدا تعد على الأصابع. وتتسم القصة القصيرة جدا بالمغرب، كما هي عند المبدعة سمية البوغافرية من خلال مجموعتها (أقواس)، بالتنويع والانتقاء والاختيار على مستوى البداية والعقدة والجسد السردي والنهاية.



[1]- أحمد جاسم الحسين: القصة القصيرة جدا، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:48.

[2]- انظر: ياسين نصير: الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:7.

[3]- د.أحمد العدواني: بداية النص الروائي، النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[4] - سمية البوغافرية كاتبة مغربية ولدت بمدينة الناظور. تكتب الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصيرة جدا.

[5]- انظر هذه المنهجية عند د.جميل حمداوي: من أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جدا،مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[6] - سمية البوغافرية:أقواس، التكوين للنشر والطباعة، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2012م.103 صفحة من الحجم المتوسط.

[7]- أرسطو: الخطابة، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، طبعة 1980م.

[8]- ياسين نصير: الاستهلال، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2009م، ص:7.

[9]- القزويني: فن التخليص في علوم البلاغة، ضبط وشرح عبد الرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية.

[10]- ياسين نصير: الاستهلال فن البدايات في النص الأدبي، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2009م.

[11]- صدوق نور الدين: البداية في النص الروائي، دار الحوار، اللاذقية، سورية، الطبعة الأولى سنة 1994م.

[12]- د.أحمد العدواني: بداية النص الروائي، النادي الأدبي بالرياض والمركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، المغرب، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[13] - عبد المالك أشهبون: البداية والنهاية في الرواية العربية، دار رؤية للنشر والتوزيع بمصر 2013م.

[14]- د.صبري حافظ:( البدايات ووظيفتها في النص القصصي)، مجلة الكرمل، قبرص، العدد:21-22، سنة 1986م، ص:142.

[15]- د.عبد العالي بوطيب: ( مساهمة في نمذجة الاستهلال الروائي)، مجلة مقدمات، الرباط، المغرب، العدد:21، خريف 2000- شتاء2001م، ص:31.

[16]- جليلة الطريطر: (في شعرية الفاتحة النصية : حنامينة نموذجا)، مجلة علامات في الأدب والنقد، جدة، السعودية، العدد:، 1998م، ص:145.

[17]- د.شعيب حليفي: (فاعلية التخييل في البداية السردية)، مجلة أوراق، عمان، الأردن، العدد:10، شعبان 1420هـ، ص:79.

[18]- أندري دي لنجو: (في إنشائية الفواتح النصية)، ترجمة: سعاد بن إدريس نبيع، مجلة نوافذ، جدة، العدد:10، شعبان 1420هـ، صص:20-25.

[19]- جاك وب: (فن البداية)، كتاب معالم القص، ترجمة: د.مانع الجهني، النادي الأدبي، الرياض، السعودية، الطبعة الأولى 2001م، ص:167.

[20]- د.عبد الملك أشهبون: (خطاب النهاية في الرواية العربية)، مجلة قوافل، الرياض، العدد:23، 2007م، ص:42-45.

[21]- أحمد جاسم الحسين: القصة القصيرة جدا، دمشق، سوريا، الطبعة الأولى سنة 1997م، ص:48.

[22]- د.يوسف الحطيني: القصة القصيرة جدا بين النظرية والتطبيق، مطبعة اليازجي، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2004م، صص:105-111.

[23]- جاسم خلف إلياس: شعرية القصة القصيرة جدا، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، الطبعة الأولى سنة 2010م، صص:179.

[24]- د.جميل حمداوي: من أجل تقنية جديدة لنقد القصة القصيرة جدا،مطابع الأنوار المغاربية، وجدة، الطبعة الأولى سنة 2011م.

[25] - سمية البوغافرية: أقواس، ص:29.

[26]- سمية البوغافرية: أقواس، ص:13.

[27]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:22.

[28]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:78.

[29]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:88.

[30] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:94.

[31]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:91-92.

[32] - سمية البوغافرية: نفسه، ص: 96.

[33]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:34.

[34]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:76.

[35] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:36.

[36]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:27.

[37] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:35.

[38]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:26

[39]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:25.

[40]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:17.

[41]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:59.

[42]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:58.

[43] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:33.

[44] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:31.

[45]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:95.

[46]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:5.

[47]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:6

[48]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:7.

[49] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:95.

[50]- جمال الدين الخضيري: فقاقيع، ص:5.

[51]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:91.

[52] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:98.

[53] - سمية البوغافرية: نفسه: ص:86-87.

[54] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:82.

[55] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:81.

[56] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:5.

[57] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:61.

[58] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:12.

[59]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:98.

[60] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:96.

[61]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:89.

[62]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:85.

[63] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:83.

[64]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:29.

[65]- سمية البوغافرية: نفسه،ص:30.

[66] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:28.

[67]- سمية البوغافرية: نفسه: ص:89-90.

[68] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:97.

[69]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:32.

[70] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:84.

[71]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:77.

[72]- سومية البوغافرية:نفسه، ص:79-80.

[73] - سمية البوغافرية: نفسه،ص:42.

[74] - فوزية البوغافرية: نفسه،ص:11.

[75]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:55.

[76]- سمية البوغافرية: نفسه، ص:83.

[77] - سمية البوغافرية: نفسه، ص:6.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2382 المصادف: 2013-03-14 12:59:33


Share on Myspace