المثقف - قراءات نقدية

مرافيء الصلاة في قصص صباح محسن جاسم .. قراءة في مجموعته القصصية: تلك الزهرة البرية

salam kadomfarajصدرت عن مركز ميزوبوتاميا الثقافي في بلغراد مجموعة قصصية للقاص والمترجم الاستاذ صباح محسن جاسم والتي ضمت اكثر من مائة نص سردي يتوزع بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا .. وقد نلت شرف الحصول على نسخة من هذه المجموعة الثمينة اهداني اياها الصديق العزيز ابو ايلوار رغم قلة ما وصل اليه من الناشر من النسخ المطبوعة ..

لكي ندخل الى عالم صباح محسن جاسم القصصي لنستكشف جذر الهم الذي يؤرقه مضمونا واسلوبا لا بد ان نعرف الخلفية الفكرية التي ينطلق منها .. فهو شاعر يكتب باللغتين العربية والانكليزية،، وهو مترجم له اطلاع واسع على معطيات المدارس النقدية الاوربية وما وصل اليه فن السرد العربي والعالمي في الرواية والقصة، لكنه ايضا يحاول ان لايكتب مثل أحد سبقه، ومعوله يحفر في صخرة الواقع العراقي بعيدا عن كل النظريات،،وصباح محسن جاسم عضو جمعية شعراء العالم وصديق الشاعر جاك هيرشمان والشاعر فرلنغيتي والشاعرة اكنيتا فالك من اميركا. والذي ترجم الكثير من قصائدهم ولبى دعوتهم للحضور الى مهرجان سان فرانسيسكو للشعر العالمي . واعتمدت كلمته كبيان شعري للمؤتمر .. تجده في كل قصائده وقصصه ومنها قصص المجموعة هذه قريبا من مرافيء الماء العراقي. فراتيا، يجد صلاته ووضوءه وروحه في الطين الحري للفرات .. في بلم على الشاطيء كئيب هجره الملاح والركاب .. ملتصق بالفرات . موجوع بالاطفال الفقراء  .. قريب من عصفور طائر او نبتة بامياء متطاولة في حديقته او نخلة زرعتها زوجته الراحلة   .. او شجرة رارنج غامزة وفي كتاباته يمتزج الضحك بالنشيج،، يجعل النهر يمزح، والكحل يرقص،، يغازل شناشيل روجينا، وروجينا يهودية عراقية من المسيب. بقيت اطلال بيتها شاهدة على عصر كان فيه الناس يحبون بعضهم كأنهم روح المسيح ومحمد والحلاج وبوذا .. لا تفرقهم الخرافة ولا تمنع الفرح عنهم تعصبات مصنوعة بغاز الخردل المميت ..

مرافي صلاته ضفاف الفرات،، يعتمد صباح الجاسم الجملة القصيرة جدا المكثفة لفكرته. التي يلتقطها من مسرح الحياة لا من بنات افكاره، فهو مخلص لحراك شعبه العراقي بكل تألقه وانحداره،، لا ييأس مهما بلغ الوجوم التراقي،، واليأس البلعوم .. متفائل الى حد اللعنة!! ..

تؤرقه في قصصه وحياته الشخصية على السواء معادلة التعامل مع الاحتلال الاميركي كمخلص من نير نظام دكتاتوري غاشم  من جهة، وما تركته الفوضى على احوال الناس البسطاء الطيبين، من جهة أخرى، وبعض قصصه التي كتبها في بدايات سقوط الدكتاتورية فيها ارهاصات وتوقعات لما سيحل بالبلاد من محن بسبب ما اصطلح عليه (الفوضى الخلاقة ..)

 ففي قصته القصيرة (التجربة الاميركية) .. يتحدث عن اعتقال ناقد اديب عن طريق الخطأ من قبل المارينز وما جرى له من مفارقات .. في تورية ذكية الى العماء المقصود وغير المقصود في تعامل الاميركي البشع والجميل في آن مع الاحداث دون التفكير بما سيتركه هذا العماء في زرع بذور كراهية ممتدة بين الشعبين الاميركي والعراقي (وكأنك يا بو زيد ما غزيت !!) ..

مفردات قصصه تغوص عميقا في الفولكلور العراقي، وهمه هم عام  .. حتى وإن كتب عن نفسه بصيغة الراوي العليم او بصيغة الغائب،، او صيغة المخاطب،، فقد تجده متناولا لعبة (الجعاب ..) او(الكبي ). وما تعارف عليه اطفال العراق من العاب،،

 للطفولة والاطفال حيز كبير في قصصه،، والشيوخ الطاعنين في السن والمهمشين الفقراء والمتعبين ايضا .. بائع الشعر بنات . وترنيماته،، الشناشيل، والطقوس الشعبية،، العيد وتقاليد الاحتفال به،،

673-sabah

في نصه ــ جدائل بلون القمر ــ لا يتردد في استعمال مفردة البوشي بدلا من الخمار مثلا لكي يجعل النص في متناول القاريء البسيط، فهمه القاريء وكيف يوصل رسالته اليه لا الناقد،،، مهما كانت اهمية الناقد ..

 قد يضع كلمة ( وايد ..) ..(واجد ..)  لتعني كثير .. وفق اللهجة الريفية الجنوبية ..

 وقد يضع عنوانا فيه استعمال عامي شائع لقصة من قصصه ــ بعد شيبي رحومي ــ،، (بعد شيبي اصطلاح عامي عراقي جنوبي يعني على وجه التقريب ــ فداء لك كهولتي  وشيخوختي تعبيرا عن الاعجاب العالي ..)

 لنر كيف يبدأ نصه جدائل بلون القمر:

(وهي تضع (البوشي) على وجهها كستارة مسرح ترفض الانزياح قيد انملة ومع كل ما ترتديه من موانع وحجب حين تهم بالتبضع من سوق المدينة. لم تمنع استحكاماتها من محاولات بعض الفضوليين يتطلعون اليها بشراهة عيونهم الحمراء تكاد تخترقها،،،،)

 القاص الاستاذ صباح الجاسم يقترب في نصوصه من كبار الشعراء العظام في تناوله اليومي والهامشي، فهو لا يتحرج من ان يكون عنوان احد نصوصه مثلا (باميا) يكتبه بإسلوب بسيط عن نبتة الباميا وكيف تنمو لنكتشف انزياحات مركبة وترميزات متطامنة تكشف عن قدرات في تقديم الهامشي بثوب بسيط لكنه عميق الدلالة والترميز ..

 في قصصه القصيرة جدا والتي تكدست في الصفحات الاخيرة من المجموعة نلمح ذلك التطور النوعي في فن السرد لديه حيث يصل التركيز الى ابعد مدياته والترميز الى اقصى تشفيراته في لغة سهلة مبسطة لكنها تستبطن تحريضا كامنا وتستحث الفكر على التنقيب في جمرة السؤال  .. وقد يظن البعض ان الكتابة على هذا المنوال متاحة  .. وهذا الظن ابعد ما يكون عن الحقيقة ..

 لا امدح نصوصه جزافا .. لكنها تمثل النموذج لما ينبغي ان تكون عليه القصة  القصيرة السهلة الممتنعة بعيدة الغور الغائصة في اعماق البحر العراقي بكل ما فيه من حيوات، وبكل ما يحمل من ألم وشجن .. وفرح وأمل ...

ثلاثة نصوص مختارة

من مجموعته.تلك الزهرة البرية

...................

 

إضمامة آذار ...

- بكل ما يحتضناه من اسماك،سلاحف، سرطانات، حلازين، ضفادع، أفاع، عناكب، قصب واعشاب راقصة على موسيقى نابعة من دفء الغرين،

 ظل دجلة والفرات يتأملان جسور الشهداء.

 كم نبهت النوارس عن حكايا الطيب؟ مذ عهد جلجامش مرورا بالسندباد، كهرمانة وشهرزاد !

في آذار النبت يثور العشب، الزنبق،القداح،الاقحوان، الجبال،الزهر،الطيور، الفراشات، والاسماك تتقافز، الكل يضج الى الاعلى .. عدا الرصاص سرعان ما يموت افقيا وحسب.

 سفح قنديل ..

ـــــــــــــــــ مذ باكر الصباح ترشقه القنابل حتى ذؤابة النهار.في المساء يلوح للنجوم كي تمر عبر موانيء الرحيل.

 اكثر من عشرين عاما يسأل سفحه / كم بلغك من قبلات الندى؟

 تتأوه الريح بما يشبه العزف وسط رائحة دخان وشواء وقرى راحلة وصراخ اطفال . مرددة مع صدى دقات ناقوس صادحة من كنيسة في الجوار:

 قنديل  .. قنديل .. قنديل.

 فيما غالبية القوم نيام!

 إيمان

- قالها على عجل ثم رحل تاركا الحال على ما هو عليه: كلنا نحب انبياءنا،، لكننا لا نحترم وصاياهم البتة !! ..

 

سلام كاظم فرج ..

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

رفقة دربنا الطويل والممتع رغم كل ألم الفواصل بين الكلمات .. الشاعر الأديب والأريب الى ذكريات بعطر الشبويّ الليلي - ملكة الليل -.
شكري العميق بطعم الطفولة وحصادنا للـ ( شيسملله) وكفشات الـ ( كوكلله) والغزيّل المشنوق بخيط براءتنا ، نعلّقه داخل مخاريطه الترابية المقلوبة كي يسحب نظيره ، و.. كذا نتسلّى ...
سلام بروح غضاريف نخيلنا العراقي الى جمال المثقف ..
باخلاص
صباح

صباح محسن جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا للقاص الشاعر والمترجم القدير الاستاذ صباح محسن جاسم..
واتذكرك عند كل صلاة على ضفاف الفرات..كم صلينا وتأملنا !!..
تقبل مودتي وتقديري

سلام كاظم فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

العزيز الشاعر الناقد النافذ الرؤية سلام كاظم فرج،
اطلالة دقيقة على عالم مبدع أصيل، قرأناه حرفاً وانساناً، يحمل وطأ’ة ثقل عالم مليء بالسوء، لكنه نافذة مطلة على النور والشذى، والشمس، حالماً بكون بهيٍّ بعيد عن القهر والظلام والرائحة المقرفة.
فتحية للقارئ والمقروء البهيين الساكنين في أغوار القلب محاطين بزهور حديقة المحبة.
عبد الستار نورعلي

عبد الستار نورعلي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا الشاعر والناقد الكبير عبد الستار نور علي
شرفتم بمداخلتكم القيمة والعذبة تقديمنا المتواضع لمجموعة الاستاذ صباح .. فألف شكر..

سلام كاظم فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

الجميل الشاعر والناقد عبد الستار نور علي - بوّاب طيبنا العراقي
تالله قد جملتني ( ببارق ثغرك) المتجمل ...
امامنا وسيع وطننا الذي جبلنا أن نشقى وأن نعتمد على انفسنا في عزق كل تلكم الأدغال ... لا غيرنا من يمد يده للفعل .. !
محبتي

صباح محسن جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2395 المصادف: 2013-03-27 05:07:20