المثقف - قراءات نقدية

هادي ياسين .. الوحيد مع الذاكرة .. قراءة لمجموعته الشعرية (الرجل الوحيد)

63-hadiمنذ منتصف عقد السبعينيات من القرن المنصرم، وضع الشاعر هادي ياسين اسمه في لائحة مَن سُمّوا بـ (شعراء ما بعد الستينات)، ذلك "اللقب" الذي أطلقته مجلة (الكلمة) على مجموعة من شبّان الشعراء، ممن استمر عدد منهم واختفى عدد آخر، موتاً أو توقفاً أو غياباً غير مفهوم الأسباب، وقد دخل إلى عالم الشعر من بوابة الفن التشكيلي ـ أعني هادياً بالذات ـ إذ التحق بأكاديمية الفنون الجميلة ببغداد أيامئذ.

ومع توزّع أولئك الشعراء على اتجاهات شعرية عدة، من بينها الاتجاه إلى كتابة ما دُعي بـ (القصيدة اليومية) والاتجاه المتلبّس عباءة الشاعرين أدونيس وسليم بركات، والاتجاه المتأثر بالتراث الشعري العربي، والاتجاه المتلبّس عباءة مَن سبقه من شعراء ما سُمّي بـ (الموجة الستينيّة)، كان صديقي الشاعر هادي ياسين يحاول "اقتناص" موقعه الخاص الذي يميّزه بين تلك المجموعة من شعراء جيله، قبل أن يترك بلده (العراق) في أوائل عقد التسعينيات لتأتينا أخباره المتقطعة ـ والبعض من نصوصه الشعرية ـ من منفاه الاختياري (كندا) الذي حصل فيه على الجنسية بعد أن طالت إقامته فيه.

في العام 1990 أصدرت له دار الآداب البيروتية مجموعته الشعرية الأولى (كلام التراب)، وفي العام 2011 أصدر مجموعته الشعرية التي نحن بصدد قراءتها (الرجل الوحيد) من دار تموز الدمشقية، وكان اختار لها عنوان (مسوّدة النسيان) قبل ذلك، مثلما وقعت بين يديّ نسخة معتمدة من المجموعة عام إصدارها.

ولأن صديقي وزميلي الشاعر (هادي ياسين) أهداني نسخة من (الرجل الوحيد) مذيّلة بعبارة رائعة، آثرت قراءتها متجاوزاً تلك النسخة التي حصلتُ عليها من دار النشر، أعني ذات العنوان المرفوض من الشاعر نفسه (مسوّدة النسيان)، مثلما علمتُ يومئذ، لذا ساقول ـ بدءاً ـ إن عنوان (الرجل الوحيد) الذي ظهرت به هذه المجموعة الشعرية يكشف عن مزاج شاعرها وإحساسه المتعاظم بـ "تفرّده" و بـسعيه لأن يُثبت حضوره وبرغبته العارمة في انتهاج اتجاهه الخاص، مثلما كان شأنه دائما، مما جعله يختار العنوان الحالي ويتراجع ـ وأقولها بصدق ـ عن العنوان السابق، وهذه أولى إشكاليات هذه المجموعة.

لقد قدّم هادي ياسين ـ إذ وجد نفسه وحيداً بالفعل في منفاه الكندي ـ محاولات مثيرة، ملأى بالصدق والدأب الروحي والعقلي معا، المكوّنين للنار الشعرية المتقدة في أعماق الشاعر، أيّ شاعر في العالم، لإفراغ شريكة وحدته ـ الذاكرة ـ مما علق بها، سواء من مسوّدات أم مبيّضات الماضي الذي تزدحم به الذاكرة الإنسانية على الرغم منها، وهذا ما وجدته في المجموعة في الظاهر من مداليلها والمُغيَّب منها، بدءاً من عنوانها مثلما ذكرت، فهو إذ جعل النص الأول تحت عنوان (الرجل الوحيد) الذي يبدو لي أنه أضافه قبل طبعها، قدّم ـ من حيث يدري أم لا ـ معادلة دقيقة الملامح فالنتائج تقول: إن الحياة مستمرة وإن كل شيء له حضوره فيها، سواء أكان حاضراً بالفعل أم من تراكمات الماضي، الجزء الأكثر تشبثاً بمجرياتها.

لنقرأ (الرجل الوحيد) بدقة: "نظرتُ إلى قطعة الخبز فوق مائدتي / فرأيتُ بيادرَ قمح وفلاحين وطواحين .. . / نظرتُ إلى قطعة السمكة / فرأيتُ أنهاراً وبحاراً وأشرعة ًوصيادين / .. / نظرتُ إلى زجاجة النبيذ / فرأيتُ بساتين كروم وعصّارات عنب وعصّارين / .. / التفتُّ إلى المرآة / فرأيتُ رجلاً وحيداً .. يقرأ تاريخ الأسى"(ص5).

هذا النصّ الأول الشديد المباشرة، خطأ الشاعر الذي طالما أعلن في نصوص المجموعة أساه لكثرة أخطائه فيما سبق من حياة، إذ شاء الشاعر أن يفكّ أهم ما في مجموعته هذه، أعني لغزها المُضمر الذي كان بمكنته إخفاءه عن المتلقي، وإرغامه على البحث عنه ومشاركته في هذه المسؤولية، فهو هنا قال ما يريد وكشف عمّا تخفيه المجموعة، حتى ليمكن للمتلقي البسيط أن يعثر على تلك اللقى الخافية بسهولة في نصوصها، من مثل قوله في النص الثاني (غياب): "شواهد الغيوم / التي بعثرها المطر .. / تلك رسائل أصدقائي الغائبين. / تلك كانت روائح أيامنا التي نبتت في الضباب .. / تلك ذكرياتنا التي مثل ماءٍ تبدّدت" (ص7)، إذ كشف النصّان عن احتفاء الشاعر الدائم بمن حوله ـ مضطرّاً أم مختارا ـ وسواء أكانوا يقفون وراء متطلبات الحياة أم يشكلون مادتها وعناوين ديمومتها، ومن بينها "رسائل الأصدقاء الغائبين" الطالعة من غيابات الماضي نحو المستقبلي من الحياة، فضلا عن كونها تمثل عين الطفولة التي اعتادت أن تشكـّل من الغيوم ما تفترضه من صور لأشياء مستعادة في أعماق نفس رائيها.

63-hadiوالجميل في نص (غياب) هذا إنه امتلأ بالحيوية والحركة التي تدور انطلاقاً من الماضي ثم ترتدّ إليه، فها هو هادي ياسين يواصله مستعيداً أصدقاءه: "الجبال التي اجتازها أصدقائي / عباءاتها تلوّح لي / والدروب التي مرّوا منها / والصحارى، أيضا، والغابات .. / جميعها تستدرج خيالاتي"(ص8)، ثم: "البحار التي عبروها / كثيراً ما تهدر حِذاء نافذة يومي / لقد عافوا أشرعتهم عندي / وأبحروا بسفن صواريها المجهول .. / وها أنذا مرفأ مدينة خالية .. "، وكذلك: "كل نسمة من مناطق أصدقائي، أولئك، / شجنٌ لي .. / وكل موسيقى تصل / هي صدى لتاريخي المأكول .. / أما غيابهم / فمثل حربةٍ .. يطعن فجراً كنـّا قد نسجناه معاً .. / آه يا غيابهم / .. / يا غيابهم / إن الدخان يملأ مكاني"(ص9).

يحيل هذا النص ـ في تقديري ـ إلى حالة سكون حياتي وفقدان للحيوية يواجهها الشاعر، دفعته إلى هذا التشبث بالذكريات الملأى بالحركة والحيوية على الرغم مما رافقها من ألم، وهذا ما سيُظهره أمامنا جليّاً نص (قلبي الذي) الذي ضمّنه الشاعر عدداً من المقابلات المفارقة بين الآمال والخيبات، والسكون والحركة (الطيران) وغيرها من المفارقات، من مثل قوله في مستهلـّه: "أتبع الأمل / والخيبات عالقة بي. / كلما عثرت على ريشةٍ قلتُ: ها أن طائره قد مرّ من هنا. / الريشة تؤمّلني والخيبات تؤلمني .. / ما لهذا العمر ينقضي عالقاً بالطائر الغيبيّ / فيما المسافات تتمدّد؟ / لا المدن وشوارعها ولا الفيافي والدروب .. ولا السنوات / تكفي لإغواء طائر الأمل."(ص15)، قبل أن يخاطب قلبه بأسى أكبر: "آه يا قلبي الذي / يا قلبي الوحيد / أطعمكَ القصائد فتطعمني الصبر / تقودني مثل شمعةٍ تنحني لها الريح / فيما أصابعي تركن إلى موسيقى تنحني لها الروح / وروحي مثل بيدرٍ مبذور للمطر / .. ولا حصيد .. "(ص17)، ويا لها من نتيجة مُرّة المذاق لا توقظ أسى الشاعر وحده على حالة خاصة به، بل توقظ متلقيه بالحتم على نشيج داخلي في مواجهة الهمّ الوجودي الأكبر والأقسى المقابل للرغبة في عيش الحياة.

أما في نص (مسودّة النسيان) فيوجعنا هادي ياسين ـ نحن أبناء جيله من الشعراء ـ بأسئلته المباشرة الصادقة، المتداخلة في سؤال فاجع واحد، بعد أن يسفح ما في قلبه من ألم الغربة والسكون المحيط به، الذي توهم أن فيه خلاصه من محنة وجوده في ما مضى: "من أجل ماذا كان عليّ أن أذرع الحانات / وأصبّ في كؤوسي بريق الألم / وأعبّ من الهواء ما يُفسد على الطريق قدميَّ / وعلى لياليّ مباهجَ مدّعاة / وأناقش أكرة الباب / وأستدير غافلاً صوب الغفلة؟"(ص29)، ثم ليطوّف في مراتع طفولة ولده الصغير الذي يُشاكسه بأسئلته الغريبة، من مثل: "هل تستطيع أن تمسك الماء؟" التي يجيب عليها في أعماقه ولا شك: " الماء أيام مندلقة في منخفضات الذكريات / سأذكركِ ايتها الأيام بما تبخـّر من روائحك / وما تسرّب منكِ بين شقوق الهواء .. ."(ص30)، ويطوّف أكثر في مجاهيل ملأى بالحركة أيضا، ملأى بخزين الذكريات والتأملات المثيرة التي تمتلئ بها (مسودّة النسيان) هذه، لينتهي إلى صورة الليل الجالس إلى مائدته، المبعثر لبياض الأوراق، والخابط لكأسه العادّ لما تبقى من حبّات الرمان ـ ولعله عنى السنوات ـ بل لقد عناها هادي بالفعل، إذ لم يشأ إخفاء ما انتهى إليه من أحواله التي عرضها النص بصدق الشاعر المأزوم مما يعيشه من سكون وراحة، بعد أن عاش ظروفاً ظنها لا تطاق، وتبين له أنها أكثر إسعاداً للشاعر بالذات من سواها، وإن جثمت عليها طبقات من الطين: "ثمّة طبقات من الطين / طبقات من الطين / طبقات / وفراغ / وبياض / و .. نسيان."(ص43).

وإذا كان النص السابق استحق أن يكون عنوانه "ثريّا" نصوص هذه المجموعة الشعرية الرائعة، التي شاء هادي ياسين أن يستبدله بآخر هو أدرى بمدلوله أو مداليله منا، ولاسيما إذ جاء أطول نص وأغناه ضمن المجموعة، فقد أردفه الشاعر بنص (سراب القرون) الذي لم تختلف مداليله الظاهرة والمغيّبة عن ذلك كثيرا، وقد حمّله هادي همومه الوجودية نفسها، وأسئلة الحياة التي صارت تواجهه نفسها، ومقابلاته المفارقة التي تكشف عن حيرته المضنية بمواجهة سكون ما يعيش ـ فوق ظروف الغربة التي اختار ـ وتحت ما يمكن أن نطلق عليه ـ ظروف ما توهم أنه ترك من ماض وذكريات ـ حتى لقد كرّر في نصّه هذا ثيمة الأسئلة التي نواجهها حيثما التفتنا، والتي تؤول إلى: "شراشف مخدّاتنا / ومادة أحلامنا / ورغوة الصابون في الصباح / ورجفة جرَس الباب / وعبث الهاتف / ولهاث أفعالنا الجنسيّة / والدخان الذي نستعيره من السجائر."(ص58)، لكي يكتشف ـ من بعد ـ أن: "الشمس فانوس يمدّ يأسه بالأمل / فيما الأشجار ضحكة الطبيعة / والعشب ابتسامتها في فصول استراحتها من دويّ الأسئلة."(ص59).

إنه نصّ كسابقه، مكتنز بالأفعال المضارعة التي تتلاطم كأمواج بحار الحياة في محاولتها إزاحة ماضيها، بأفعالها المثيرة للتساؤلات والتأملات وحيوية روح الشاعر، أو روح ما عاش من حياة صاخبة مع صحب لا يختلفون عنه قسوة ظروف وأحوال، لكنها بدت قسوة "ممتعة" بصخبها وانفلاتها، بإزاء سكونية مدمّرة لا تقدّم للشاعر إلا الجفاف، جفاف ما كان طيناً حتى، طيناً قابلاً لإنبات أشجار ورد وفواكه وتلويث أصابع أقدام الحفاة!: "غيابنا مطمور .. وأرواحنا وحول / ونحن غياب الآخر فينا."(ص60)، ثم: "لا شيء يُطهّر صمتنا حين تنبثق الأسئلة عارية في زحمة وجودنا"(ص نفسها)، ثم: "في الطبيعة / لنا أقرباء فرّقتنا عنهم زحمة الوجود: / قرابتنا بالحيّة ضيّعتها الأساطير / بالذئب ضيّعتها المدن / بالكلب ضيّعتها الطرُقات / بالطير ضيّعتها الطائرات / بالبحر ضيّعتها المجاري / بالأحلام ضيّعتها الأفلام."(ص62)، وما أروع ما انتهى إليه هادي من مفارقات، عندما أنهى نصّه هذا بالقول: "الحيّة أمّنا / الذئب أبونا / الكلب أخونا / الطائر ابننا / البحر بيتنا / الأشجار سياجنا / الطائرات طفولتنا / المجاري بولنا / والأفلام أحلامنا المستعارة / .. .. .. / أما نحن .. فأسئلة."(ص62).

وهكذا؛ يستمر الشاعر في عرض وإثارة أسئلته الوجودية، الأسئلة التي اكتشف متأخراً ـ ربما ـ ثقلها على الروح، وحيويتها لانطلاق الروح الشاعرة بالتحديد، ولعنتها في الوقت نفسه إذ تحاصر الشاعر وتقلقه في يقظته ومنامه، لكنها توقظ فيه مكامن الشعر لينبعث من السكون صاخباً مدهشاً بما يُثير ويستفز ويُحفز ويترك من تأثيرات مفارقاته التي تستحق الإعجاب.

لقد تركت من (الرجل الوحيد) الكثير مما تشابه عليّ، أو تراكم في نفسي شخصياً من هموم صديقي الشاعر هادي ياسين علي، خشية من أن يتلبّسني ما تلبّسه من وجع أسئلة الأسى المريرة، التي تطبق على الخناق حتى إن عاش الشاعر في "بحبوحة" حياة يفترض أنها في غاية السكينة وأبعث على الراحة والاستقرار النفسي، من حياة عاش وظرف واجه، ليتبيّن له أنه وحيداً شعر بالخيبة، ووحيداً سيقضـّي بقية سنيّه، ووحيداً سيبدو وإن شاركه آخرون محنته الجديدة.

ولقد منح إحساس أخي هادي بالوحدة الممضـّة، مجموعته الشعرية هذه روحاً متفجّرة بالشعر الحقيقي المثير للدهشة، والإحساس بالألم لما يعيشه من "فراغ" لا يمنحه راحة البال التي انتظر، لكنه يزيده شاعرية بالتأكيد.

 

قام بها: د. عبد المطلب محمود

شاعر وباحث أكاديمي من العراق.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي الغالي هادي ياسين انت جزء من ذكرياتي الجميله عندما كنت صغيرا كنت تعلمنا الرسم وتقرأ لنا القصص الرائعة.مازلت احبك استاذي

حسين
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2398 المصادف: 2013-03-30 13:10:51