المثقف - قراءات نقدية

سحر العرش بين الحقيقة والزيف .. قراءة نقدية لمسرحية الملك هو الملك للمؤلف سعد الله ونوس

تدور احداث المسرحية حول لعبة يفتعلها شخوص المسرحية ذاتهم، فتتباين الشخصيات بين الملك والوزير وابي عزة الفقير بعد ان بعثر امواله واتعب وزوجته وابنته فضلا عن السياف وعرقوب والخادم وغيرها من الشخصيات المتعددة، هي لعبة اقامها الملك بعد ان ضاق صدره وجزع من رتابة الحياة الراكدة التي يحياها في القصر، بعد ان سمع بابي عزة وتوهماته في ان يصبح ملكا وينتقم ممن تطفلوا على حياته واعتاشوا على ثرواته وسرعان ما تركوه دون ان يتبقى في جيبه دينار واحد، فأمر وزيره بخلع ملابسه، بعد ان خلع ملابس الملوكية والتاج وارتدا الاثنان ملابس عادية تنم عن شخصيات مقربة من الملك وهما مصطفى ومحمود، لانه وجد في ذلك تسلية وسخرية يروح بها عن نفسه ويكسر جمود الحياة التي يعتاشها في القصر، فيذهبا الى ابي عزة ليخبراه انه تم اختياره ليصبح ملكا ويصبح عرقوب الخادم وزيرا، فاعتلى العرش ابو عزة ونسي انتقامه وسلك سلوك الملك الاول في التقرب الى شهبندر التجار المسيطر على الاسواق والتلاعب في الاسعار بغية الربح الوفير بغض النظر عن ايذاء الناس، فضلا عن انشغاله بقطع رؤوس المعارضين والثائرين على ظلمه فيصبح اكثر تلذذا وظلما من سابقه، فللكرسي سحر يقلب الموازين ويعيد خلق الشخصيات، يهرع الملك الحقيقي الى كشف الزيف في مملكته فيلجأ الى ام عزة وابنتها رغبة في التعرف الى ابي عزة وافتضاح امره امام الناس الا انهما يعجزا عن ذلك، والصاعقة العظمى التي تحطم راس الملك الحقيقي هو ان زوجته تظهر لابي عزة مناسك الولاء والطاعة وتناديه بكل احترام وتبجيل، ليستمر الملك بيد ابي عزة فيضيع الحقيقي والزائف وتنقلب موازين الحياة بين الخيالي والواقع

 

 

تقوم فرقة الانشاد في هذا النص بما يشبه الاحتفالية التي تمجد السلطة ظاهرا وتطيح بما تقوم به وتسخر باطنا وبشكل جماعي فهي تنشد بالمولى الكريم الاتي من النسل العظيم وحركتها حركة آلية تعطي انطباعا اجوف كما يؤكد المؤلف مما يبوح بالمسكوت عنه من جفاء بينها والشعب الفقير، الذي تختلط ثقافته وثقافة القصور في مكان واحد دون حواجز " انت مولانا الكريم ...سد بالملك العظيم ...فابق يا نسل الكرام " ( ص 2)، وحينما يفكر الملك ان يتنكر الى رجل عادي ويقابل ذلك الرجل العادي يصبح ملكا لمجرد ان حياته المملة غاصت في وحل الضجر فانها قمة الفوضوية وسحق الحواجز الطبقية التراتبية لتندمج الثقافة الرسمية بالشعبية " الملك : ما احتاجه هو سخرية اعنف واخبث، اريد ان اعابث البلاد والناس ستكون اللعبة شرسة ومبتكرة ... وسأظمك حتى تنردم هذه الفجوة المعتمة من الضجر " (ص6)، ليكون الاحتفال سبيلا للخلاص من الرتابة والجمود الذي يسود الحياة الملكية موسوما بالفوضوية المفرطة التي تجمع المتضادات ( الملك /الرجل العادي المفلس)، ( الوزير/خادم ابي عزة)، لكي تمارس الاقنعة دورها في خلق ابو عزة ملكا والملك رجلا عاديا ليحدث فاعلية التغيير في الوجود من خلال قلب الاضداد فترسم حياة مقلوبة وعالم معكوس ذو سمات جمالية تزيح كل ماينظم ويقنن الحياة الاعتيادية فابو عزة أزاح كل القوانين والانظمة التي كانت تحكمه واصبح هو الحاكم فالقوانين تقع خارج عالمه الجديد " في الصباح سيلبس معلمك التاج ويحكم نهاره بدلا من الملك اما انت فسترتدي ثوب الوزير " (ص8)، اراد الملك من تلك اللعبة التغيير والعبث والسخرية لنهار كامل وحين يأتي المساء يعود كل شيء الى سابقه ليؤكد للناس الفرق الشاسع بين الطبقة الرسمية والشعبية، ففي تصوره ان ابا عزة سيرتبك ويتيه في امساك المملكة ويبقى هو مقهقها ومرتاحا طوال نهاره " الملك(مصطفى) : لا استطيع ان اكبت ميلي الشرس الى السخرية والعبث، اتصور ارتباك الجميع ...ثم تتوالى المفارقات وفي المساء اقهقه في وجوه الجميع واعلمهم معنى ان يكون الملك على مقاس الرجل والرجل على مقاس الملك" (ص8)، الا ان الذي حصل العكس واثبت التحول والتغير وسحق الفوارق الاجتماعية واندماج الثقافات في حكم ابو عزة وزوال حكم الملك الحقيقي، " مصطفى : من كان يتخيل انه يجيد التمثيل الى هذا الحد...محمود: وما ادراك انه يمثل؟....مصطفى: ماذا يفعل اذن، ايمكن ان يتبدل الانسان نهائيا في ظرف ساعة من الزمان...محمود: واحيانا لايحتاج الى كل هذا الوقت"(ص26) فابو عزة لايتاج الى الوقت لانه في عالم الزمان فيه حر وبلا اطر يجد الانسان فيه ضالته، كما ان شخصية محمود ( الوزير السابق) خرج من ظلمته وافرغ ما بداخله دون أي تكلفة اتجاه الملك، فهي اللحظة الراهنة التي حطمت كل القوانين والحياة المقننة في وجوب الصمت، فصرخ بالمسكوت عنه واعلى صوته ورغبته في زمان ومكان حر، حيث تعامل مع الملك على انه نادل كما هو الحال بالنسبة اليه لتلغى الفوارق التراتبية بين الملك ووزيره بعد ان لبسا اقنعة التنكر كنادلين لتمارس الاقنعة دورها في الخلق والتغيير، وبذلك فانه مارس سخرية من السلطة واعظم رجالها، ليمثل حواره مع الملك عالما يتسم بالتحديد المشاركة الانسانية التلقائية فلقد ثار ضد قيود ملكه وتحدث اليه عما يجول في خاطره بكل بساطة ووضوح " محمود: حين كنت وزيرا وكنت الملك طالما خطر لي ان اصفعك" (ص 28)

تحلم عزة بصوت مرتفع حين تأمل انقضاء الشقاء" عزة : متى ينتهي الشقاء شقاؤنا جميعا"( ص16) فالامل هنا للجميع لتذوب الانا في النحن مما يجعل الحياة مضطربة الحركة جماعية تتوالى فيها الاصوات وتتعدد وبشكل جمعي "زاهد: يعتقدون ان عيد التتويج مناسبة مؤاتية لعمل اكبر ...عبيد: أي عمل ان يهتفوا بسقوط الملك "(ص8) فهي دعوة للتغيير والتحرر عن طريق الثورة الجماعية بغية تنسيق القيم الرسمية في مملكتهم بما يتجاوب ورغبتهم في انهاء شقائهم ونيل الزمان والمكان الحر المفتوح حيث يجدوا ضالتهم في اعلاء اصواتهم وامالهم، ولن يتم ذلك الا بالثورة والتغيير كما هو الحال في دعوة عبيد الشرسة " عبيد: تروي كتب التأريخ عن جماعة ضاق سوادها بالظلم والمجاعة والشقاء فأشتعل غضبها وذبحت ملكها ثم اكلته "(ص17) وهنا تكمن السخرية من رجال السلطة، فالشيخ طه هو احد رجال الدين الموالين للسلطة ذو الذمة المتسخة باكل اموال اليتامى " عرقوب : طه الشيخ الخائن المخادع ...لان ذمته واسعة ويأكل اموال اليتامى"(ص26) ربط هذا الحوار بين المقدس والمدنس، فالشيخ العظيم بالخائن الوضيع والذمة الواسعة باكل اموال اليتامى مما قضى على البنية العظيمة لذاته وازال طبقيتها بمساواتها مع هكذا بني انسانية وضيعة، ويظهر الاحتقار من رجال السلطة واضحا في اهانة عرقوب للندمان الجديدان ( الملك-مصطفى-والوزير-محمود) بعد ان سأله الملك ابو عزة عن غنائهما " عرقوب: تقليد الملوك والوزراء ورواية الطرائف والعواء ... مصطفى: العواء...عرقوب: اعني ما يسميه الندمان عادة بالغناء وفوق ذلك يا مولاي هذان الدرويشان يحسنان العاب المهارة والشطارة وعندهما المام باسرار المجون والخلاعة " (ص25) فقد استخدم عرقوب لغة مهينة تمثل الشهوة الجسدية المتجسدة بلفظي المجون والخلاعة والمحاكلة الساخرة المتمثلة بالعاب المهارة والشطارة ليحيل الملك ووزيره الى مهرجان احمقان وجدا لاضحاك الاخرين، فيؤكد على القبيح مع التورية اللفظية وضرب المركزية المتمثلة بالملك، " مصطفى : ماذا يدور اين الحقيقي واين الزائف، اين الحلم واين الواقع" (ص30)، لتمارس حياة الملوكية دورها في الشهوة واستباحة المحرمات، من خلال تنصيب الاقنعة والخلق لتبرز الفاعلية في الكرسي حيث ان اعتلاء العرش والانتقال من حالة الى اخرى، وما لهذا العرش من لمعان وبهرجة يجعل من الانسان يغير مبادئه ومعتقداته، او يتناساه ويسبتها،فالكرسي ملعون لانه يلعن دواخل الانسان ويلغي الكثير من سماته فضلا عن تجديد دور الملك ونسخ صورته، فكأن العرش جهاز استنساخ لايقبل بصورة مغايرة للملك، ان تكون ظالما تسود، تلك هي مشكلة العرش والملوكية في وقتنا الحالي وقد ادركها المؤلف، فاحداث التغير العميق في شخصية ابي عزة ومعتقداته وتقاليد عيشه وامانيه وطموحاته، فيحتار الملك الحقيقي بينه وبين ابي عزة ليتيه الحقيقي والمزيف، الحلم والواقع، كما يحتار القارىء بين الانسان العادي والملك.

 

بقلم: امل الغزالي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2409 المصادف: 2013-04-10 03:10:38


Share on Myspace