المثقف - قراءات نقدية

تراتيل قاسم والي .. في محنة أوروك الجديدة .. قراءة لمجموعة (تراتيل أوروك)

75-qasimلم أتفاجأ يوم بدأت العمل في مدينة (السماوة) العراقية الجنوبية بشيء، قدر مفاجأتي بالشاعر المدهش قاسم والي، الذي يخرج علينا يومياً ـ تقريبا ـ بقصيدة جديدة مثيرة للدهشة والإعجاب، من جنس القصائد ـ الشعر التي تأخذ المتلقي في كل بيت من أبياتها إلى منطقة التأمل فالإعجاب وسعادة التلقي، لينضاف إلى مجموعة شعراء هذه المدينة التي طالما حدّدت ظروفها الاجتماعية ـ الثقافية طوال عقود من الزمن، شكل القصيدة وموضوعها وأفقها حتى ـ في الغالب ـ في ما يمكن أن يوصف بـ "نمطية الخطاب" وتقليديته، بحسب تصوري للأمر، وإن أنجبت شعراء ذائعي الصيت في مراحل سابقة من عمرها، وماتزال تنجب المزيد، يتقدّمهم الشاعر الشيخ الراحل عبد الحميد السماوي من قبل، والشاعر الدائم الإبداع يحيى السماوي حاضرا.

وسأجرؤ على القول بشأن الوالي قاسم ـ الشاعر فأقول إنني لم أقرأ توحّداً ملتحماً فريداً بين الهموم الشخصية والهمّ الوطني الكبير، في شعر شاعر ممن عرفت أو أعرف، كالذي تظهره مداليل شاعرنا صراحة أو تخفيها فتكشف عنها القراءة المتأنية، حتى إن أراد التشبيب بواحدة من الجميلات الكثيرات، ولأقل (عبلاه) مثلما فعل ذلك الـ (عنترة) الموغل في تاريخ شعرنا العربي، الذي قرن التماع السيوف في أشدّ المواقف صعوبة، الحرب والقتال، بلمعان "بارق ثغرـ عبلة ـ المتبسّم"!

وسأستعير من صديقي الشاعر المبدع يحيى السماوي، قوله في صديقي قاسم "هو شاعر موهوب ومثقف ويعرف كيف يُضمّن ويتناص، غير أن قاسم يضيف للمتناصّ معه، الأحرى يُسقط عن شجرة المتناص معه الأوراق الصفراء إفساحاً في المجال للجديد من الأوراق الخضراء المتماهية مع الطبيعة عبر هذا التوهج"(الغلاف الخلفي لمجموعة تراتيل أوروك) ربما لأن الوالي العجيب درس شيئاً من علوم الهندسة وما يستتبعها من رياضيات وحرارة وميكانيك وكهرباء، فضلا عن كونه قد تأمل فيما قرأ من كثير شعر عربي وغير عربي، فامتلأ بالشعر وملأ دفاتره شعرا.

وفي (تراتيل أوروك) هذه تقودنا مفردتا العنوان ابتداءً إلى حيّزين علاماتيين متفقين ومتواشجين تماماً، طالما ارتبطا في أذهاننا بتاريخ العراق والإنسانية القديم جدا، يوم جاءنا من تلك المدينة الحضارية الأولى التي أتعبت (جلجامش) بحثاً عن الخلود البشري منها وفيها، تلك التراتيل المدهشة التي اضطرت الكثيرين منا إلى حفظ بعض نصوصها، وهي تتغنى بالحياة والموت وتعلن رغبة البشر جميعاً ـ لا جلجامش وحده ـ بالحياة ونشدانهم للخلود، وجهلنا بالكثيرين من صاغة تلك التراتيل لنعرف ـ من ثمّة ـ شاعر أوروك الحاضر وصائغ تراتيلها في هذا الحاضر : قاسم والي، المتخفي المتعبّد في كيان الشعر، والبعيد عن التبجّح والإدّعاء، حدّ الخجل، وكأن اشتغاله في غير ميدان الأدب المباشر فرض عليه هذا مثلما فرضه على سواه، وأدّعي أنني أعرف عدداً منهم بالفعل!

ومن المدهش أيضا أن لا يتركنا الشاعر، وهو يوطـّئ لمجموعته الشعرية هذه، نضع الافتراضات ونحتال على اكتشاف المداليل، إذ يقول لنا بصوت واضح الألم :"عندما اكتشفت متأخراً فداحة الصمت أو فداحة الهمس الفاجع قررت البوح خارج المساحات التي لا تزيد عن مساحة ورقة ولا تقل عن مساحة أذن الحبيبة... وها أنا على أعتاب كهولتي أنسخ أوراقي المبعثرة دون أوجالي العتيقة (...) ممتناً من أعماقي للظروف التي أتاحت لي لملمة أناشيدي وحدائي ورثائياتي وكِسَر روحي الملقاة على قارعة الطرقات (...) معتقداً أنْ لا نظاماً إضافيّاً يضاف إلى متراكم الفوضى الكونية المنظمة".

فإذ نقف على الترتيلة الأولى (سلالة الخوف) من المجموعة، ينكشف أمامنا المزيد من ذلك الهمّ الوجودي الكوني :"حُمِّلتُ ما لا أستطيعُ تحمّلـَهْ / فرميتُ أجوبتي بوجه الأسئلة / ورفعتُ رأسي بعدما أنهت / مهمتها عليه المقصلة / لم تـُكمِل الآيات ِحنجرتي / فقد ماتت على شفتيَّ باءُ البسملة / أنا سيرة ٌللموت / والميلاد / سلسلة تكبّل سلسلة..."(ص9)، ثم قوله : "أنا آخر الخيبات / والنكبات / والقصص القصار المهمَلة / لا أملك التفصيل / في سِفر الحروب الآتيات / لأُجمِله / فليفرح الناجون في وطني / لأن الموتَ أبدل منجله / في كل يوم / نبصر الحجّاج / والشمرَ اللعين / وحرملة / نروي مقاتلنا / إذا نروي الحُسين بكربلاءَ / ومقتله / نبكي علينا / حين نبكيهِ / فتذرفنا العيون المُمحلة / راودتُ مأساتي / لأمنحها الدموعَ / فغازلتني المهزلة..."(صص 10و11)، قبل أن ينتهي إلى :"أخشى / إذا أنهيتُ سيلَ تدفقي هذا / سأصبح قنبلة / ويعود رأسي بعدما قطعوه مُستاءً / ليحملَ أرجُله"(ص12).

75-qasimولا أظنني بحاجة إلى تحليل أو غوص فيما لم يُخفِه الوالي قاسم من نشيده و"كِسَر روحه" التي دلـّنا عليها متفضلا، أو إلى محاولة تبيين ما تعلنه هذه المفردات والعبارات المتفجّرة شعراً مهموماً، والمتساوقة مع ما تعلن عنه مما له علاقة بأزمان مضت، وبزمن معاش متصل "الأرومة بما سبق" سواء منذ تلك الـ (أوروك) أو ذلك (الطف) الفاجع، أوما يجري من فجائع تبدو وكأنها غير مسبوقة!

وعندما يخاطب الشاعر وطنه / العراق في ترتيلته الثانية (هنا بين شريانين تولد أحرفي)، يصعد بنا درجة أخرى على سلالم الألم الفاجع : "فمن أي حربٍ لا أراك مغادراً / ومن أي موتٍ يا عراق ستولدُ؟ / ومن أي آهاتٍ ألـُمَّ قصائدي / ومن أيّما مهوى أقوم وأصعدُ / ... / أنا كل ما بي أنني منكَ طينة ٌ / تحاول أن تحيا وها هي توأدُ"(ص14)، ثم ليخبر وطنه : " فيا وطني المسكوب بين أضالعي / فؤاداً نبيّاً والنبوّاتُ موعدُ / أنا جئتُ من أوروك يحملني دمي / ويتبعني منها رُقيمٌ ومعبدُ / لعنتُ الثريّا لم تشدَّكَ نحوها / وعاتبته لمـّا تناسكَ فرقدُ / وما كنتُ لعـّناً وما كنتَ لعنتي / ولم تكُ مقصوداً وما كنتُ أقصدُ"(ص15)، قبل أن يعود الشاعر إلى قلبه بعد أن طوّف في عوالم الحزن والأسى والأسئلة الممضة التي لا إجابات واضحة لها، صارخا : "أجبني فبي نخلٌ يُداعبُ موتـَه / وقوفاً وبي رملٌ يقوم ويقعد"(ص16)، ومع قلبه يجيئنا خطابه مثلما لا نتوقع :"أعود إلى قلبي الذي ظلّ راكضاً / ويزرع أشعاراً وما عاد يحصدُ / ويُرمى بما لا يستطيع احتماله / ويُصلبُ أوتاراً، وتـُحَلُّ وتـُعقدُ / هنا بين شريانين تولد أحرفي / خيولاً، وفي مجرى الدماء تـُعمَّدُ / وبلقيس يا بغدادُ ترقب طلعتي / ليرتاح من نقل الغوايات هدهدُ..."(ص17).

فإذ قلت آنفاً أن الشاعر يعرض خطابه مثلما لا نتوقع، فلأنه أثبت براعة في مزج العام بالخاص وبالعكس، لاعباً ببساطة ومقدرة متمكنة بذاكرة ممتلئة بالتاريخ والشعر واللغة والعلاقات التي تبدو متناقضة، في حين نراه يخلق منها علاقات جديدة تفصح عن انتماء صادق وتشبث بالحياة لوطنه ثم له من بعده ومن خلاله، وقد شهد له ـ هو الشاعر ـ على ما لا يستطيع احتماله، وأشهد الوطن على ما لم يستطع ـ هو الشاعر ـ احتماله من هموم، وكأن النص قد التف على مداليله التفافاً فما ندري ـ نحن المتلقين ـ أيّان نمسك بخيوط هموم الوطن وأيان نمسك بخيوط هموم الشاعر، وهذا ما يؤكده الوالي قاسم في ترتيلته الثالثة (بأيّ قمصانك الحمراء تغمرهم) التي ينتمي خطابه فيها إلى أصوله نفسها :" جاءوا.. وصلتَ، فلما جئتهم.. وصلوا / أنتَ انشغلتَ بهم أم هم بكَ انشغلوا / وقفتَ! لا! لم تقف، حلـّقتَ مرتفعاً / هل حلـّقوا مثلما حلـّقتَ أم نزلوا / بأي قمصانكَ الحمراء تغمرهم / همُ الخطايا التي قمصانها الخجلُ..."(ص19).

إنه عجيب في تحويل محنة أسئلته الكونية أمام وطنه، إلى شعر حقيقي سهل ممتنع :"من أيما لغةٍ أستلّ قافيتي / فذي جيوشٌ من الأصوات تقتتل"(ص20)، ثم تخرج فيوض تحاول أن تتشيأ إجابات من دون أن تبدو كذلك :"ما بين قلبي وعيني بُعدُ قافلةٍ / تنأى فأُبصِر ما لم تبصِر المقلُ / وبي من البوح ما لا تستطيع له / نقلاً لفرط انفعالي هذه الجُمَـلُ..."(ص21)، ثم نقرأ بعد ذلك :"أردتُ أن ألتقيك الآن، مشكلتي / أنْ لا سبيلَ، وتعدو نحوكَ السُّبُلُ..."(ص22)، وهو ولا شك موجع جداً في عرض محنته ـ ومحنتنا معه ـ بمنتهى البساطة والألفة مع الشعر المتفجّر، عبر أسئلة تجيء إجاباتها أشد صعوبة منها.

وتأتي ترتيلة (بوح) التي يؤرخها الشاعر بـ (تشرين أول 2006)، والتي أطلقها على البحر البسيط وبقافية شديدة الأنين هي حرف النون، لترتفع بالمتلقي درجة أعلى وهو يصعد سلالم الوجع، ها هو الوالي قاسم يستهل هذه الترتيلة ببيت ظهر بمقابلة نصيّة دقيقة التوازن في هندسة بنائها، بين جملة صدر البيت وجملة عجزه :

"يا أول العشــق يا منفــاي يا وطني   يا آخــر العشــق يا مـولاي يا وطني

يا واقفــاً غيــر عيــن الله لـــم تــرَهُ    عيـن ولولا اصطخـاب الآهِ لـم يبـِـن

بينــي وبينــكَ آثـــــارٌ يَفـــــزُّ لهـــا    قلبــي وتطــردُ عيني بــارقَ الوسَــن

هبْني اجترأتُ وجاءت بعض قافيتي   مـوبــوءة بالنـواح المُـرِّ والشجــن..."(ص30)

لتتوالد في أبيات هذه الترتيلة الموجعة "تناصات" من القرآن الكريم، مثل (سورة يوسف) في قوله :

مَـن لــي بقمصــان أبنائــي لأنشقها    فبعــد عيــني سيأتــي الــداءُ للأذن...، وكذلك عِبـَر التاريخ في قوله :

يأ أيهــا الوطـنُ المقتـولُ مــذ ذبحوا   فيــكَ الحسيــن وباعوا طيبة الحسَن...(ص32)

ولأنني لم أشأ قراءة المجموعة ترتيلة إثر ترتيلة، فضلا عن احتفالي الذي قررته سلفاً بهذه العلاقة الحميمة بين الشاعر ووطنه (أوروك / العراق)، وجدتني أتوقف عند ترتيلة (تفاصيل) التي أهداها الشاعر إلى ذكرى "الرائع الراحل شاكر رزيّج"، الشاعر والناقد والفنان والشطرنجي السماوي والمناضل، ففيها يُبيح الوالي قاسم لنفسه الكشف عن محنته بمواجهة غياب القصيدة، لا غياب الصديق وحده، فهو يستهلها بالقول : "يُشاكسني الشاعرُ الطفلُ فيّ / تراودُ أوراقيَ البيضَ بعضُ القصائدْ / يستحيل الفضاءُ اضطراباً / سأشهد أني استمعتُ كثيراً / ولكنني لم أشاهِــدْ! / وأن ابتهاجَ القصيدة ما زال يُربكنا / شاعراً... شاعراً / واحــداً .. بعد واحدْ"(ص100)، ثم ينتقل في مقطعها الثالث إلى إعلان ثقته بمجيء القصيدة، أو الحياة من رحِم فجائع الموت والغيابات التي صارت تلاحق الباحثين عن الخلود، إرثاً من ذلك الـ (جلجامش) البعيد :

"تدارَكني الآن صوتي / لأعلن أن اندهاشاً خفيّاً يُساورني / فقد مرَّ موتٌ بموتي / وقد مرَّ صمتٌ بصمتي / وما زلتُ أشعر أن القصيدة غائبة ٌ / ولكنها سوف تأتي..."(ص101)، ليأخذنا في المقطع التالي مباشرة إلى ثيمة الهمّ العراقي المتجذر والمتجدد في كل عصر، فهو ـ ونحن جميعاً معه ـ :"سوف نرتاب بالشعر / بالملاك المُحلـِّق فوق السماوة / سوف يرتابُ فينا العراق / هنا حيث حجم الفجيعة / أكبر من لوعةٍ للفراق / هنا حيث كان النخيلُ استعدّ / وحيث الرمال استعدّت / فكان العناق / وما زلتُ أشعر أن القصيدة غائبة ٌ / ولكنها سوف تأتي..."(ص102).

ولقد استوقفتني جملة "سوف يرتابُ فينا العراق" إذ تأوّلتُ ـ ابتداءً ـ أن الوالي قاسم شاء المحافظة على الوزن الشعري أصلا، بيد أنني آثرتُ تأويلاً مستمَـدّاً من علاقة الوالي المشتبكة بالوطن، أفاد بأنْ جعل جملة (فينا) تعبيراً أكثردقـّة عن متانة هذه العلاقة بين الوطن وما نستشعره إزاءه في دواخلنا من محنة وجود قاسية، يُحاصرها الموت مثلما حاصر الشعر ساعة رحيل أحد الأصدقاء، لا بل غير الأصدقاء من أبنائه حتى، ممن يتخطفهم الموت تباعاً وبالجملة، فلا يملك الشعرإلا الارتياب بملائكة السماوات ـ لا الملاك المحلـِّق فوق السماوة وحده ـ ليؤول انتظار القصيدة إلى معادل للحياة التي يريدها الشاعر ويريدها الآخرون جميعاً عنواناً للسعادة، على الرغم من أنف الموت وفجائعه المتلاحقة.

وأجدني أتوقف عند ترتيلة (التمادي بالتمادي) التي أطلقها الشاعر نثراً، وكأنه عجز مواصلة الترتيل بالأوزان والقوافي والتفعيلات، وأعرف تماماً أنه لم يكن كذلك، بل له في قصائد النثر ما يُدهش أيضا، فها هو يستهل هذه الترتيلة بما يُشبه الصراخ :"لِـمَ لا تنزلق الأفكارُ على لزوجة الورقة / لمَ يتصاعدُ سخام الارتياب / إلى حدّ تكدير السماوات / مُستفـَزٌّ أنا / الاحتراقاتُ تتأجّج عند بوابة قلبي..."(ص113)، ليواصل متمادياً بالتمادي في مواجهة حالة سكون أو سكينة مريبة بالفعل، انتابته فأراد أن يُنبّهنا ـ نحن متلقي تراتيله ـ إلى خطورة استفحالها من حولنا :"أيتها الكائناتُ المُعربدة في رأسي / أحِسُّكِ / تتمادين باجتياحي / أكاد أراكِ / ما الذي أبقيتِـهِ من فـُتاتي / لن أنهزم / وسترَين / لن أتوارى / خلف برقع خجلي السابغ / أعودُ مُجَدَّداً / ساخناً كلـُبِّ الجحيم / ومزهوّاً بالتواجد"(صص115ـ116).

ثم أجدني أتوقف ـ أخيراً ـ عند ترتيلة (يحيى السماوي .. المحيط الصاخب)، التي يحاول الشاعر أن يستعيد صخبه وصخب الحياة التي يريد ويتمنى، من خلال حيوية الصديق النائي يحيى وتدفقه الدائم بالشعر، فهو يواصل صراخه ههنا أيضا :"هنا حشد أزمنةٍ للمكان / هنا حشد أمكنةٍ للزمان / زمانٌ يؤثـَّث بالصمت / مكانٌ يؤثـَّث بالموت / هنا يستشيط انفراط الرؤوس! / على صفحة الرمل بستانُ نخل / وظلٌّ لبستان نخل / مموّهة الماء هذي البلاد / ولا وقت فيها لهدر السراب / لأني أجفُّ / كما لم أكن منذ فجر العراق / سأستلُّ شِعراً عتيقاً / أبلل منه شفاه القصائد"(ص120). وسيميط الشاعر في ترتيلته هذه الغطاء عن مدلوله هذا، منذ منتصف المقطع التالي، في مقابلة بين الـ (هناك) والـ (هنا) وما يجري بينهما: " هناكَ انهمارُكَ شعراً ودمعاً / يُبرّره أنني ها هنا / يواصل غيمي انهماري دماً / وشعراً ودمعاً عصيّاً على الانهمار / هناكَ هنا / هنا.. ها هناكْ / وأنتَ أنا / وأنـّيَ أنت / كلانا عصيٌّ على الانشطار"(ص121)، ليختم الشاعر ترتيلته الصاخبة بشيء من الهدوء والسلام النفسي العجيب: "أرى كلما جنّ ليلٌ بنا / تراود كوّات أسماعنا الهمهمات / يُراقبنا الهاجسُ المُستبدُّ / ونمرق طفلين في صخب الأمنيات / وفي وهَج الأحرف الساطعة / تدور البلاغة ُوالأعينُ الدامعة / سلامٌ لنا / سلامٌ علينا / سلامٌ على الومضة الضائعة"(ص122) .. ولا أحسب الوالي قاسم إلا حريصاً على الإمساك بهذه الومضة، حرصه على ديمومة الشعر، مثلما حرصه على ديمومة الحياة له ولوطنه، أو لوطنه أوّلاً وله من بعده، عبر التراتيل اللاعنة الموت، المجددة لمسعى الشعر نحو الخلود.

 

قام بها د. عبد المطلب محمود ـ العراق

........................

(*) صدرت من دار الينابيع ـ دمشق 2010.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

الفاضل الحبيب الدكتور عبد المطلب محمود
سلامٌ عليكَ
اشكر لك تلقيك تراتيلي واحتفاءك بها ،كان ذلك التلقي والإحتفاء هامين من أجل ابتهاجي الشخصي ،ففي خضم اللوعة المتمادية تاتي هذه الرقعة بالفرح الشاسع
دمت لي سيدي الحبيب وللعربية وطلابها وللشعر والشعراء والغاوين ولا عدمتك
قاسم والي

قاسم والي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2412 المصادف: 2013-04-13 05:28:25