المثقف - قراءات نقدية

الطفولة وانكسارات الأشياء الجميلة في ديوان"من أغاني الطمى" للشاعر المصري محمد عبد الستار الدش

nooradin belkordiإن ما يميز الشعر الحق عن باقي الأجناس والأنواع الأدبية هو الرؤى التي تبنيه والعلاقات التي باستطاعته أن ينشئها بشكل غير متوقع، وأن يكون قادرا على بناء عوالم لم يحلم بها الإنسان، ليبقي العمق هو المسألة الجوهرية التي تحدد الرؤية والمخيال الذي يشكل النص الشعري.

انطلاقا من هذا التذكير الذي يؤمن بمضمونه كل شاعر أو ناقد متشبع ومتفاعل مع القصيدة بنوعيها التقليدية والحديثة، نقف عند ديوان "من أغاني الطمى" للشاعر المصري  محمد عبد الستار الدش، هذا الديوان الذي يؤسس لرؤية شعرية شمولية تنفتح انطلاقا من ذات الشاعر على الوطن والأسرة وحاملي مشعل الثورة..

قسم الشاعر محمد عبد الستار الدش ديوانه إلى أربع محطات عنونها ب"لها"، "لأمي"، "لأبي"، "للجميع"، وتفاوت عدد النصوص من محطة إلى أخرى وإن كانت محطة"للجميع" قد أخذت الحظ الوافر من النصوص..

يقول الناقد المغربي إبراهيم الحجري:"تتخذ الأنا في العملية الإبداعية بؤرة التعدد ومركز التوهج، فمنها ينطلق شرط التشكل فتصير جوهرا، وإليها يعود فتغدو قطب الرحى في توزع أدوار الكتابة والتواصل مع العوالم الغريبة عن الذات..." 1 ونجد الشاعر محمد عبد الستار الدش في ديوانه منفتحا على ذوات الآخرين انطلاقا من ذاته، يكسر رتابة القصيدة، فيحول ديوانه إلى قطعة فسيفسائية، وإن كانت ذاته هي المحطة الرئيسية لكل الأحلام والآمال، لكل الآهات والتوسلات، لكل الذكريات والانكسارات...

- التعدد التيمي في ديوان"من أغاني الطمى"

إن قصيدة محمد عبد الستار الدش يسكنها الوطن ويتشامخ فيها، فيعبر عن تعلقه بمصر الحبيبة، ويبتها مشاعره وأحاسيسه كأنه يحدث إنسانا له قلب ومشاعر، يقول في قصيدة "ألفية":الديوان ص 14

قبلتني

على كفها الوقت مثل البخور

و فوق الشفاه ابتسامة

ذات وجه غريب الملامح.

و احتفاء الشاعر بالوطن يتأكد من تخصيصه لمحطة "لها" لمصر، هذا العنوان الذي يؤشر على المرئي واللامرئي، على الحقيقة والمجاز، على التصريح والتضمين، فالشاعر عندما وسم الجزء الأول من الديوان بهذا العنوان فليعبر عن هواجس تنتعش داخله، لأن مصر في لحظة تحول تاريخية، لم تصل إلى بر الأمان والثورة التي اشتعلت لم تخمد نيرانها بعد، جاء في نص "تواصل":الديوان ص22

الحمام الذي أطلقته يداك

من القلب للعالمين،

يحلق

ما زال

لا يبصر الناس

يدنو

و لا يبصر الناس

لا شيء يسمع

غير الدخان.

إنها تجربة إنسانية تمزق شغاف القلب وتؤرق بال الشاعر الذي يطمع في الحرية دون دماء، دون جراح، لكن الواقع شيء آخر، فكل واحد يجري نحو مصالحه الذاتية بعيدا عن القيم الوطنية والإنسانية.

- الأسرة في ديوان "من أغاني الطمى":

إن الشاعر العربي عموما يتمسك بجذور الأرض والأصل، والعلاقة التي تجمعه بالمكان الذي ترعرع فيه، لا تتنكر للإنسان الذي تحمل المشاق من أجل تربيته- الأب والأم- وتشكيل شخصيته – الجيران والأصدقاء-، والشاعر محمد عبد الستار الدش يعترف في المحطتين الثانية والثالثة من الديوان بالجميل،  ولم يتنكر للذين تكبدوا المتاعب في سبيل أن يكون رجلا ذو مكانة اجتماعية لائقة في وطنه.

قدم الشاعر الأم على الأب وعيا منه بأنها هي من تحملت ظروف الحمل والوضع والتربية أكثر من الأب الذي جاء في المرتبة الثانية، دون أن يقلل ذلك من دوره الرئيس في التأثير على شخصيته، يقول الشاعر في قصيدة "أمي":الديوان ص38

تجذبني

من أذني

حتى صرنا قدام الشيخ

أطاحت بي

فانفتحت رأسي

قالت:هذا ابني،

أتمنى أن تجعله

شيئا.

نلمس من خلال هذا المقطع التربية الصارمة التي تلقاها الشاعر في طفولته، وللفقيه السلطة الكاملة في تدريسه وتقويم سلوكه وهنا يكشف الشاعر عن وجه التعليم في العقود السابقة .

إن نص "أمي " مليء بالمفارقات والمجازات التي تخرج بالقارئ إلى سياقات حياة الشاعر في طفولته، إنه نص سيرة يصور من خلاله الشاعر مشاهد ترسخت في ذاكرته وانطبعت في دواخله،  وتكبر الأم في القصيدة لدرجة أنها تتحول إلى ملاك تهب كل شيء لأطفالها الصغار ويكفيها أن ترى السعادة في عيونهم .

إذا كانت الأم صارمة وحاسمة فهي أيضا حنونة وكريمة، وليبرز الشاعر هذا الجانب كتب:الديوان ص41

تقرأ

ورد الصبح

و تخرج

كنا لا نهدأ

لا أدري كيف يمر

الوقت كالدهر

حتى تطعمنا

لا نهدأ

و يمر الوقت

كطرفة عين.

الشاعر محمد عبد الستار الدش وقف عند صفات والده والتي كان من أبرزها الحكمة والقناعة، وهنا أشر الشاعر على الدور الكبير الذي تلعبه الأسرة في التوجيه والتربية على الخلق الكريم، وعندما أكون صارما ليس بالضرورة عنيفا ومتسلطا، والشاعر يكشف عن المحبة التي تجمعه بوالده وإن كان عكس أمه حاسما معه، يقول الشاعر في نص"ترابط":الديوان ص55

تمرح في ذاكراتي منذ

ولدت وتمسح عن وجهي حبات

الخجل الساكن في

يا كم قبلت يديك

و أنت ترطب صدري

بحنانك يا أبي

فمتى لا تهرب مني؟

إن الشاعر محمد عبد الستار الدش ينفتح على كل العناصر الإنسانية والطبيعية المحيطة به، يتفاعل معها وتتفاعل معه، حيث خصص الجزء الأخير من ديوانه إلى كل تلك العناصر المؤثرة في وجوده، منها العصافير والأصدقاء"جمال عساكر"، أطفال الدرب، الأمكنة المسكونة بالذكريات الدافئة والحارقة .

"من أغاني الطمى" ديوان الحياة والبوح الشفيف، قصائده تغسل طفولة الشاعر الحالمة، وتتطلع إلى المستقبل بعيون مشرقة، مليء أملا ورغبة في الانعتاق من الماضي المثقل هموما، والصرخات المتسربلة من ثنايا نصوصه، جرعات يبني بها الشاعر جسورا لحياة أفضل، حياة سعيدة لكل الصغار، لكل الأمهات والآباء، للذين يسكنون الأماكن البعيدة ويتصيدون اللقمة بشق الأنفس، إلى كل هؤلاء يكتب الشاعر محمد عبد الستار الدش، وكأن القصيدة لا تستكين إلا إذا عبرت عن الهم الجمعي، والحلم المشروع لكل إنسان يعشق الحياة. وما تلك الأغاني إلا عناوين يتوخى الشاعر من ورائها التعبير عن الذين تكالبت عليهم الظروف والأوجاع فرحلوا في صمت، أما هو فيتمرد على الماضي ويتطلع إلى الآتي لتشكل قصائده متنفسا له ولكل الجيل الذي عاش نفس الأحوال وتجرع نفس المرارة وتذوق الأحلام ذاتها، لكن ذات الشاعر لا تستسلم لكل ذلك وتتوق إلى الجمال والحياة ويكتب في نص "لون":الديوان ص69

الآن الوقت بالألوان

و الدنيا لأبيض

أو لأسود

فعلينا أن نمثل دون

أن نخرج أبعد

فمتى نكسر بروازا

نصنع مشهدا آخر

في فضاء لا يكرر.

-        الرمزية والتعدد الدلالي في "من أغاني الطمى":

إن قارئ "من أغاني الطمى" لابد يحتاج عدة بلاغية لفك شفرات النصوص المغرقة في الرمزية         والانزياحات، هذه النصوص التي تنفتح على عدة تأويلات، وكل قارئ سيقرأ هذه التجربة الشعرية من زاوية مختلفة عن الآخر، وهذا يغني البعد الدلالي للنصوص.المباشرة عنوان غائب إلى حد كبير، وإن بدا للبعض أن التعبير بسيط فإن تركيبه البلاغي غني بالتشكيل الفسيفسائي الذي أضفى على نصوص الديوان مسحة حداثية وبعدا تأويليا مشروعا ما دامت النصوص تتأسس على انفتاح الذات على الآخر،  وتعبر عن همومها وأحلامها بصدقية متدفقة وشعرية عميقة.و يمكن التمثيل لكل هذا بنص"تمثيل":الديوان ص86

أنا والغياب

يلازمنا ظلنا في الحياة

على غرة منه

خبأتني خلف داري

ينادي

و لا أستجيب

ينادي

فأتقنت دوري

و فاجأته

بالهجوم من الخلف

أمسك حرامي.

تشكل تجربة الشاعر محمد عبد الستار الدش تجربة شعرية جادة، ذات رؤية عميقة وأبعاد دلالية تلامس الانشغالات الوجودية لإنسان اليوم، وما يحسب لهذا العمل هو احتفاؤه باللغة والتشكيل البلاغي في وعي تام بضرورة نقل ما يسكن الذات إلى نصوص مليئة بالحياة والتحدي، نصوص تغرس الأمل في قلوب قارئيها وإن طبعتها المأساوية في بعض مقاطعها إلا أنها كانت نصوصا مشاغبة، زئبقية، تأخذك إلى أكثر من شاطئ، قد تحرمك متعة الابتسامة للحظات وتسكرك شغفا بالحياة التي تستحق كل العناء الذي نصادفه في دروبها.

 

نور الدين بلكودري ناقد مغربي

.................

الهوامش:

- إبراهيم الحجري، الشعر والمعنى، قراءة تحليلية للقصيدة العربية الجديدة، دار النايا، الطبعة الأولى، الصفحة 461 .

- محمد عبد الستار الدش، من أغاني الطمى، الهيئة المصرية العامة للكتاب، الطبعة الأولى، الصفحة14 .

  

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2425 المصادف: 2013-04-26 02:46:13


Share on Myspace