المثقف - قراءات نقدية

الشعر حين يكون متنفساً .. رنا جعفر ياسين في مضامين جريئة وقصائد ملتاعة

zayd alheliعباراتها الشعرية في بعض قصائدها، تثير فينا الرغبة في معرفة ما وراء الكلمات، فتلك العبارات، رغم بساطتها الظاهرة، فيها هالة غريبة من الحيرة والغموض، كأنها طبول آلهية، وفي قصائد اخرى نجد عبارات الشاعرة، تتمثل في لغة مألوفة، تنادي العقل ولا تستثير الغريزة، حيث صيغت  بلغة سهلة، ذات فرو، ناعم الملمس، وحين انتهيت من قراءة ديوان الشاعرة "رنا جعفر ياسين " المعنون (للغواية قواميسها.. ولك احتمالات البياض) تلمستُ  ان اللغة عند رنا،  ليست أداة توصيل  تنقل المعنى خالياً من الأضواء والظلال، وإنما هي كائن جميل يتم التعامل معه بانفعال صادق واشراقة روحية تؤدي الي استخراج ما في قراراته من معطيات إيقاعية وموسيقية..

لا تتعجب

الكون حليفك

الاشارات تعاويذك التي لا تندمل

إلتحم وأعتنقها                                    

مالك غير انشراحة المعنى

ومنك الاعجاز

تفتحُ السماء  لك اوعيتها

حلّق

توّحد

تقدّس

.. بهذا التضاد الجميل، تود الشاعرة القول بانها حرة في اختيار الصورة الشعرية، وطبيعتها وشكلها  ولونها  وصوتها، وان القصيدة، اداة للمعرفة، المعرفة التي تنتقل حية الى داخل القلب، عن طريق العاطفة، وان الشعر يعيش في داخلنا في حمية، لكن بروح إبتكارية .

وهذا  الإصدار السابع للشاعرة في مسيرتها الأدبية، وحمل غلاف الديوان لوحة من اعمال  الشاعرة نفسها ، فهي تشكيلية، واعلامية. وضم 22  قصيدة، منها (أغويك.. وأقصدني) (عبأتها خلف جدار الجسد) (بشدة.. حتى أمتزج بك)، (مثل زغب سيئ الطباع)، (فصول ساخنة)، (مأوى ثرثار لا يصلح للنوم)، وقصائد أخرى.

وتقول "رنا" في قصيدة جاءت بعنوان  ومضمون مثير هو  (بشدة؛ حتى أمتزج بك) :

ألعنُ الهواءَ

أخفي تفاحي

لا أمتدُّ

وحينما يخرجونَ

أغمضُ عينيًّ عن القادمين.

يلمسونني بنظراتهم

أتدنًّسُ

وبقتامة ملامحي أغتسلُ

أقطع أنفاسهم

فتمتصني أضلاعك.. تستنشقني

أغفلُ عنهم

ينطفئونَ

ويلتهبُ جنونكَ.

وكأن  شاعرتنا  تريد ان تشير في قصائدها الى ان الحب والعشق والحرية ، أوسع من الكون، فهل هناك من يخطئنا عندما نقول ان ذلك الثالوث أوسع من الحياة ؟

  والحياة إذا خلت من معاني الحب  تجمد وتتقلص وتنحرف الى نمط من الركود لا طعم له ولا لون، فالحرية والحب والعشق كلمات لمعان تعطي للحياة لونها الفاتن وجمالها ألآخاذ .. والحرية بالنسبة للشاعر هواء متجدد، ينعشها ويغذيها ويطلق عنانها الى فضاء التألق .

وفي قصيدة عنونتها بـ "اغويك... واقصدني" قالت :

 

بعد أن قصمت الحرب أقدامها

وأسدلت نهديها في وجه الجوع

***

بعد ان عضّت السماء غيومها

كي لاتمطر كلما نشف أديم البكاء

***

بعد ان غادرت الى القيامة

ولم اجد شواء للقلب

فقط ... فراغ ابيض

لا يدُنس إلا بالقليل والجسد الأوحد

بعد أن تجسدتُ لن انطفئ

ساعود لفتح الابدية

أتعالى

... تأويل لا اكثر

والى مجمرة اعظم ابهارا ألثم

تعال..

من يُوصدُ الجنة ماذا يفُتح في رؤياه ؟

الحب والامل والقداسة

خلصت من قراءتي، لقصائد رنا، بأنطباع  وهو ان  الشاعرة، تشيئ الى ان لا قداسة في الحب إن لم نزرع الأمال في روابيه ونجني الشهد من رياضه ونبسط في ظلّه أجنحة الحنان  وإن الحياة حركة دائبة، تمتص أذيال السكون .. إنها ضجيج من أخذ وعطاء، تقتنص من النجوم بريقها ومن الفضاء رعوده وهدوءه .. لكني رغم ذلك، وجدتها  في اشعارها الغزلية تطير كما تطير العصافير فوق اشجار حديقة كبيرة، فتنتقل من غصن الى اخر، دون ان يقيد أجنحتها قيد او يعوق حركتها عائق .. أنها تحسن رسم الصور وابتكارها وهي مولعة كثيراً بالإيحاءوالرمزية وتشخيص التجريدات فللفجر شفاه وللمروج صدور وللربى أجفان وللربيع قلب .. الخ

اما في قصيدتها (بنكهة دعابة لا تشيخ) فكأني اسمع رنا، تقول، ان رب كلمة كالغصة تجرعها .. إتقاء ما هو شرمنها: 

قل هو الماء اشتهاء

92-ranaوالهواء بلا ترور

قل هي النار ابتلاع، والتراب بلا اصطبار

.. فبأي معجزة يصير الكون كوناً لو توخينا، السكوت؟

اوقدُ القلق

وبأحتراز ألامس الابحدية بماسة جديدة

اختبر تقواها

اذ تتهجد، كاسرة الارتجاف بجرف الحرف

الماء ابن السؤال

لايتمايل حينما اداهُمه بتفاصيل لم تتلوّن

هو مستوحش كندبة

كتبوا له فواح التراب الفاصل بين الحياة ومابعد

الحياة..

ان فعل التناقض ابرز صفاتها، بمعنى انك تجد في القصيدة الواحدة  العذوبة الى جانب الخشونة، والتطمين يلازم الصدمة، والتسكين يآخي الحريض، والرمز لا ينفصل عن الواقعية، والوهم يتداخل مع الحقيقة، والوضوح وجه آخر من عالم الغموض والغموض يلبس جسد الوضوح والمعقول كأنه الاّمعقول.. لقد حولت الشاعرة قصائدها الى نوع من الدوران حول الذات وحول النفس !

اليأس والبؤس النفسي

واختارت لأحدى قصائدها عنواناً غريباً بعض  الشئ هو(حكمة الحماقة ونثيث السؤال) وبها يتبن ان اليأس والبؤس النفسي، يقودان قافلة الوجود الى الهاوية والسقوط :

نائمة، أو كما لو كنتُ

النهار طاعن في شمسه، محنيّ من اشتعال البشر

يزاول الاحتواء

لم ارد فيئاً

فقط عزمت الدخول الى وقت مبلول

وبلا اي مستحيل انطويت على أعشابي

لئلا تعطب

على حافة صمت ما

قررت الصمت

فأكتفيت بلغة الحدس

أطش الرغبات واقرؤها من الخلف

أبعثرها

واقتفي ظلال ممنوعاتها

انثرها لتكتمل ــ في غضون بصمةــ  تعوذة من 

الخوف .

وهنا، اكدت رنا  على ان الشاعر الحقيقي ، هو من يمتلك القدرة على توجيه الهامه الشعري، وفي الوقت نفسه ينبغي ان تتوفرعنده القدرة على التعبير عن صوره  بقوة وطلاقة، وعنده الأمكانية على اسعاد متذوقه .. إن شعراء مثل هؤلاء نادرون جداً، لأنهم مزيجاً صعب المنال من الصفات يجب ان يتوفر لكي يظهروا، ومن هذه الصفات القدرة على الكتابة بسهولة ووضوح، وبمعالجة شعرية قوية، بحيث يشعر القاريء ان شعر الشاعر قلم الكاتب يكاد يستولي على قناعته، وبغير رأيه .

وفي قصيدتها" امس والنجوم"، اكدت الشاعرة، ان المبدع الحقيقي، هو ذلك الذي ينشد الخلق، لا الرصد، والكشف لا التسجيل، واعادة التكوين لا النقل :

مجرة ابتكرها

وعلى حافتها أمشي

ارقص بمتعة

لا أمتعض من الخوف

اسمهُ بالضحك

فيتفتت ويتناثر طعاماً لكرنفالات

واخيرا اقول،ان رنا جعفر ياسين، امرأة مسكونة بالشعر الى درجة يصعب معها تخليها عن شروط هذا الفن ومقوماته في كل ما كتبت، على الرغم من وجود فوارق لا تخفى بين شعرها و نثرها، أبرزها الانضباط الشديد في النثر والانطلاق الأشد في الشعر المفتوح على عوالم واسعة من الانفعال والعفوية والخيال ..

يُذكر أن رنا شاعرة وفنانة تشكيلية عراقية، مقيمة بالقاهرة، صدر لها المجموعات الشعرية: «طفولة تبكي على حجر» عن الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق 2006، «مسامير في ذاكرة» عن دار المحروسة بالقاهرة 2007، «مقصلة بلون جدائلي» عن دار سنابل بالقاهرة 2008. بالإضافة إلى«المدهون بما لا نعرف» نصوص ولوحات، عن دار سنايل بالقاهرة 2009، «إبادة مستعارة» مسرحية، عن دارة الثقافة والفنون بالشارقة 2009، «شهية طازجة» مجموعة قصصية عن دار شمس بالقاهرة 2009.

ولرنا شكري لأهدائها ديوانها، الكترونيا، وآمل ان يصلني ورقياً قريباً كما وعدت !

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2429 المصادف: 2013-04-30 07:47:12


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5738 المصادف: الاحد 22 - 05 - 2022م