المثقف - قراءات نقدية

الشاعر البحريني حسين السماهيجي .. يترك أثراً!

93-motahibفي العام 1999 قدّم لي أحد الأصدقاء من أسرة الأدباء والكتـّاب في البحرين، ثلاث مجموعات شعرية قال إنها مهداة من شاعر شاب من أعضاء الأسرة، يُدعى (حسين السماهيجي) هي على توالي تواريخ الصدور: (ما لم يقله أبو طاهر القرمطي/ 1996) و(امرأة أخرى/ 1999) و(الغربان/1999)، وأخبرني أنه من قرية (سماهيج) القديمة الذكر في البحرين (أوال) على أيامها، قبل أن يكون له حضوره الواضح في مهرجان المربد الشعري السنوي، في دورة العام 2000، إذ قرأ شيئاً من شعره العمودي (شعر الشطرين) الذي كان بارعاً فيه، ولفت إليه الأنظار.

وقبل أكثر من عام من الآن، فوجئت بالشاعر السماهيجي، خلال مشاركتي في مهرجان (عالم الشعر) الذي أقامه فرع الاتحاد العام للأدباء والكتـّاب العراقيين في النجف الأشرف، من بين فعاليات الاستعداد لتسمية (النجف عاصمة الثقافة الإسلامية) عام 2012، الذي لم تحظ بها هذه المدينة المقدسة والعريقة بعطائها الفكري والعلمي والأدبي، لأسباب لست في وارد الحديث عنها، إذ كان من فضائل ذلك المهرجان أن جمع حشداً كبيراً من الشعراء العراقيين والعرب والمسلمين، أبدع معظمهم في ما ألقى من نصوص جديرة بالاهتمام، وكان السماهيجي حسيناً أحد تلك الأصوات من خلال نصه النثري الذي بدا متمكناً فيه من أدواته، وتلك كانت إحدى دواعي مفاجأتي، فضلا عن مجموعته الجديدة التي اختار لثريّاها جملة غريبة نوعاً ما، هي (يترك لهم أثراً) وقد أصدرها عن دار نشر تونسية، وضمّت بين غلافيها (28) نصاً نثرياً تميزت بكونها ظهرت شبيهة بتجليّات المتصوفة، بدءاً من عنواناتها اصلا، وشكلت إضافة مهمة إلى ما عرفته عن شاعرها من اهتمام وسعي دائب للاقتراب من هموم شخصيات تاريخية ومعاصرة، سواء أكانت لشعراء أو ثوّار أو متصوفة معروفين، وجاء العديد من هذه النصوص في غاية التكثيف وأخذ شكل (ومضات) لا أكثر.

93-motahibلقد قدّم الشاعر السماهيجي لمجموعته (يترك لهم أثراً) بنص قصير جاء فيه: "سكن منازل النصّ واحداً واحدا/ فلما كان يوم استدار الزمن/ واستعادت الأشياء أشكالها/ علم أنْ لا منزل له"، وهو نصّ مفاجئ كذلك لأنه يتعارض ـ مثلما بدا لي ـ مع ثريّا المجموعة، الذي تضمن مدلولاً يشي بـ "إرادة" محسومة من شاعرها لترك هذا الأثر المستقبلي، الذي قد يدخل في معنى المأثور من الأشياء الملموسة، لا مجرّد الأقوال والنصوص الشعرية، لمن لم يُسمّهم الشاعر بل استعاض عنهم بجملة حرف الجر وضمير الجماعة المتصل (لهم)، بينما جاءت المفاجأة في النص التمهيدي من كون الشاعر دلّ على أنه "علِم أن لا منزل له" بعد أن "سكن منازل النص واحداً واحدا" ذات زمن لم تكن "الأشياء" فيه قد استعادت أشكالها! فهل سعى الشاعر السماهيجي إلى الاختباء وراء حالة مراوغة مقصودة حدّ المفارقة في هذا؟!

يبدو من الصواب أن لا أقرأ المجموعة نصّاً إثر نص، بل أن أدعني ألتمس من نصوصها ما ترك أثره فيّ أولا، عساني أكون نجحت في تقريب هذا السماهيجي المبدع الرائع إلى غيري، وتحقيق مدلول ثريا مجموعته، وفي إدخاله راضياً أو مُكرهاً في بواطن عالمه الصوفيّ وخفاياه، من مثل قوله: "النهار عدم أغادره/ وأتشيّأ في كلمةٍ سقطتْ/ من ساق العرش/ تنبض في دمي/ وتوشك أن تدخل بي زمن الآلهة/ .../ مريض بكَ/ فلا أغادرُك/ ولا تتركني/ أضعُ الخِرقة على الشمس/ لأستر بها سَوأة العالـَم/..."(نص:توشك أن تدخل بي زمن الآلهة ـ ص 18)، ثم في قوله من النص نفسه وقد بدا فيه مأخوذاً في تجلّ صوفيّ واضح: "أنا والنبيّ توأمان/ يُضيء بالنصّ/ وأضيئه/ .../ أيها الشعراء.. الشعراء/ نظـّفوا مساكنكم من أعقاب سجائر الآخرين"(ص20) في إشارة دالة إلى مجانبة الشاعر الحق لروح الشعريّة المطلوبة إن ظلّ متكئاً على ما يتركه في الآخرون، وما يتركونه فيه لا يعدو كونه مجرّد نفايات صغيرة، و هذا ما هدتني إليه قراءتي، لأن الشاعر سيستكمل نصه هذا بخاتمته المثيرة:"صعوداً صعوداً،/ جسد يتنزل منه الوحي/ هبوطاً هبوطاً،/ قصيدة ترتعش لها أعضائي/ وأنا أنسخها من فم الإله/.../ لم أكتبْها، قـَط، إلا وسقطتُ مَغشيّاً عَليّ"(ص21).

والذي يبدو من هذه الخاتمة التي تركها السماهيجي بدون نقطة، شأن ما يفعله غيره عادة، يشي بمدلول استمرار حالة (الغشيان) فرط الوصول إلى الشعر ـ الشعر، في خلال عملية الصعود والهبوط (حتى في مدلولها الجنسي الظاهر) إلى ما لا نهاية له من زمن، وهذه الحالة ـ بحدّ ذاتها ـ لا تكشف عنها صورة ارتعاش الأعضاء التي أظهرها لنا الشاعر، قدر ما تخفي من مداليل صور مفردات الارتعاش البديلة الشائعة: (ترتعد، تلتهب، تنفلت/ على سبيل المثال)، لكن للشاعر حكمته في اختيار مفردة (ترتعش) فضلاً عن اختياره جملة (أعضائي) بدلاً من (فرائصي) مثلا، وهو ينسخ من لا وعيه ما أوحاه به إليه.

وعند ولوج نص (جنـّتان)، سيتضح جو هذه المجموعة الشعرية الصوفي، ويتجلى مزيداً من التجلي، ولاسيما إذ تظهر أمام المتلقي مفردات لمّاحة إلى هذا الجو، مقترنة بلون واحد يتعشقه المتصوفة، هو الأزرق الدال على السماء والتجلي والراحة النفسية جرّاء الاقتراب المجازي منها، فنقرأ:"نصوصٌ تباغتني بالنهاية في معجم ناقص/ فتسيل مع الدم فوق رصيف المعاني/ تـُـطِلُّ عَليّ/ فأخرج من حوضها/ للطريق بدايتـُه/ والسماء تـُعلـِّقني. معطفي/ أزرق. والدلالات زرقاءُ/ زرقاء/ زرقاءْ/ نصوص مُعلـَّقة/ دخلتْ في السؤال. دخلتُ إليها/ وجرّدتها من يقين النهاية/ معطفها داكن/ والمكان تمدَّد. في جيبه الأرجوانيّ/ يمكث طفلُ له جنـّتان/ لغة جنـّة/ جسد جنـّة/..."(ص ص 22ـ23)، وهو نص عمد فيه الشاعر فضلا عمّا ذكرت إلى أسلوب تركيبي (لغوي) غريب بعض الشيء، عندما أوقف بعض الأشطر عند علامة الترقيم (النقطة) وواصل ما يمكن أن يكون شطراً جديداً من بعد النقطة مباشرة، مثلما هو ظاهر، لتتبدّى حالة تداخل مقصودة لذاتها، كما في "ازرق. زرقاء" و"دخلتْ في السؤال. دخلتُ إليها" و والمكان تمدّد. في جيبه الأرجوانيّ" تحديدا، تنتهي به عند جنـّتيه: جنـّة اللغة وجنـّة الجسد، اللتين تنمّان عن تواشج روحي ـ حسّي في التجربة التي تقف خلف هذا النص.

وفي نص (وصيّة) الذي قدّمه الشاعر حسين السماهيجي بأسلوب الومضة، نقرأ:"احرصْ/على الموت/ أيها الذاهب إلى الورقة"(ص26)، يقرّبنا الشاعر خطوة أخرى من جوّ مجموعته هذه وثريّاها، ببساطة متناهية، حمل فيها دال فعل الأمر (احرصْ) الذي اتخذ منه شطراً لا مزيد عليه، مدلولا يُخفي النصح أو (الترجّي) بلغة أهل النحو، لمن يُريد أن يتقدّم من الشعر ـ الشعر، إذ عليه أن يستعدّ لمواجهة الموت قبل رسم حروف قصيدته على الورقة، فكأن بياض الورقة استحال إلى ساحة حرب أو ميدان قتال ومواجهة في غاية الصعوبة، وهو هكذا لمن يحرص على الإبداع، وسيظهر هذا المدلول ظهوراً مكشوفاً في نص (خطاب) من المجموعة، في قول السماهيجي في الأول من نصوصه الداخلية:"أيتها الخارجة على النص/ ليس ثمّة سواي/ تذهبين إليه في متاهة التأويل"(ص30)، ثم في النص الداخلي الثالث:" ألحظـُك من طرف النص/ ماكثة ًفي الجسد/ أمُدُّ لكِ/ وتمدّين إلي"(ص31).

ولأن الشاعر بدا كمن دخل في التجربة وفاضت به مواجده، نجده يقدّم لمتلقيّه في النص الداخلي الحادي عشر من ذلك الفيض الفائض نصّاً يُخالف فيه نصوص المجموعة النثرية، إذ يظهر بصيغة شعر التفعيلة، في قوله:" في المرايا تشير إليّ يدٌ/ كنتُ أمحو الحروفَ التي خرجتْ من عروق إلهيّةٍ/ واستقرّتْ على جبهة الأفق/ ما بين صوتـَين في هامش الصفحة القادمة/ هناك أنا../ وهنا غِبتُ عن صورتيَّ/ نقشتُ على الطين أوجُهَ كلّ النبيّين/ قمتُ إلى قمر نابتٍ بجواري/ وحدّثته عن نساءٍ لهنّ البداية في الأفق المنحني/ قال لي أفق النون../ أحنو عليها/ وأسدل شـَعري على يائها في نثاري"(ص35). ولو قال الشاعر (قمتُ إلى قمر نائم في بجواري) أو ختم النص بـ (في دِثاري) لأخرجه من صوفيّته الواسعة المدى، وأدخله في مدى حسيّ ضيق، لكنه أذكى من أن يفعل هذا، ولاسيما إذ قصد هذه الصوفية لذاتها، وبها ختم هذا النص الطويل عندما لخـّص في النص الداخلي السادس عشر/ الأخير منه التجربة قائلا:"أُذِن لي أن أكتبَ/ فارتعدتْ فرائصي/ وخرَرتُ ساجدا/ في حضرة البياض"(ص38).

ويبدو ـ مرة أخرى ـ أن فيض ما ظهر في النص السابق انعكس على عدد من نصوص مجموعة (يترك لهم أثرا) هذه، إذ سرعان ما يقدّم السماهيجي نصّاً من نصوص الشطرين بشكل مقطوعة سمّاه (عِشقيّة)، قال فيه:

"تقولُ إذا كان المُحِــبُّ الـذي أرى      يُريــدُ كــلامـــاً.. فالكـــلامُ حـــرامُ

ويا لهفَ قلبي هل يحِـلُّ لها الــذي      ترومُ.. وهل يشفي المُحــبَّ كـلامُ؟

فيا مَن توارتْ خلف صمتٍ تبوحُه      وشى بكِ عندي الصمتُ وهو كلامُ"(ص42)، ولتأخذ نصوص كثيرة تالية من شعر التفعيلة متكأ لها، كما في نص (النشيد الوسيط لمن لم يرجعوا من الحبر) الطويل نوعاً ما، الذي يعود به الشاعر السماهيجي إلى ما جاء به في مجموعاته السابقة، التي سبقت الإشارة إليها في مفتتح هذه القراءة، وإن تجاوز في بعض مقاطعه ما سبق، كما في قوله:" أنا المُستعادُ من النصّ/ أهذي بنهدِ الصديقة/ أكسو الصعاليك/ أعبث بالخلق/ اقترح الدمَ والضوءَ تمتمتين/ لمَن لم يُطيقوا الكلامْ/ ولم يستعيروا لهم أوجُهاً/ ولم ينسخوا أوجُه الله/ فيمن سيأتون في إثرهِم/ بعد مليون عامْ"(ص59).

وسأتوقف عند نص (سيرة ناقصة)، آخر نصوص هذه المجموعة الشعرية المهمة، وتحديداً عند خطاب الشاعر لأبيه الظاهر عبر قوله: "يا أبي../ لا النصّ ممتلئ بنا/ لا الصورة الأخرى/ عن الكلب السلوقيِّ المُمزَّق والغزالة/ لا الدم الموروث أرّخ لاستعارتنا المقدَسة. انتصفنا/ من دم التشبيهِ بالليل المُبعثر في البلاغاتِ القديمة/ لم نـُجـِدْ فتكاً/ ولم نـُطِق البكاءَ على الكتابِ/ أجاءنا الليل الرحيمُ إلى الجزيرة/ قال صاحبُ أمرنا: لا تبرحوا ../ قلنا: سنرتكبُ الكتابة في البياضات الغزيرة../ ـ أنتَ تحكي عنكَ..!/ ـ عنه. عن الطلاسم عند مُفترَق القصيدة/ .."(ص ص 96ـ 97)، إذ يُعيدنا الشاعر إلى ذلك القرمطي (أبي طاهر) الذي كان ثريا مجموعته الشعرية الأولى، حتى لكأن همومه لم تزل تعتمل في نفسه، بل هي تعتمل في نفسه بالفعل، وإن حاول عبر مجموعته الشعرية هذه أن يلفت أنظارنا إلى جديد ما تمخضت عنه تجربته مع الحياة ومع الشعر معا.

ومثلما بدأ الشاعر حسين السماهيجي مجموعته (يترك لهم أثراً) بنص ابتدائي جعله يظهر ـ شكلاً ـ خارج متن المجموعة، ختمها بنص اراد به ـ مثلما يبدو ـ تلخيص رؤاه التي قدّمها عبر صفحات المجموعة، قال فيه: "لا يُفيق إلا ليروي ما سقط من السفط/ وفاض من مزمار الصوت/ وساررته عزائمُ صالحة ٌللسير على الماء"(ص107)، فهو نائم حالم فقير بسيط، لا يملك من غبار الدنيا إلا صوته الذي يحرص أن يجعله متميّزاً، وإلا سعيه الدائب لجعل الشعر تميمته التي تمنحه أحد أسرار الأنبياء الصالحين (سرّ ذلك الخضر الذي سار على الماء بل والذي امتلك أسرارا قدسيّة لم يبلغها غيره من الأنبياء والرسل).

ولا شكّ في أن ما يسعى إليه صديقي الحبيب الشاعر (حسين السماهيجي) .. أبعد من أن يُطال. لكنه يجدّ ويجتهد لبلوغه عبر الحياة الأكاديمية التي انتسب إليها، وعبر الشعر الذي يحث خطاه واثقاً على طريقه الوعر الشائك، ليترك أثراً يُذكر مثلما يتمنى.

 

قراءة قام بها د. عبد المطلب محمود ـ العراق 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2430 المصادف: 2013-05-01 01:22:13


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5784 المصادف: الخميس 07 - 07 - 2022م