المثقف - قراءات نقدية

نصف القمر (مانيفستو السينما الكردية) .. إنطباعات عن فلم سينمائي

salam kadomfarajبمناسبة انعقاد ملتقى الثقافة العربية الكردية في النجف الأشرف ..

( من اجلك يامامو غيرت إسمي الى كاكو) .. جملة يرددها سائق الشاحنة وهو يعقد العزم على الانطلاق بوفد من مجموعة من العازفين بقيادة الموسيقار مامو من كردستان إيران الى كردستان العراق ..

في مجموعة من المؤثرات الرمزية في هذا الفلم ثمة ايحاءات متكررة تغطي المساحة الزمنية التي تتجاوز الساعة ونصف الساعة هي مدة الفلم .. وبضع ليال ونهار هي المدة الفعلية للأحداث وتشتمل ايضا على أزمان تسبق الحدث يمكن ان نسميها (ما قبل القص) تتناثر الإشارات اليها من خلال السيناريو والحوار.

لكننا نستطيع ان نركز على ثلاثة مؤثرات رمزية تشكل ثيمة الفلم .. هي1 نضال شعب كردستان في كل من ايران وتركيا والعراق وتضحياته ومعاناته،2، دولة وعلم كردستان الكبرى ،،3، إنسانية النضال وإنسانية الحلم ..

 هذه المؤثرات والترميزات غمرت الفلم الذي احتوى على قصة رائعة بإخراج عالي القيمة لمخرج عبقري هو المخرج الكردي بهمان قوبادي، وبموسيقى تصويرية وأغان شجية ومؤثرة للموسيقار العالمي علي حسين زاده ،، وإذا أضفنا الى ذلك أداء الممثلين الرئيسيين والثانويين نكون امام تحفة فنية .. مقنعة ، رومانسية ممزوجة بواقعية اجتماعية . تتيح لنا ان نسميها (الرومانسية الواقعية .. )

 ثمة شخوص واقعيين وشخوص رمزيين .. الشخوص الرمزيين تنتج حركتهم تداعيات ذهنية وبعناية شعرية لافتة للبحث عن محتوى رمزيتها .. ولقد وجدت في المغنية الرئيسة رمزا لأمة الكرد .. جمال منقطع النظير .. صوت شجي .. رقة .. إنسانية .. تنازع الامل واليأس في داخلها. امل كبير ويأس مرير. وهي (مريضة بوعكة تجعل من صوتها اكثر رقة وشجنا). إضطرار النوم فيما يشبه التابوت لساعات خوفا من بطش السلطات الحاكمة .. حيث الغناء حرام والكلام بلغة الكرد حرام .. والانثى عورة .. والانثى ممنوعة من الغناء والسفر وإن الى بقعة من ارض الاجداد كردستان (العراق ..) ..

 وثمة تداعيات ذهنية تربط بين منتصف الشهر وبين حدوث كارثة في ليلة الرابع عشر منه في نبوءة لزاهد يسكن الجبل يحذر القائد مامو ويطلب منه تأجيل السفر من كردستان ايران الى كردستان العراق .. لكن مامو انتظر عشرات العقود وهو يتهيأ لهذه اللحظة .. لحظة إقامة حفل موسيقي تغني فيه كردستان اغنيتها المكتومة العذبة الشجية في ارض تحررت توا من نير الطاغوت .. يضع النبوءة خلف ظهره ويمضي في طريقه مع ابنائه .. مجموعة الموسيقيين الذين حصل لهم على تصريح بالسفر والمغنية التي لم يصرح لها بالسفر ..

 تحصل مجموعة من الاحداث والتداعيات تجعل النبوءة تتحقق. فالمساعد تأكله الذئاب. (وكم اكلت الذئاب من قادة الشعب الكردي وناسه فعلا وترميزا ..؟!) .. وكم ضيعت على الكرد الفرص في تحقيق حلمهم البسيط. ان تكون لهم دولتهم الحرة المستقلة؟) لكن دون ذلك اهوال وصعوبات وتضحيات جسيمة لخصتها ثيمة الفلم الذي بدأ بداية عبقرية في تصوير مقهى لصراع الديكة يتراهن فيها المتراهنون والثمن موت احد الديكة. وفي اشارة عبقرية يقول سائق الشاحنة التي اقلت فريق الموسيقيين وهو يجيب عن سبب اصطحابه ديكا صغيرا في رحلة طويلة. هو أعز من اولادي .. وهو يتيم قتل ابواه .. وهو ينتظر ليكبر ويأخذ بالثأر ..

 لانملك الا ان نثمن بإعجاب عبقرية المخرج وهو يعطي لكل حادثة ترميزاتها وتشفيراتها ولكل شخص ولكل حركة .. وحتى الخاتمة حيث الموت والتابوت والجو البالغ الصعوبة وفي أعلى درجات القنوط .. ثمة حراك ومثابرة ممن تبقى من الشخوص صوب تحقيق الهدف الذي بدأه مامو .. وثمة شعور لدى المشاهد ان الاحتفالية ستقام وسيحضرها اكثر من الف وخمسمائة انسان وستكون هناك فضائيات تسجل الحدث .. الذي انتظرته الامة مئات السنين .. والذي يتلخص باغنية تشدوها حسناء مناضلة وموسيقى شجية. وعلم يرفرف وهو العلم الذي انشغل بنسجه مامو عشرات السنين والمتكون من اربعة قطع منفردة ومتباعدة ،تلعب بها الريح. وثمة إيحاء ان هذه الاعلام توشك ان تكون قطعة واحدة وإن بعد حين .. لتخلد مامو الذي مات في نهاية الطريق والمغنية الاولى التي ماتت وبعثت بغيرها .. وتخلد كل من وضع لمسة في سفر طويل وصعب اسمه حلم الكرد في ان يكونوا احرارا ..

 ثمة ترميز بارع في التصوير ايضا حيث المستويات المتقاطعة للجبال والسهول وحيث الثلج يكون في اعلى مستوياته كلما اقتربت الشاحنة من ارض كردستان تركيا والعراق. حيث يجعل ذهن المشاهد يشعر بالوحشة كلما ازدادت كثافة الثلج والظلمة .. لكن .. ثمة إيحاء ان الشمس ستأتي بل ان الشمس ستكون مطلوبة حتى للمشاهد ..

 

 هل بقي شيء لم اقله عن هذا الفلم؟؟؟ نعم ..

1. من الاشارات اللافتة ان الموسيقيين هم هواة وناس بسطاء ولهم مهن بسيطة وهم اما قرويون او شبه قرويين .. لكنهم يعرفون اسماء كبار الفنانين التشكيليين، فان كوخ .. بيكاسو، رينوار،، والموسيقيون وهدفهم وحلمهم بالاحتفال هم كل شعب كردستان .. واحتفالهم بامسية موسيقية يحمل معاني الاحتفال بتتويج النضال بشيء مفرح ..

 2 .مامو بطل الفلم الشيخ المسن .. يظهر تارة وهو ينام في القبر منتظر موته يائسا . وتارة يرنو الى تابوت تسحبه حسناء هو حاضره وماضيه ومستقبله .. لكنه يفتأ ينسج في راية من عدة خيوط تلعب بها الريح . وهو في نفس الوقت يستعمل الانترنيت ويتابع كل اخبار العالم وينشط في تجميع فرقته .. وهو الاب الروحي للمغنية ذات الحنجرة الشجية. ويبذل الجهد والمال من اجل تحقيق سفرته التاريخية ..

 3 .من الاشياء المؤثرة الرائعة ان جثمان صديق مامو وهو في القبر وعلى وشك مواراة التراب عليه يتحرك عند سماع الصوت الشجي. في إشارة الى تركز الحلم المتماهي مع الفن والموسيقى والجمال .. الحلم الذي هو الحياة والمستقبل والصوت الجميل ..

 4 .. ثمة سيدة عجوز يلتقي بها مامو وفرقته في قرية سوراب حيث لم يجدوا غيرها ساكنا. يسألها مامو. اين الناس .. ؟؟ فتجيبه: في المقابر !! ورغم اننا نعرف فيما بعد ان القوم ذاهبون في مهمة دفن رجل من قريتهم هو صديق مامو. الا ان التشفير لا يخفى على المشاهد الواعي عن هول ما قدمه الشعب الكردي من ضحايا ..

5 .. في لقطة بارعة وذكية يهمس مامو في إذن ابنته المعلمة والمريضة ان الاولاد والبنات الصغار الذين تدرسهم هم اهم حتى من السفرة ونصحها ان تمنحهم العلم لا الخرافة حين اخبرهها ان شؤم الرقم 13 او 14 انما خرافة ..

6 .. القبلة التي تبادلها سائق الشاحنة مع زوجته بحركة توحي بممارسة العشق وبرقصة تشبه رقص الباليه كانت مؤثرة وعالية الفنية والترميز .. فقد كانت غاضبة منه قبل قليل. لكن الفن والحب انتصرا في النهاية وبسرعة فبادلته الرقصة وقربت ساقيها من ساقيه .. بعدما عرفت انه ذاهب في سفرة طويلة ونبيلة ..

 7 .. نصف قمر فلم عالي القيمة راق .. في قصته وإخراجه وموسيقاه وتمثيله .. السيناريو والحوار حملا تكثيفا خاليا من أي حشو. حتى الممثلين الاطفال كانوا بمستوى ما اراد لهم المخرج ..

 8 .. وثمة ملاحظة اتمنى ان لا تكون صحيحة. فقد بقيت حائرا هل انا واهم وعلى ضلالة ام ان تشخيصي صحيح .. لقد اكتشفت ان رامي امام نجل الفنان عادل امام قد سطا على ثلثي ثيمة الفلم في مسلسله فرقة ناجي عطا الله الذي قام ببطولتها والده الممثل الشهير .. حتى ترميز التابوت الذي رقدت فيه الفلسطينية نضال كان متماهيا مع شبه التابوت الذي رقدت فيه المغنية. ونقاط التفتيش. والتنقل بين الحدود .. البعد القومي في ثيمة السيناريو .. شيء مؤلم ان تقتبس الفكرة ولا يشار الى مصدر الاقتباس .. رغم اعجابي العالي وانحيازي لفن عادل امام .. لكني وجدت ان ثلثي مسلسله مأخوذ من هذا الفلم العالي القيمة.

 اتمنى اني لست مصيبا في هذه الملاحظة !!

 

سلام كاظم فرج .. 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الكاتب القدير صديقي
سلام كاظم فرج
موضوع مفيد شيق
لا حرمنا من حرفك النبيبل
تحياتي وتقديري

جلال جاف / الازرق
This comment was minimized by the moderator on the site

صديقي الشاعر القدير جلال جاف ( الأزرق..)
تغمرني بلطفك دائما.. كلي امتنان..

سلام كاظم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا استاذ سلام كاظم على الطرح الموضوعي للفلم وكنت اتمنى مشاهدته ولكن مع الاسف لم يسعفني الحط رغم البحث والمحاولة ولكن كنت مستمتعا بطرحك وتقديم ثيمة الموضوع وبناءها الدرامي ومدى توظيف الموسيقى التصويرية والرمز التعبيري لتعميق الفكرة ضمن بنيوتها الفكرية والدرامية

د طارق المالكي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذنا القدير الدكتور طارق المالكي
كلي امتنان لنبل كلماتكم.. ثمة نسخة مترجمة الى العربية كاملة تجدها من خلال الكوكل.. بعد كتابة جملة فلم نصف القمر الكردي او عند البحث عن الموسيقار علي حسين زاده..
اشكركم جدا على تقييمكم لتقديمنا المتواضع ومحاولتنا التفاعل الايجابي مع الفن الانساني الرفيع..

سلام كاظم فرج
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2433 المصادف: 2013-05-04 03:26:05


Share on Myspace