المثقف - قراءات نقدية

مأزق البطل في رواية توفيق حنون المعموري (الخلوي) .. الحرية بالإكراه!!

salam kadomfarajيكاد القاريء لرواية (الخلوي) للأستاذ توفيق المعموري يخرج برأي قاطع إن الراوي العليم هو الكاتب نفسه .. 

وذلك يرجع الى كم الصدق في تناول ثيمة العذاب في رحلة طويلة بدون جواز سفر من العراق الى الاردن وقطع الصحراء بمساعدة دليل احترف مهنة تهريب من ضاقت بهم سبل العيش في بلدهم الغني العراق لاسباب تتعلق بالحصول على وظيفة او هروبا من مضايقات السلطة لاسباب تتعلق بالحرية .. حرية الفكر وحرية العيش.

 و(الخلوي) إصطلاحا يعني من اضطر إلى السكن في بلد غير بلاده بدون جواز سفر وبدون موافقات رسمية بالاقامة والعمل .. وهذا ماكان عليه بطل الرواية (حازم ..) حيث استقر في الأردن وهو العراقي ليعمل في مطعم بسيط كعامل خدمة رغم حصوله على شهادة البكالوريوس في قسم اللغة الانكليزية ..

 ولم يكن سفره الى الاردن بالأمر الهين فقد تخللته صعوبات ومجازفات ومرارات لا تخطرببال . سطرتها يد كاتب قدير . وكانت الرحلة تضم مجموعة من الشباب العراقيين الذين ضاقت بهم سبل العيش في بلدهم الغني والذي بددت ثرواته مغامرات طائشة وحروب مستمرة طالت اكثر من جيل .. ولم يكن استقراره اسهل من سفره فقد احتاج اياما من المعاناة والمطاردة ليستقر في غرفة بسيطة ملحقة بالمطعم الذي يشتغل فيه ..

 ما يهمني في الرواية ثيمة (الحرية ..) الحرية التي كان ينشدها البطل وإشكالية التمتع بها. او العيش في ظلها .. فالرواية قد تناولها الناقد صباح محسن الجاسم بالشرح والتحليل ولم يبق لي الا البحث عن موضوعة مغمورة في عمق النص الذي تجاوزت صفحاته اكثر من المائة صفحة من الحجم المتوسط .. تلك الموضوعة تتعلق بجدلية الحرية وفهمها وممارستها . وهل يمكن ان تكون هناك حرية بدون (وطن) يعترف بك ويمنحك حقوقك في العمل والعيش والحب والتفكير .. ؟؟؟

وإذا كانت الحرية التي يريدها جان بول سارتر اوسع بكثير من الحرية ( المتواضعة) التي طمع بها حازم والتي تتلخص بلقاء محبوبته الاردنية (بسمة) في بلده العراق .. فلقد عبر الاستاذ المعموري الى اكثر الضفاف التهابا في التنبيه الى افتقاد العراقي الى أبسط مقومات العيش الكريم. بما هو أمر من العبودية بدرجات .. حيث ليس ثمة أمل الا بالهروب .. الهروب من صحراء الحصار والقمع والعسف في العراق الى جحيم الغربة والتشرد والحرمان في الأردن .. ورغم اللقطات الانسانية التي وفرتها طيبة اردنيين شرفاء احتضنوا البطل الا ان كل ذلك لم يوفر ما يمكن ان يوفره العيش في الوطن . وهنا تكمن معضلة فهم الحرية بلا وطن .. حرية بالاكراه تجعل من نظرية سارتر عن الحرية ترفا بل ضربا من العبث واللامعنى. فبينما يرى سارتر ان من متطلبات الحرية ان يكون المرء على قدر كبير من الامكانيات تتيح له ان يكون شبه إله. لا تحد حرياته حدود .. وتصل حدود حرياته على امتلاك القدرة على ان يبتدع لنفسه اية طرق يشاء وله القدرة على ان يكون غير الذي كانه او ما هو كائن فيه في اية لحظة وفي اي زمان ومكان .. نجد ان حرية حازم المطلوبة تكمن في قراره الحاسم (والحازم!!) .. في العودة الى العراق في نفس تلك الظروف. بمعنى ان يعود الى الجوع والاضطهاد والقهر وربما السجن والموت . ومفارقة فتاة هواه (بسمة ..) التي شاءت الاقدار ان يعشقها وتعشقه .. الى درجة الهيام .. وهو على تلك الحال من عدم امتلاك اوراق سفر رسمية .. قراره الحازم في ترك بسمة معلقة دون وعد. (لأنه لا يملك الغد. ولا يملك القرار. القرار الوحيد الذي يمتلكه العودة من ذات الطريق الذي سلكه .. العودة عن طريق التهريب مقابل ثمن .. وليس في البال سوى ترنيمة يرددها وهو محشور بين صفائح السمن واكياس الرز القادمة الى العراق .. بيتا شعريا لبدر السياب (فالملتقى بك. والعراق على يدي,, هو اللقاء ..)

 يا لهذا العراق!!. كم سياب شردته ياعراق. وكم سياب اغترب ومات. !! .. ومات قبل ان يتذوق معنى الحرية سوى بالكلمات .. او حرية اختيار السجن او الموت ..

 ولكن .. (في العراق ..) ..

 رواية الاستاذ توفيق حنون المعموري لا يمكن ان تمنح نفسها بسهولة ففيها اكثر من ترميز واكثر من ثيمة .. .. لم يسلك المباشرة في شتم النظام الدكتاتوري القمعي او سنين الحصار .. لم يشتم احدا .. لكن. روايته تستحق ان تكون وثيقة ادانة دامغة لكل من تسبب في ذلك الضياع وتلك الحرية بإلاكراه. حرية ان تموت جوعا ورعبا ومعاناة. رواية تستحق اكثر من وقفة. لغة عالية. شفيفة .. امتزاج الرومانس بالواقع .. شخوص من لحم ودم .. عراقيون واردنيون. فيهم الطيب والشرير والبين بين .. قصة حب ترمز لتخطي الحب كل حواجز التاريخ والجغرافية .. لكن .. الوطن يبقى موضوعة لا تقبل المساومة عند المعموري .. ورغم مسحة اليأس والتشاؤم التي غلبت على النص. لكن كانت ثمة مساحات شاسعة للأمل .. أمل بوطن يكون فيه العيش ممكنا والحرية ممكنة والعدالة ممكنة .. وطن يستبدل الموت بالحياة لا العكس .. 

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2436 المصادف: 2013-05-07 01:20:27


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5741 المصادف: الاربعاء 25 - 05 - 2022م