المثقف - قراءات نقدية

آخر المطاف .. و أوّلي .. المجموعة القصصية الأولى للاديب حمودي الكناني

sabahmohsin jasimحاملُ صَقيعِهِ .. يكْوي الجراحَ بما اكتنز!

احسب أنّ القصّ القصير جدا ما عاد بالملاذ اليسير للأديب المهتم  فهو فن صعب اضطر الكثير من مريديه ان يهجروه لصعوبته . قد يجد الشاعرُ – القاصُّ، ضالته فيه بُغية الأقتراب من تخوم المجهول الشعري الذي يروم استكشافه في الأقل الممكن ليتبين جوابا لجزء من السؤال الكوني ! لذلك نجد الصفوة من المتعاملين مع هذا الفن هم من الشعراء المحدثين.

واقعا القاص حامل رسالة – قد يدافع بدعوى الجمال  ومن انه لا يتقصدها – على ان  مجرد امتلاك الكاتب لمسارب من وعي سرعان ما يقع أسير هوى البراري فينحاز لعطاء فاعل مقتدر، من ذلك ما أسرّه أرنست همنغواي عام 1925 في احدى قصصه القصيرة جدا والمكونة من ست كلمات فحسب : “ For sale, baby shoes. Never worn.” ( للبيع، حذاء طفل لم يرتديه قط ) بمدخل الى متاهة يتعذر التخلص منها. من ثم يدخل لعبة السؤال، يكد، يشقى، يتألم ويقلق لغاية معرفية مفادها : الأقتراب من الأجابة عن سؤال كوني شد ما أقلقه !

عموما لا يخرج القاص عن أسار معادله الموضوعي والديالكتيكي الذي يعني أكثر مما يؤشر للحاضر فحسب. من هنا انتشر هذا الفن عبر المثاقفة والتأثير والتأثّر. وقبل ذلك ما ورد من قص متداخل بفنونه في ملحمة كلكامش الذي تفنن فيها القاص المتخفي عبر عنصر التشويق بذلك السحر من الدهشة والخوف ومتعة التفكير والحدس بما هو جاذب للمشاركة والتأمّل في كون أو أكوان لم يفقهها ابن آدم بعد.

في تجوابه وترحاله الطريق الذي يعي تماما نهايته بل ويخشاها، تؤرقه حالة كيف يستعجل قول ما لَحِظَهُ !. يختصر ويكثّف بطريقة فنية رائعة ليقول ثيمة ما اكتشفه بوعي . تلك الوديعة التي تنبض بها دواخله بما تشعّهُ من جمال واشارة وتنبيه ودعوى للمشاركة، منبها ليجنّب أخاه مخاطر الطريق الرحب المفتوح والسحري. واذ يتحول خطابه احيانا شكلا ومضمونا إلى ما يحاول اقناع المتلقي بنبوءته الأفتراضية انما يؤكد لواقع لا بد منه، يسم̊هُ التغييرُ وتطال مشارفه هوامُ  لغة كما " السوبرانو" المفترضة لتوحد البشر وتقربهم من نعم الحياة.

الشاعر- القاص يتولاه هوس كي  يقول  ما وراء الكلمات...  ذكيٌّ يستفز في القاريء كوامن ايروتيكاه، يقتاده بمحاجّة حتى وان ضمخها ساخرا بتنبيه ما يريد الأشارة اليه ( قصته – مئزر). ناقدٌ اجتماعي بقصد التغيير، الأنتاج لا المرور العابر، حتى الفراغ له معنى  فيثوّره ( قصة – مبلسون-).

على ان القاص يجوب المقابر في أحايين سائلا متسائلا علّ جوابا يرده عبر الأثير فينبّه اليه، قصته ( .... ) التي لم يكتبها بعد !

واقع الشاعر المعيش سرعان ما يفقع في ثنايا سردياته المكثّفة، ففي (مرايا) ينزّ قتل البعض للأشجار وخراب البيئة. وفي (رجم) ينعطف بغير ذي زيف فيدوّي بغضب لأناس ابرياء يعيشون في بيئة طافحة بالعنف فيبادر لبقر طبول حرب كاشفا عن همومنا الجماعية.

(في الحلبة) تهكّم من الحروب ، فهو – زوربا - موظفا لعلعة الرصاص، بموسيقى يرقص على ايقاعها كلب !

في (جواب شرط) يشترط  مجبولية الأنسان على الفرح والغناء  فيما يتحدى من يريد به هلاكاً ومواتاً حتى إن أتى من مجهول..  في أكثر من فارزة  يتقمص الكاتب دور مخرج سينمائي ليعرض لوحة سينمية تنم عن واقع ما زرعه الأحتلال . بل يتجاوز ليعمم ما مفاده إن تكشّفت قبور الشهداء ستبين ملامحهم  يبتسمون ! هنا غاية فنية أخرى على غير ما نتوقع. الحال نفسه في ( موت معلّب) جواب واضح لكل ما يدار من اساليب وعمليات فتك وتفجير للأنسان – وكأن لم يكفِ الجناة ما فعلوه من مذابح وهتك واقصاء.

( في يوم ) تصويرٌ وادانة لواقع الجوع وفي (سوط) تتحقق رؤاه الفلسفية، ثيمة الضياع والسؤال عن عبثية كل هذه الأشياء .( على شاكلتهم) يبدي تمرده بشكل واخز، وفي ( نزاهة) لا نزاهة. وفي (باب حلال) لا حلال عبر وخارج الباب.  وعبر (خرير) يحاكي القاص نفسه خاتما " هي قصتي لكنها ليست قصيرة جدا"، حدودها كما وصفها في قصته التي وسَمها عنوانا لمجموعته (آخر المطاف .. وأوّلي).

قصصه بمجموعها رغم ايقاعها المتواتر هي انجاز على مستوى الرؤية والتقنية، لغة سرد ذاتي مطعمة بالشعر بما تجمع من طاقة فنية بعيدا عن الترهل . ثمة ترميزا يكتنف غالبية القصص حتى تشي وتهمس الى مناطق ابعد من معلومة، فالقاص يكتب ليقول وليسمعنا كي نتفاعل مع مضامين ما دوّنه فنكتب. هي أشبه بدعوى لرياضة ركضة البريد، يبدأ انطلاقتها القاص اولا.

اما رغيفه المتمكن فيفلسفه على نار بتنور أسجر حديثا (خبز بلدي) يوم يلمّ الجميع بجمالية غائية ليخبزوا رغيفهم المحلي مثيرا طمع الجيران مستثيرا لعابهم، لكنه يعيب عليهم  الأستجداء، مع ذلك يمنحهم رغيفا كي يحفز فيهم صناعة قوتهم لا أن يواصلوا التسوّل !

كذلك حال القاص- الشاعر و الشاعر- القاص، ما ان ينتهي من استجلاب ضوئه حتى يشرع ثانية يجوب عالم الجمال ...  يحط ّ في َسوّرة القلق، يغوص عميقا كصياد لؤلؤ .. صارخا باندهاش في اعماق التهلكة : الكثير هناك ...!

مائة وعشرون  قصة بمثلها اضاءة واعية  قادحةspark-light writings  وليس مجرد قص وامض للخيال  flash fiction، فكيف لا تغطي جزء مهما من طريقنا الطويل بعبورنا الناجز !

هي ذي حزمة ضوء فعّال يعتز بها القص العراقيّ القصير جدا، وعلى مدار القص العربي لا يمكن التفريط بها قيد قرط .

 

صباح محسن جاسم / أديب من العراق

28 كانون ثاني 2012

 

.............

مقدمة للمجموعة القصصية الاولى للقاص حمودي الكناني

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

الناقد والمترجم القدير الاستاذ صباح محسن جاسم
وجدتك افضل من كتب عن تجربة القاص القدير حمودي الكناني.. وكم كانت رائعة وبديعة المقاربة مع اقصر نص لهمنغواي..
ست كلمات فحسب : “ For sale, baby shoes. Never worn.” ( للبيع، حذاء طفل لم يرتديه قط ) ...
تحية لك ايها القدير.. ومثلها للقاص المبدع الصديق حمودي الكناني الذي ابدع في نصوصه القصيرة جدا وابدع في تعشيق الشعر بالسرد

سلام كاظم فرج
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي وتشكراتي للاديبين صباح الجاسم وسلام كاظم فرج

حمودي الكناني
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الأخ والصديق الشاعر سلام كاظم فرج .. كان قد خبأها مفاجأة لي حيث استلها من مقدمة مجموعته دون ان يخبرني .. هو مشاكس لطيف لم يتبق منه سوى رأسه وعينيّن حالمتين.. ونحلة توهّمت بزنبقة اقحوانة ستتفتح من على شفتيه.

صباح محسن جاسم
This comment was minimized by the moderator on the site

كمثرتانا في اجازة .. نحن في نعمة دائمة .. غامزة !

صباح محسن جاسم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2487 المصادف: 2013-06-27 10:18:27


Share on Myspace