المثقف - قراءات نقدية

فعل السرد عند عامر هشام الصفار: مجموعة القص "حفلة تنكرية" نموذجا

amir hushamصدر للقاص العراقي عامر هشام الصفار مجموعة قصصية بعنوان "حفلة تنكرية"1 وهي تتكون من أثنين وتسعين نصا قصصيا قصيرا، موزّعا على مساحات نصية تختلف من حيث الطول والقصر. ويترواح زمن الحكي في القصة الواحدة بين صفحتين وسطر قصصي. وهذه الأضمومة القصصية مرتّبة ترتيبا موضوعاتيا حيث منح المؤلف لكل مساحة نصية عنوانا يختزل محتوى الحكي، ويتيح للقارئ إمكانية الاشتغال مع المرسل لفك شفرة العلامات، والقوانين الداخلية، المؤثثة للبنية العميقة للسرد.

وأول ملاحظة ستتبدى للقارئ النموذجي لهذا المتن القصصي هي الاسترسال في السرد، حيث إن زمن الحكي قد استغرق تسعة وستون صفحة، وهذا يدل على أن السارد قد انخرط بشكل تلقائي في نقل وقائع هذه القصص، ورصد فضاءاتها، وتبئير شخصياتها عن طريق الوصف، والحوار والمنولوجات الداخلية، بهدف الكشف عن تناقضات حضارية، والسخرية من الواقع الذي أفرز مفارقات يدينها السارد بشكل معلن عنه، سواء أكانت هذه المفارقات سياسية، أم اجتماعية، أم نفسية، أم ثقافية.

إن القصة المعنونة بـ " تجربة "2   تشي بمؤشرات وعلامات لسانية تطفح بتناقضات، ومفارقات، تنتظر من القارئ أن يحاورها بعمق، ورصانة، حتى يتنسى له بناء القصة، أو بالأحرى إعادة تشكيلها وفق رؤية خاصة، نابعة من معرفة دقيقة بشروط الكتابة لدى عامر هشام من جهة، والسجّل الموسوعي الذي راكمه قبل وأثناء كتابة المجموعة القصصية من جهة ثانية، وهي شروط لها ارتباط قوي بسياق الكتابة، وتتعالق مع السجّل الموسوعي في تناغم وانسجام تامين.

لقد راكم القاص عامر هشام الصفار، وهو ينزع من ذاته ساردا عليما، سجلا موسوعيا انطلاقا من اهتمامه الواسع بالعلوم الدقيقة وانخراطه اللامشروط في خدمة الإنسان، والإنصات الجيد لهمساته، وسكناته، وهمومه، وأشجانه، وهذا ما يتبدى على الأقل من استقرائنا لانطباعات بعض الكتاب الذين تربطهم بالقاص عامر هشام الصفار روابط الانتماء إلى الأدب بمفهومه الواسع. ولا غرو، فالقاص له معرفة دقيقة بقوانين السرد وما يقتضيه من لغة مكثفة، موجزة، لغة تنقل الواقع، وتعيد تشكيله، بل إنها تقدم نقدا صريحا لمظاهر الزيف المتفشية في هذا الواقع، بل الأكثر من ذلك تبحث عن بدائل لهذا الواقع على لسان السارد، الذي يمزج بشكل بديع وأنيق بين لغة السرد ولغة الواقع. وأحب في هذا السياق أن أستشهد بانطباعات أثبتها المؤلف على غلاف هذه الأضمومة القصصية الوارفة الظلال، اعترافا من أصحابها بشكل ضمني بالسجل الموسوعي الذي أشرنا إليه آنفا.

يقول القاص العراقي فرج ياسين: " أخي الدكتور عامر هشام لا أستطيع كتمان إعجابي بقراءاتك المستقصية لقصصي. أنا والله أقرأ كتاباتك بمحبة توازي محبتك لي دمت بتألق دائم". ويقول الشاعر العراقي يحيى السماوي: " ومضات جميلة تقول الكثير، لكني توقفت كثيرا عند هذه (ينظر الموظف إلى ورقة راتبه الشهري .. فيبدأ بتعلم علم الحساب متأخرا) وقفت عندها ليس لأنها ذكرتني بالسنوات التي أمضيتها موظفا وأسكن بيتا بالإيجار فحسب، إنما ولأنها تدين بذكاء حكوماتنا العراقية التي جعلت من أكثرية الموظفين يستحقون الصدقة، محبتي وودي أخي المبدع ".

ويقول الحبيب ارزيق وهو كاتب من كتاب صحيفة " المثقف " " لقطات أدبية بليغة .. خفيفة لطيفة وذات دلالات فائقة ".

هذه الانطباعات الصادرة عن كتاب معروفين ومشهورين، لها دلالة خاصة في سياق الكتابة، لأنها تتفاعل مع العوالم التخيلية للسارد، وتنخرط تلقائيا في شؤون القصة وشجونها، وتتحرك في ثنايا النص بطريقة بنائية، توحي بالطريقة التي يفكر بها السارد من حيث اختيار اللغة، واختيار نمط الموسوعة، واختيار المعجم والأسلوب.

إن اهتمام المؤلف / السارد بهموم الإنسان، وأشجانه، يتجلى في تعامله الإنساني مع المرض، والإنصات الجيد لانطباعات المرضى الشخصية حول الأطباء والباحثين في الطب عموما. نقرأ في النص المعنون بـ " تجربة " مقطعا سرديا دالا يختزل رؤية السارد وموقفه الإيجابي من الهم الإنساني الذي يسكن المؤلف ويلازمه في كل وقت وحين. يقول السارد: " ينتبه على ما قاله مريضة الجديد .. هو بروفسور في الطب الصيني .. يذهب لإحدى الجامعات الصينية محاضرا فيها كل أربعة أشهر، ولكنه لاحظ في الفترة الأخيرة ضعفا في الذاكرة، وتغيرا في بصره .. ! ضحك معه .. قال له الباحث أنه يختبر دواء جديدا لإذابه خثرة الدم فهو يكره حبة الأسبرين .. أردف البروفسور يسأل، وعينه تتحرك في كل الاتجاهات، هل هو العقار البديل..؟ يأخذ منه الباحث نموذج الدم ويضعه في صندوقه الخاص .. ويكتب فوقه عنوان المستشفى في باريس حيث سيتم تحليل النتائج.."3 

ولا شك أن الذي سيشد انتباه القارئ بالإضافة إلى هذا الإحساس العميق بالإنسان، هو ذلك التناقض العميق الذي يدل عليه هذا المقطع، فالبروفسور منشغل بالعقار البديل، بينما الباحث منشغل بتجربته العلمية الجديدة التي يحرص عليها كل الحرص حتى يقدم خدمة جليلة للإنسانية، تجنبه مخاطر حبة الأسبرين. والقارئ لهذا النص القصصي سينتصر لا محالة للقيم الإنسانية النبيلة، وسيتعاطف إنسانيا مع كل باحث في العلوم الدقيقة، يكرس حياته لخدمة العلم وتطويره، ويجعل مصلحة الإنسان فوق كل اعتبار، ولو كان ذلك على حساب الأهل والأحباب. وسمات شخصية " الباحث " في هذه القصة القصيرة " تجربة " خير دليل على ذلك، يقول السارد: ترك مختبره في ساعة متأخرة عن زملائه .. نسي أين أوقف سيارته هو عند ما جاء صباحا لمختبره .. رجع إلى غرفته الصغيرة .. واتصل بزوجته .. صوته الخفيض لا يكاد يسمع .. وصوتها عال لا تكاد أن تطيقه أذنه .. يسمعها تقول أنه لم يأخذ سيارته معه هذا اليوم حيث أوصلته هي إلى مقر عمله .. !4  .

يجرب المؤلف / السارد في هذا المقطع الخطاب العلمي لما يزخر به من طاقات إبداعية، وتعبيرية، وتخييلية، تسمح للذات المتلفظة إدماج هذا الخطاب في البنية السردية القابلة للتحليل، والكشف عن النسق الضمني للقصة باعتبارها نصا إبداعيا مفتوحا على الأنماط السردية الحديثة والمعاصرة.

وعبر هذا الخطاب العلمي الذي يتماهى مع البنية العميقة للسرد أمكن للمؤلف / السارد أن يعبر عن تجربة الغربة عبر فعل الكتابة في القصة المعنونة "رحلة" وهي تتكون من أربع مقاطع سردية، رتبّها السارد ترتيبا منطقيا يسمح للمتلقي بالانخراط في شجون هذه الغربة الوجودية، والحضارية، والثقافية، بالمعنى العميق، ومن ثم فان المتلقي سيجد نفسه أمام متتاليات نصية تلخص لحظات زمنية دالة في حياة ثلاث شخصيات (الأب، الطفل، الأم) لم تستسغ تجربة الغربة والضياع، فخرجت للاستمتاع برحلة سياحية، " راكبين الباص السياحي المفتوح سقفه، مبتهلين بالجو الصافي في مدينة مالقا في الكوستوديل سول- اسبانيا"5 

والسارد سيكسر الزمن الخطي ليعود بالقارئ المفترض إلى الزمن الماضي ليخبره بأن الأب لم يزر مدينة مالقا من قبل، وإنما سمع عنها فحسب.

يقول السارد " لم يزر المدينة هذه من قبل .. سمع عنها كثيرا .. فالناس في بريطانيا لا يذهبون للسياحة إلا لهذه المقاطعة الكوستودي السول في جنوب أسبانيا الهادئ.6 

ان البعد الزمني في هذه القصة التي تطفح بغربة وجودية، وحضارية، وثقافية، بالمعنى العميق، يحتاج الى من سينجز عملا استدلاليا للربط بين المفاصل الزمنية، والقصة هنا تعيش على فائض المعنى لأن وظيفتها جمالية تترك للقارئ المبادرة التأويلية لخلخلة معنى الزمن في مختلف أشكاله.

إن السارد في قصة " رحلة " سارد عليم يسلط الضوء على تيمة " الغربة " في بعدها الزمني، إنه يحيط بكل جوانبها وتفاصيلها عبر تكسير زمن السرد معتمدا تقنية الاسترجاع أو الحوار المنقول على لسان الشخصيات، بهدف نقد جوانب الحياة المعقدة في المهجر.

ولا غرو، فالقصة ظهرت كفن حديث للتعبير عن الواقع، وإعادة تشكيله بطريقة ساخرة. وقد استعان السارد بتقنية الوصف الدقيق لنقد واقع الغربة من خلال المزج بين لغة السرد ولغة الواقع. " أخذ سماعات الأذن، وجهاز الحاكي الصغير من سائق الباص .. متلهفا لرؤية المدينة .. التي نزلها ظهر أمس قادما من ليدز شمال انكلترا.. زوجته بجانبه والرضيع نائم على كتفه .. كأنه حمامة أرخت على جذع شجرة متينة جناحيها .. الركاب قليلون .. والباص سيبدأ مسيرة الساعة الواحدة في شوراع مالقا بعد دقائق ..

يسمع الدليل في جهاز الحاكي يشرح عن ميناء مالقا وساحلها وكنائسها .. والتلة الكبيرة (القصبة) العالية حيث يصعد الباص بطيئا كسلحفاة ... بين البيوت والأزقة، والأشجار العالية .. ليستقر على مكان مرتفع .. لقصر تاريخي .. واسع .. تطل من سطحه، فوهات لمدافع رمزية، تحكي قصة تاريخ مالقا .. وحروبها وسلامها في سالف الزمان.7

هذا الانتقال المفاجئ من الزمن الماضي " أخذ سماعات الإذن " إلى الزمن المضارع" يسمع الدليل في جهاز الحاكي يشرح عن ميناء مالقا ... " يحتم على القارئ أن يجد علاقة مناسبة بين بداية القصة " كانت هذه أول مرة يركب فيها وزوجته وطفلة الرضيع .. الباص السياحي... " وبين نهايتها: " ضحك بصوت عال ... ها أنت تحلمين مرة أخرى .. وهناك استفاق طفله الرضيع .. بكى ... صرخ ... دموعه امتزجت مع دموع أمه الجالسة في الباص السياحي المفتوح في مالقا بجنوب أسبانيا ...! "8 

وهي علاقة ينبغي ألا تخرج عن التواصل اللساني بالمعنى الدقيق للكلمة. ولتحديد هذه العلاقة بشكل دقيق يلزم القارئ أن يكثف نشاطه السميائي بالمعنى الواسع مستعينا بأنظمة من العلامات يكمل بعضها البعض، وهذه العلامات هي: (سماعات الإذن – جهاز الحاكي – سائق الباص – المدينة – ليدز – شمال انجلترا- ميناء مالقا – ساحل مالقا – كنائس مالقا ...)

إن هذه العلامات اللسانية هي بمثابة مؤشرات دالة على أن المؤلف السارد قد تمّثل الثقافة الغربية في أبعادها الحضارية، والإنسانية، وتدل كذلك على نوع المثقافة التي حصلت بين الشرق والغرب، أو الأنا والأخر، إلا أنه تخلص من عقدة الانبهار والإشادة بالحضارة الغربية، ويحن بشكل لافت إلى ينابيع وتجليات الحضارة العربية التي بدأت تتلاشى وتتهاوى بسبب الحروب التي لا تجدي نفعا، ولا تساهم إلا في مزيد من الدمار، والخراب، والسراب.

يقول المؤلف على لسان السارد: " لم تتردد .. قالت: من حيث النبي .. نبي يونس .. ثم المجموعة وباب الطوب والدواسة وشارع نينوى الشهير والجسر الحديدي، وحي الشرطة الجميل حيث بيت أهلي .. ومديرية الرعاية العلمية حيث كان الثور المجنح، والمنارة المائلة الحدباء لجامع نور الدين ... وأجعل السياح ينزلون في الغابات لمدة ساعة، يأكلون فيها ويشربون .. ثم أقفل راجعة إلى النبي يونس.. "9 .

إن السارد هنا على لسان الشخصية " الأم" يضمر تجربة الغربة في البنية العميقة للسرد، وهي غربة وجودية، وحضارية، وثقافية، بالمعنى العميق.

إنها بنية سردية تستوعب ألم الكتابة وحرقتها، وتستوعب كذلك خطاب البوح بالمكنون والمستور في دفائن النفس وأغوارها. أنها كتابة تحدد مصير الإنسان المغترب وترصد اللحظات الدالة في الحياة.

وقد طوع الدكتور عامر هشام الصفّار الكتابة السردية للتعبير عن هموم العصر الذي نبغ فيه، بعد أن أمتلك وعيا كبيرا بالقيمة الرمزية والانطولوجية للغة، واحتكم إلى سلطته الفكرية والعقلية لتأثيث فضاءات الكتابة في مجموعته القصصية " حفلة تنكرية " مؤسسا لكتابة سردية تنشد فضح الواقع الذي أفرز تناقضات حضارية، وهذا يدل على أن الكاتب قد استوعب مختلف الأنساق المعرفية، والأدبية، المشكلّة للنسق السردي في الثقافة العربية.

 

أمحمد أمحور

ناقد وكاتب مغربي

...........

هوامش

1 -  حفلة تنكرية، د، عامر هشام الصفار، دار أفلام للنشر، كارديف، ويلز المملكة المتحدة، الطبعة الأولى، 1433 هـ - 2012م.

2-  المرجع السابق، ص: 9.

3 -  حفلة تنكرية، ص: 9 – 10 .

4 -  المرجع السابق، ص: 10.

5-  حفلة تنكرية، ص: 11.

6 - المرجع السابق، ص: 11.

7-  المرجع السابق، ص: 11 .

8-  المرجع السابق، ص: 12 .

9-  المرجع السابق، ص: 12.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2513 المصادف: 2013-07-23 10:50:47


Share on Myspace