المثقف - قراءات نقدية

رائعة رومان بولانسكي "الكاتب الشبح" .. دوّامة من الشعر المرئي والتآمر السياسي

husan sarmakالكاتب الشبح - ghostwriter أو الكاتب الظل أو الكاتب المُستأجر هو شخص مُقتدر في الكتابة يتم استئجاره لكتابة نصوص مختلفة (كتب أو روايات أو مقالات أو تقارير أو سير ذاتية ومذكرات أو بحوث وغيرها) لتنسب وتُقيّد رسميّاً باسم الشخص الذي استأجره. يحصل هذا بين القادة السياسيين والقادة الحزبيين والمشاهير. في السينما قد يُستأجر كاتب شبحي لتحرير النصوص السينمائية أو تنقيحها أو تطويرها أو إعادة كتابتها. وفي الموسيقى يٌستأجر لكتابة الأغاني والقصائد الغنائية (موزارت كان من هذا النوع). وحتى شركات الأدوية تستأجر كتّاباً تدفع لهم لكتابة بحوث معينة ثم تدفع لمختصين مشهورين لوضع اسمائهم عليها . وقد كان الطلب الشعبي المتزايد على روايات الروائي الأمريكي "توم كلانسي" وعدم قدرته على الإستجابة لهذا الطلب سببا في تكليف دار النشر لكتاب شبحيين لكتابة روايات باسلوب مقارب لأسلوبه.

أمّا في السياسة، فالكثير من السياسيين يستأجرون كتّاباً شبحيين لكتابة المقالات والبحوث والدراسات والكتب التي تصدر بأسمائهم. ولعل الحقل الأكثر شهرة هو حقل كتابة السير الذاتية، فقد دقعت "هيلاري كلنتون" نصف مليون دولار للكاتب الشبح الذي كتب سيرتها. وفي الكثير من الأحوال يعتمد هذا الكاتب على ما يوفّره له المسؤول السياسي من وثائق ومعلومات يعيد صياغتها، أو أنه يقدم له المخطوطة ليقوم بتنقيحها وتشذيبها وإخراجها بالصورة المطلوبة، أو عبر سلسلة من اللقاءات المسجلة مع المُستأجِر.

 

ملخّص قصة الفيلم:

وهذا ما حصل في فيلم "THE GHOST WRITER" (أنتج عام 2010، وأخرجه مخرج الروائع رومان بولانسكي) حين كلّفت دار نشر مشهورة كاتبا شبحيّا بريطانيا بلا إسم في الفيلم (خطوة ذكية لمطابقة السمة الشبحية) (قام بالدور إيفان مكريكور الذي عرفناه في أفلام الطاحونة الحمراء وحرب النجوم) بإعادة صياغة سيرة رئيس وزراء بريطانيا الأسبق (آدم لانغ) (قام بدوره الممثل المعروف بأدوار جيمس بوند بيرس بروسنان) بعد وفاة الكاتب السابق ومساعد لانغ "مايك ماكارا" في حادثة ثارت حولها الشبهات. يسافر الكاتب الشبح (سنسمّيه من هنا الكاتب) إلى جزيرة صغيرة منعزلة قرب سواحل بوسطن في الولايات المتحدة يعيش فيها رئيس الوزراء وزوجته "مارثا" القوية التي أملت عليه أغلب قراراته (قامت بدورها أوليفيا ويليامز التي عرفناها في أفلام الحاسة السادسة وأنا كارنينا والتدمير) والمتوترة والحزينة بردائها الأسود الطويل، لشعورها كأنها منفية في الجزيرة مع نابليون كما تقول) وبسبب علاقة زوجها بمساعدته وعشيقته "إميليا بلاي" (قامت بدورها كيم كاترال)، بصحبة مجموعة من الخدم ورجال الأمن. يسكن الكاتب في البداية في فندق صغير، وتمنعه مساعدة لانغ من إخراج المخطوطة معه لأن في ذلك مخاطر أمنية. بعد وصول الكاتب بوقت قصير وفي أثناء مشاهدة الأخبار العاجلة في الـ CNN يُتهم لانغ من قبل وزير خارجيته الأسبق "ريشارد ريكارت" (روبرت بوغ) بالموافقة على خطف وتعذيب مشتبهين بالإرهاب، وتسليمهم للمخابرات الأمريكية بما يمكن اعتباره جريمة حرب. ووفق هذا الإتهام سيكون لانغ عرضة للمحاكمة من قبل محكمة العدل الدولية إلا إذا بقي في الولايات المتحدة أو أي دولة أخرى لا تخضع لسلطة المحكمة. ومع غزو المحتجين والمراسلين للجزيرة الصغيرة لملاحقة لانغ، ينتقل الكاتب للسكن في بيت لانغ في نفس الغرفة التي كان يقطنها "ماكارا" الكاتب السابق المتوفي حيث لم يتم تنظيفها من الأغراض الشخصية لماكارا. يسافر لانغ إلى واشنطن لإنقاذ سمعته. وفي أثناء ترتيب الكاتب للغرفة يعثر على ظرف فيه معلومات توحي بأن ماكارا قد وقع على سرٍّ أسود، ومثبت عليه رقم هاتف يتضح لاحقا أنه لوزير الخارجية ريغارت. وفي جولة في الجزيرة على الدراجة الهوائية يخبره رجل مسن (أدّى دوره القصير بصورة رائعة إيلي والاش رغم بلوغه الرابعة والتسعين) بأن التيار لا يمكن أن ينقل جئة ماكارا من مكان العبّارة حيث اختفى إلى الشاطيء حيث تم العثور عليه. كما كشف له أحد الجيران أنه شاهد أضواء على الشاطيء في مكان الجثة لكنه سقط من السلم ودخل في غيبوبة! لكن زوجة لانغ وأحد رجال الأمن يعترضان الكاتب ويعيدانه إلى المنزل، فتثور شكوكه بدرجة أعظم. وهنا تعترف له روث بأن لانغ لم يكن سياسيا مقتدرا أبدا وكان يعتمد على نصائحها كثيرا. وعندما يخبرها الكاتب بما قاله الرجل العجوز تركض إلى الخارج تحت المطر لتصفية رأسها الذي يكاد ينفجر. وعندما تعود تعترف له بأن لانغ وماكارا قد اختلفا ليلة وفاة الأخير. ينتهي اللقاء بقبلة حامية ونومهما سوية في سرير الكاتب.

في الصباح التالي يشعر الكاتب بأنه قد التحم بموضوعه كثيرا وعليه أن يعود إلى الفندق. وبعد أن يعثر على مجموعة صور للانغ من أيام الكلية، يقود سيارة ماكارا الـ BMW ويسير حسب توجيهات البرنامج الملاحي الإلكتروني الصوتي للسيارة الذي يوصله إلى منزل البروفسور (بول إيميت – توم ويلكنسون) الذي يُنكر أي شيء أكثر من معرفة عابرة بلانغ بالرغم من أن الكاتب يريه صورتين تجمعهما سوية. وعندما يخبره بأن مخطط القيادة يشير إلى أن ماكارا قد زاره سابقاً ليلة وفاته ينكر إيميت ذلك ويصبح عصبياً. عندما يغادر الكاتب تلاحقة سيارة فيها رجلان، وعندما يصعد العبارة يشاهد الرجلين يبحثان عنه، فيهرب في اللحظة الأخيرة وتغادر العبارة ويسكن في نزل صغير قريب من المطار. وحائرا لا يعرف لمن يلجأ يزوّل رقم الهاتف المجهول فيظهر ريكارت ويطلب منه المساعدة. وخلال فترة الإنتظار يبحث في شبكة الإنترنت فيكتشف قرائن تشير إلى علاقة إيميت بشركة صناعة عسكرية (هاثرتون) وبالاستخبارات الأمريكية. وعندما يصل ريكارت، يكشف له أن ماكارا أخبره بأنه عثر على وثائق تدين لانغ بفضائح تعذيب، وأنه عثر على أشياء جديدة كُتب عنها في "بداية" المخطوطة (الصفحات الأولى منها). لكن الرجلين (الكاتب وريكارت) لم يجدا شيئا في الصفحات الأولى من المخطوطة، لكنهما تناولا علاقة إيميت بلانغ، واستعرض ريكارت قرارات لانغ التي تصب في مصلحة الولايات المتحدة دائما عندما كان رئيسا للوزراء. وعند عودة لانغ بالطائرة من واشنطن يقلّ معه الكاتب الذي واجهه واتهمه مباشرة بأنه عميل للمخابرات الأمريكية وأن إيميت هو الذي جنّده. وعندما ينزلان من الطائرة يتم اغتيال لانغ من قبل محتج قُتل ابنه الوحيد في حرب أفغنستان، ويقتل بدوره من قبل رجال الحماية. وبرغم مقتل لانغ فإن الناشر يطلب من الكاتب إكمال الكتاب لانه سيحقق أرباحاً اكبر بعد حادثة الإغتيال. وفي حفل توقيع الكتاب في لندن تلتقيه إيميليا بصورة غير متوقعة وتخبره بأن الأمريكان قد أجروا تعديلات على الكتاب لأن "بدايته" تتضمن دلائل تهدد الأمن القومي. كما تخبره أيضاً بأن إيميت كان أستاذ روث عندما كانت تدرس في جامعة هارفارد بمنحة من مؤسسة فولبرايت. هنا يدرك الكاتب بأن السرّ الأسود قد كتبه ماكارا ككلمات في بداية كل فصل من المخطوطة، عندها يكتشف الرسالة: "روث زوجة لانغ تم تجنيدها كعميلة للإستخبارات الأمريكية من قبل البروفيسور بول إيميت في جامعة هارفارد"، وروث هي التي صاغت قرارات لانغ لتصب في مصلحة الولايات المتحدة بتوجيه من الإستخبارات الأمريكية. يمرّر الكاتب ورقة إلى روث مكتوبا عليها ملاحظته، فتنهار حين تشاهد الكاتب يرفع لها كأسه، ثم يخرج راكضاً خارج الفندق خشية مطاردته من إيميت ومساعديه، وعبثاً يحاول الحصول على سيارة أجرة، ثم تأتي سيارة مسرعة من بعيد، وعندما يحاول عبور الشارع وهو يحمل المخطوطة، وبعيدا عن عين الكاميرا، ومع المؤثرات الصوتية لفرامل السيارة ولقطات الأوراق المتطايرة، يتأكد المشاهد من أن الكاتب قد دُهس وقُتل.

 

إيحاءات غير روائية:

لعب بيرس بروسنان دور آدم لانغ الذي هو تصوير مقنّع لتوني بلير رئيس الوزراء البريطاني السابق، والشخصية مرتبطة بغزو العراق في 2003 والحرب على الإرهاب والحرب في أفغانستان والعلاقة الذيلية بالولايات المتحدة. وروبرت بوغ الذي أدى دور وزير الخارجية ريشارد ريكارت، ومو أسيومانغ التي أدت دور وزيرة الخارجية الأمريكية في لقطة سريعة، يشبهان شكلا وبنية مقابليهما في الحياة العملية روبرت كوك وزير خارجية بريطانيا وكونداليسا رايس. وفعلياً كانت لكوك خلافات كبيرة مع بلير في السياسة الخارجية. أما روث فتقابل شيري بلير زوجة توم بلير القوية.

 

التصوير واعتقال بولانسكي:

صوّر بولانسكي المشاهد الخارجية في ألمانيا بدلا من لندن أو الولايات المتحدة لأن بولانسكي فرّ من الولايات المتحدة عام 1978بعد إدانته بممارسة الجنس مع الفتاة "سامانثا غيميز" القاصر عمرها 13 سنة. وفي طريقه لحضور مهرجان زيورخ السينمائي اعتقلته الشرطة السويسرية، فتوقف الإنتاج لفترة، لكنه عاد واستأنف العمل وأكمل الفيلم بعد أن وُضع قيد الإقامة الجبرية في منزل يملكه قرب زيورخ.

 

تشابهات بين الفيلم وحياة بولانسكي:

يحمل الفيلم تشابهات بين محنة لانغ ومأزق الفضيحة الذي وقع فيه بولانسكي نفسه. فقد كان تحت الإقامة الجبرية في سويسرا ويواجه احتمال تسليمه إلى لوس أنجلس بجريمة تخدير فتاة قاصر وممارسة الجنس معها. المحتجون الذين يصرخون "مذنب.. مذنب" قد لا يوحون إليك بشيء عن ذنوب بولانسكي، لكن بولانسكي نفسه معروف بأنه لا يفصل رؤيته للحياة عما يقدمه عبر الكاميرا.

استقبال الفيلم:

لقد استقبل الفيلم من قبل النقّاد باهتمام وتقييم كبيرين جدا. بيّن موقع الطماطم الفاسدة Rotten Tomatoes أن 84% من النقّاد في عينة من 184 مقالة أعطوه معدل تقييم هو 4‚7 من 10 درجات. مع إجماع على ملاحظة أنه برغم أن الفيلم يفتقد السمة الإلهامية التي تميّز أروع أفلام رومان بولانسكي إلا أنه استفاد من إخراج حديث رائع وسيناريو متوتر محموم وأداء مركزي قوي لإيفان مكريكر. تجمّع نقدي آخر هو الـ  Metacritic أعطى الفيلم معدل تقييم هو 78% اعتماداً على 28 مقالة نقدية. بالنسبة للناقد "أندرو ساريس" فإن الفيلم يشكل معجزة على مستوى الأداء النفسي والفني، كما أعطى الناقد "روجر إيبرت" الفيلم أربعة نجوم من خمس، وأعلن أن هذا الفيلم هو لرجل يعرف كيف يُخرج الإثارة. ومع ذلك فإن بعض النقاد أدانوا الفيلم مثل "جون رنتول" من الإندبندنت البريطانية وهو من المهووسين بحب توني بلير، والذي أدان الفيلم أيضاً لأنه أُنتج بتمويل من الحكومة الألمانية.

فاز الفيلم بجوائز عديدة منها جائزة أفضل مخرج في مهرجان برلين العالمي للسينما (الدورة 60) ومهرجان الفيلم الأوروبي عام 2010 .

حقق الفيلم 60 مليون دولار في شباك التذاكر .

 

أداء الممثلين:

كان أداء الممثلين محكماً . لقد كان بيرس بروسنان رئيس وزراء فعلاً. في بعض المشاهد ضيّع شخصية مكريكور. من المشاهد لتي لا تنسى مشهد ردة فعله في الطائرة حين يتهمه مكريكور بأنه عميل للاستخبارات الأمريكية والضحكة الصاخبة التي يطلقها. قدم بروسنان أفضل دور في حياته المهنية، طريقة الجلوس والتعابير لا تشوبها شائبة. عندما قُدم للشبح نظر إلى الكاميرا مباشرة؛ إلى المشاهدين، وقال: أهلا، مميلا رأسه إلى الخلف وناظرا باستخفاف أسفل أنفه. "من أنت ؟". وعندما بدأت مقابلاتهم كان يجلس مسترخيا على الأريكة وذراعاه إلى الخلف فاتحاً ساقيه، كأنه يستخدم أوضاعا وأساليب تلاعبية اعتاد عليها. عندما شاهد الأخبار العاجلة عن اتهامه بخطف وتعذيب متهمين كان مسعورا ومنظره مخيفا. إذا عاد إلى انكلترا يُلقى القبض عليه، وعليه يجب أن يبقى في الولايات المتحدة (موقف مضحك حين يعرض عليه مستشاره الدول التي يمكن أن يسافر إليها ولا تخضع للمحكمة الدولية وهي إيران، كوريا الشمالية، وجزء من أفريقيا) . كان لانغ يصافح الناس كأنه يمسك بسمكة ميّتة.

أما مكريكور فقد كان رائعا خصوصا في المشاهد التي يبدو فيها قلقاً حائرا ويشيع حوله جوّاً من السذاجة .

لعب دور صاحب دار النشر "جيم بيلوشي" الممثل المعروف الذي يتمتع بثقة وتعبيرات داعرة، وثقة مثقف، ومن مثل هذا النوع لا تتوقع أي خير، خصوصا وهو يعرض ،وبسرعة، ربع مليون دولار على الكاتب لينجز الكتاب خلال شهر!

أما أوليفيا ويليامز فقد مثلت القوة التي تنطوي على انجراحات عميقة وأدّت دورها بتقمص مدهش بتعابيرها التي تتراوح بين الصرامة وبين الإنكسار والخيبة، خصوصاً في ملابسها الثقيلة الطويلة القاتمة. 

نقطة ضعف فريق التمثيل هي كيم كاترال التي لم تضف شيئا لدورها وجاء أداؤها نمطيّاً .

كان بولانسكي قد رشّح نيكولاس كيج لتمثيل دور الكاتب ، وأنا كمشاهد متابع أحمد الله لأن كيج "الباهت" لم يؤدّ الدور.

 

السيناريو وكاتب القصة:

أعدّ الفيلم عن رواية "شبح – GHOST"، وكتب بولانسكي السيناريو بالتعاون مع كاتب الرواية "روبرت هاريس" الذي كان من مراسلي BBC وكاتب عمود سياسي، ومن مؤيدي توني بلير إلى أن نشبت حرب العراق التي شعر هاريس أنها كانت خطأ جسيما. بعد ن استقال بلير في 27 حزيران 2007 تخلى هاريس عن كل شيء وتفرغ لكتابة رواية "شبح"  رامزا لبلير بلانغ، ولزوجته شيري بروث، وهاليبرتون بهاثرتون .. إلخ. كما ظهرت "مو أسيومانغ" بدور قصير ممثلة كونداليزا رايس.

 

عبقرية بولانسكي:

على امتداد 128 دقيقة بالضبط، قدّم لنا رومان بولانسكي فيلماً هو مزيج من الفساد والعنف والتبصص والتآمر السياسي ورهاب البشر المتصاعد والكوميديا السوداء والخيانات والدسائس والأهاجي الثقافية الشبيهة بالطعنات. "الكاتب الشبح" هو واحد من تلك الأفلام التي تشعر - في وقت واحد - بأنه بسيط ومقلق. دوّامة من الشعر المرئي، والتآمر السياسي، والحماس الشخصي التي يخلقها بولانسكي وتنسرب تحت جلدك، وتجعل يداً جليدية تلامس ظهرك. وهذه هي صناعة الأفلام الحقيقية. تشعر بلمسات خفيفة من الغبطة في الوقت الذي يقشعر فيه جلدك من الرعب، بولانسكي -بخلاف سكورسيزي - يعتقد أن قدراً من الظرف وروح الدعابة يمكن أن يساعد على تصعيد التوتر. سيطر بولانسكي على كل شيء في الفيلم وجعل حتى الممثل الذي يظهر لدقيقة واحدة يشيع جوّاً من الريبة، وكل فرد فيه يبدو أنه يعرف أكثر مما يفصح، ونجح في توظيف الموسيقى المعبّرة التي وضعها "ألكسندر دسبلات" والتي تذكّرك بموسيقى أفلام هيتشكوك التي كان يضعها برنارد هيرمان. في الفيلم كلام كثير، وكثير جداً، ولكنه كلام جيد جداً، فطبقة فوق طبقة من المؤامرات والأكاذيب والإغواء - الجنسي والفكري- يقوم بولانسكي بكشفها. ومع كل طبقة تُزاح، ومع كل مقدار يُكشف من الحقيقة لا يحقق انفراجاً بل المزيد من التوتر والإثارة. فحين يبدأ الكاتب بالبحث عن سر موت سلفه ماكارا، وعن أيام دراسة لانغ المُلغزة، هنا تبدأ لعبة الإضاءة والعتمة الرائعة، واللقطات الضبابية، التي تضعنا في قلب المناخ النفسي للبحث عن السرّ الأسود. وحينما تبدأ مشاعر الكاتب بوجود مؤامرات وخيانات بالإحتدام، فإن هذه هي الفرصة التي اعتاد أن يكون بولانسكي فيها أستاذاً بكل معنى الكلمة. فهو أستاذ أجواء الجنون والخيانات والشكوك والأوهام المخيفة، والأجواء التي يخلقها هنا تعيد إلى اذهاننا أجواء فيلمه " Chinatown" الذي مثله جاك نيكلسون. كل شيء محسوب. فقد تشاهد خلف لانغ غلافاً لواحدة من أفضل المبيعات "الحب، أيستحق القتل من أجله؟"، كن حذرا من القفز إلى الإستنتاجات، فالرجل الذي قدم لنا "طفل روزماري  rosemary baby" و"شايناتاون- chinatown" ينظر إلى العالم كمكان حيث الأجوبة لا تتطابق مع التساؤلات البسيطة، والعدالة نادراً ما تكون مضمونة.

جعل بولانسكي "المكان" واحداً من "الشخصيات" الفاعلة في الفيلم بزواياه المفاجئة وسلالمه المتقاطعة التي بدون مساند جانبية توحي بالسقوط والموت، وغرفه المغلقة وجدرانه الزجاجية وإضاءته الخافتة. وحين تنظر من خلال الجدران الزجاجية تشاهد منظفاً يحاول عبثاً التقاط الأوراق التي تطيّرها الريح. وهذه الرموز لا يفتعلها بولانسكي ولا يُغرق المشاهد فيها .. بل هي موجودة "هناك" كما هي. ومن الملاحظات التصويرية المميّزة هو التصوير من خلال الجدران الزجاجية للبيت، وخصوصا اللقطات الرائعة للشاطيء (بُني البيت بكامله في الأستوديو وصُوّر عبر الزجاج بفعل شاشات خضراء). وكذلك المشاهد التي جرت تحت المطر.  ومشي روث والكاتب في الجو العاصف على الشاطيء عند لقائهما أول مرة. لقد جرت أغلب أوقات الفيلم في مناخ غائم عاصف ممطر شبه مظلم بزوابع رعدية.

وقد صمم بولانسكي فيلمه مثل تصميم المشهد الأخير الرائع: ورقة الملاحظات التي تتضمن الكشف والسر الأخير تنتقل من يد إلى يد إلى أن تصل إلى روث فتحصل الصدمة الهائلة. الخاتمة في أفلام بولانسكي تأتي عادة كردّة إلى هفوات غير محسوسة تقريبا اشتغل عليها منذ البداية. رؤية بولانسكي التهكمية تقودنا دائما إلى نفق في نهاية الضوء.

 

 من أخطاء الفيلم:

عندما أوقف الكاتب سيارة الـ BMW لمتابعة توجيهات الملاحة الألكترونية الصوتية ظهرت سيارة في الخلفية، لكنها اختفت ثم عادت للظهور مع تحول الفيلم من اللقطة القريبة إلى اللقطة البانورامية.

أشار بلمونت إلى صحيفة التايمز اللندنية بصيغة "Times of London" وهو يحدث بريطاني آخر هو الكاتب، وهي صيغة لا يقولها بريطاني إلا لغريب ليميّز التايم البريطانية المعروفة عن النيويورك تايمز أو التايمز الهندية مثلا .

عندما ذهب الكاتب بالتاكسي إلى قصر لانغ وأوقفه رجال الأمن عند المدخل كان يجلس إلى اليسار من المقعد الخلفي، وقدم جواز سفره من الشباك الأيسر. وعند وصوله البيت كان يجلس إلى اليمين وحقيبته في المنتصف. يجوز أنه غير موقعه خلا المسافة القصيرة من المدخل إلى البيت. لكن لماذا لم يجلس إلى اليمين منذ البداية كما هو معتاد؟

عندما تهبط طائرة الأخبار في ساحة القصر لا يظهر لها أي صوت إلى أن تقترب منها العدسة في حين أن صوتها هائل ويُسمع بمجرد رؤيتها. كما أن صوتها يختفي عند إقلاعها حالما تحلّق.

عندما تشاهد روث لانغ والكاتب الأخبار العاجلة في قناة الـ CNN يظهر تعريف لانغ في شريط الأخبار في الأسفل على الشكل التالي: " "former Bristish PM" ويبدو أنه خطأ طباعي (حرف S إضافي).

عندما يقود الكاتب سيارة الـ BMW نحو منزل البروفسور غيميت، يبدأ نظام الملاحة الإلكترونية بتقديم توجيهات صوتية فوراً، فإذا كان سلف الكاتب (اي ماكارا) قد زار منزل غيميت ثم قُتل في اي نقطة من عودته، فإن جهاز البي أم دبليو لا يمكن أن يستمر في توجيه الكاتب نحو الهدف النهائي. لأن جهاز الملاحة الإلكتروني يعاد ضبطه (يُصفّر) بمجرد الوصول إلى الهدف، ويتوقف عن تقديم توجيهات صوتية. كما أن استمرار الجهاز في توجيه التعليمات الصوتية يعني أن السائق الأسبق لم يصل هدفه أبداً.

مصمم عناوين قائمة نهاية الفيلم نسي أن يستخدم علامات الترقيم عند كتابة الأسماء الأخيرة. أدى هذا إلى أن جميع المساعدين ظهرت أسماؤهم:Ass designer , Ass painter بمعنى مصمّم حمار ورسّام حمار .. إلخ.

عندما يسير الكاتب على الشاطيء أول مرة، بعد عاصفة مطرية شديدة، نلاحظ أقدام الكاتب تطيّر رملا جافاً.

عندما سقط القنّاص من السطح، سقط على ظهره، لكن في اللقطة القريبة كان مدداً على الأرض على وجهه.

عندما دخل الكاتب مع إيميليا إلى حفلة توقيع الكتاب في نهاية الفيلم، تغيّرت تسريحة شعرها بعد أن خلعت معطفها.

لكن هناك أخطاء ساذجة لا تُصدّق مثل كشف الكاتب لأسرار وكالة الإستخبارات الأمريكية من شبكة "غوغل"؟ فهل هذا معقول؟

 

ليست مصادفات:

عندما أخذ الكاتب مخطوطة لانغ، وفتحها في التاكسي، كان عدد صفحاتها 624. كان عدد صفحات مذكرات توني بلير عندما نشرت في عام 2010 هو 624.

عنوان سيرة لانغ هو ""MY LIFE وهو نفس عنوان مذكرات "بيل كلنتون" .

 

معلومات للآباء:

العري والجنس:

هناك مشهد جنسي يبدأ حين تدخل روث على الكاتب بروب الحمام، فيذهب إلى الحمام ثم يعود ليجدها في سريره وقد خلعت الروب. ينزع ملابسه ويدخل معها .. بعد لحظات تقبله قبلة حارة ثم يتعانقان بقوة.

 

العنف:

مشهد عنيف لكن وجيز بقتل رئيس الوزراء عن بعد بطلقة قنّاص في الرأس.

 

الكحول والتدخين:

أغلب الشخصيات تشرب الكحول، وواحد يدخن .

 

 الخوف والمشاهد المثيرة:

الفيلم فيه الكثير من التوتر والمشاهد المثيرة للخوف .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2615 المصادف: 2013-11-02 01:45:57