المثقف - قراءات نقدية

قراءة في مجموعة "تهجّيات" للشاعر أحمد الحلي .. عالَمٌ في جملة شعر

abas mohamadridhaقال مالك بن الريب، فليتَ الغضا ماشى الركابَ لياليا، وقال المجنون، ليتنا أجربانِ نرعى وحدنا، وقال الشريف، فمُذْ خفِيتْ عني الطلولُ تلفّتَ القلبُ، وقال ....

وقال نزار، يا شعرَها على يدي شلّالُ ضوءٍ أسودِ .

رأيتُ هؤلاء كلُّهم من غير أن يكون لهم ذِكرٌ في شعرِك من لفظٍ أو تركيب أو موسيقى أو صورة أو مضمون، لكنك استطعتَ الإحاطة بهم جميعاً .

هذا الشعر، عملتُ مثله، وقبله، لكنه، لكنني، كالريح والتراب، كالفأل والغراب .

من أي بابٍ ندخل إلى عالم " تهجّيات" الذي استحوذ على كل حِيَل الشعر ليستحوذ على إعجابنا  .

ألف حيّة لدغتني، حين تهتُ في صحارى " خيول" .

تغرف من معالم الطبيعة، الذال، ذوْبٌ من الرحيق، أم شفتاكِ !

أُمسِكُ حصاةً، أقرأ عليها حروف اسمينا المؤتلقين، أرميها للنهر تنبثقُ فوق الماء حزماتُ زنابقْ !

ومصطلحات العلم، خارجَ مداركِ، يتلاشى زهوي، كمصباحٍ مُطفأ !

قال القرطاجني، "العِلميات لا تناسب الشعر"، لكننا نجدها في "تهجيات" كلها شعرية، كفيلةٌ بإحالةِ منطقة القطبِ إلى خط استواءٍ، زفرةٌ واحدةٌ من زفرات اشتياقي إليكِ !

تلملم جراحَ الكون، وتُعيد ترتيب الأشياء، وتخلق عوالم جديدة، إذْ تخرج من العلم إلى الطراوة ومن الرومانسية إلى الطرافة لا التهويم .

شعرٌ لا يستوعبه منهج، شعر يوصف فقط، لأنه كشف عن أسرار حداثة الرؤيا في تحديث التركيب اللغوي وتنويعه لأغراض لا تقف عند حد، "لارتياد الفضاء، يلزم الآخرين الكثير، أما نحن فتكفينا قُبله!"

تكسرُ التوقع، وتصدم باللامتوقع، لكليهما ذاتُ الضرورة، النباتات في عملية التركيب الضوئي، والعشّاق في حالات العناق !

تبثّ الروحَ في الجماد، وتنفخ فيه من روحك، تونسن الجمادات، وتعقّل الكائنات الحية غير العاقلة، تستنطق وتحاور وتصطرع وتخلق ألف حميمية مع من تريد وما تريد، ولستَ في الحالين مجاملاً أو مدارياً ولا متحاملاً أو ظالماً لحق، بماذا تراها تفكّر، تلك الخيول التي دهستها عرباتُ الغواية، أتراها، وهي تلوك عُشبة اليأس، تستذكرُ الذي فات، الشِعابَ التي كانت تضيق عن اختلاجات تأججها، الزهوَ الذي أغتيلْ، والصهيلْ، الذي كان يزرع في الأعالي جمرة البروق .

والرمزُ هنا يتأرجح بين الغموض الشفيف والوضوح الممتلئ، وهذا التأرجح يمنح الرمز إمكانية أن يحمل أوجهَ بل وجوه، تمكّن صاحبُها من التملّص من مساءلة الرقيب في وقتٍ ازدحمت على بوّابته العيون التي كانت لا تسعها الأرضُ زهواً وخيلاء .

شعرٌ بيانه منه وفيه، لا تشبيه إلا ما ندر، بل يتيم، استعار الكونَ لخياله الخصب، والديوانُ كله يمكن أن يكون كناية عن وصفٍ وموصوف ونسبة، ولكنّ الصفة والموصوف والنسبة، يمكن أن يكون أيُّ شئٍ يقترحه القارئ، فهو يستوعب كلَّ هموم الدنيا، إنها إشاراتُ قلبٍ ينبض .

أصعب شئ، أن يُحيل المرءُ النثرَ شعراً، وأن يدسَّ طاقات العقل والفكر في غضارة الشعر، أن يُشَغّل نثرٌ معملَ شعرِكَ، ويضعه في (الخدمة)، معنى ذلك أن يبثَّ الروحَ في الجماد ، معنى ذلك أن كل من يقرأ هذا الشعرَ يوفّق في التأويل، لأن المعنى سمين وجَنى الجنتين دانٍ .

كل قارئ له أن يُصبِح شاعراً، ماذا تريد من الشعر غير هذه الأشياء وأشياء أخرى لم تلمسها أناملُ أدواتي النقدية .

ديوانٌ كلّه كناية واحدة، عن ذات رجلٍ مسكونٍ بالتوق إلى التقاء الحلم بالحقيقة وإلا فعلى كلٍّ منهما على حدة السلام .

شعريته، في أنه حاول تعريفَ عينيها، فنجح، عيناكِ الواحةُ المراوغة، وأنا التائه في عمق الصحراء/ قصيدة طلّسم الحروف ، حيث يتبيّن لنا، أولاً، إنه جعلهما واحة . ثانياً إذْ وصفهما بما لا يمكن أن توصفا به أبداً، وأبعد من ذلك أنه عرّف الواحة، أي أن عينيها ليستا كل واحة، بل هذه الواحة بعينها، وهو جعلها الواحة المراوغة دائماً، فكأن وجود الواحة ومراوغتها أمر مفروغ منه ...

ونقرأ في مواضع أخرى، موضعُ حسدي، كلُّ شئٍ يرتسمُ عليه ظلُّكِ !

بأقصى بُعدٍ عنكِ، سأبقى حواليكِ أدور !

إزاء فوضى هذا العالم، حبُّكِ، الشئُ الوحيدُ الذي يعيد ترتيب الأشياء !

ولك أن تلحظ أن " حبّكِ" مصدر عطاء للجملة الأولى والثانية ولكليهما معاً

وإذا كان للشاعر القدرة على تعريف النكرات بـ أل التعريف، للأسباب مضى ذكرُها، فإن له قدرة أكبر على تعريف الشخصيات، أي بيان معالمها وتقريب صورتا، فهو يعرّف الشخصيات في العلم الصرف والأدب الصرف والفلسفة والاجتماع والوراثة والفيزياء والحكمة والتصوّف والسياسة واللغة و...، واضعاً أمامنا تعريفاً شعرياً جديداً لا يتحامل على مواصفاتها الحقيقية، ولكنه من أبعد نقطة وأخفاها في بحرها يبدأ، تحت " كوبرنيك نقرأ، أيّة حجارة سماويةٍ مسحورةٍ، هذه التي ألقيتَ، في مستنقع أذهانهم الآسن، بحيث يستحيل الكلام إلى همسٍ في أذن قلبِ المتلقي .

طرافة الصياغة التركيبية مجالٌ آخر في ديوان تهجّيات"، لصياغة المعنى الشعري، نقرأ، فاضَ حنيني، فانساح يرمم صدوعَ الأرضِ، زاد أنيني، فكفَّ الحمامُ عن النواح، وراحَ يُصغي لي .

بكاء الحمام يثيرُ الشجون، يُهيجُ ذا الشوقِ مهما قُدَّ قلبُه من صخرٍ، هذا هو المعنى الاعتيادي المستقيم، وتتداعى في ذهنكَ أشعار القدريين في هذا المجال، كما ويتداعى شعرُ أبي فراس، فقد أشار أبو فراس ضمناً إلى وجوب سكوت الحمام عن النوح، أقول وقد ناحت بقربي حمامةٌ، أيا جارتا لو تشعرين بحالي .

لكنَّ شاعرنا عمل الكثير من أجل الوصول إلى لوحة جديدة .

لم يتّكئ الشاعر على موروث قديم أو إسلامي ولا حتى حديث، من شعرٍ أو نثر، فهو لا يميل إلى استعمال التناص امتصاصاً أو حواراً أو تذويباً أو اقتناصاً أو اقتباساً أو تضميناً أو غير ذلك، إلا من أجل طرافة تحقق صدمة أو هزّة تبعث على الارتياح والتعجّب والابتسام والاستمرار في القراءة .

فليس له مرجعية، بل حضورية معاصرة، الكون كلّه مرجعيته، لم يتّخذ المرجعية أوتاداً لشعره ولم يخشَ أن يميد به أو بالمتلقّي، فعلى أيّ أساسٍ إذن قام شعرُ الشاعر أو ارتكز ؟

على نسيجه الداخل، الذي يُمسك بعضُه بعضاً، صانعةً قوة ارتكازية أكثر مما تفعله الأعمدةُ الرافعة .

شعره تركيبة لغوية متحققة من اقتران الشكل بالمضمون في سياقٍ خاص، اقتراناً امتزاجياً يمتنع عن الفصل، بحيث لا نتصوّر أحدهما إلا بوجود الآخر، فالشكل هو المضمون، والمضمون ما يقوله الشكل، وهو لا يتّكئ على عكّازات لغوية تقليدية، بل على الضد من ذلك، استخدم اللغة استخداماً إيحائياً فنّياً تصويرياً توليدياً، بعيداً عن أساليب البيان التقليدية المعروفة .

 

.....................

ملاحظة، صدرت مجموعة " تهجيّات مؤخراً بطبعتها الثانية عن دار شمس بمصر

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2668 المصادف: 2013-12-25 06:56:54


Share on Myspace