المثقف - قراءات نقدية

مظفر النواب: (6) ملاعبة المثكل الخلّاقة

husan sarmakلمظفر النواب سمة أسلوبية أخرى في شعره هي (التكثير). وإذا توغلنا عميقا للإمساك بجذر دافع التكثير في الفن خاصة وفي الحياة الإنسانية عامة (حتى الكثرة في الإنجاب) فسنجد أنه ميل دفاعي لتوفير الشعور بالمنعة ضد الفناء وبعدم قابلية الذات على الإنجراح أمام الموت (ألهذا يكون عدد مواليد الشعوب المقهورة كبيرا رغم ضائقتها الاقتصادية؟)، يعبر عن ذلك التساؤل المستنكر والتعجبي في (حجام البريس): (ويگولولك احنه نموت!) . والشاعر صار شاعرا أصلا بفعل عوامل عديدة من أهمها محاولة السيطرة على قلق الموت - death anxiety وتطويعه . شيئان لا يستطيع الإنسان التحديق فيهما مباشرة: الشمس والموت كما يقول أحد الفلاسفة . والشعر محاولة في التحديق المباشر في عيني الموت الجاحظتين المخيفتين - عدنا إلى موضوعة العين - . والإنسان يعرف " من حيث لا يعرف " ومنذ الأزل أنه لكي يواجه محنة الفناء الماحق المستعصية عليه أن يخلق امتداداته الخلودية التي تشعره بالمنعة من خلال مجموعة منافذ:

- المنفذ الأخروي اللاهوتي ويتضمن الرموز الدينية وتصور العيش بعد الموت في حياة أخرى .

- البايولوجي من خلال الإنجاب ووجود الأبناء والأحفاد .

- التحصيني البدني (الإجرائي) من خلال الصحة التي كان يضمنها السحر سابقا وعلم الطب حاضرا .

- والخَلْقي - الإبداعي من خلال الفن والأدب .

وفي المجال الأخير، مجال الخلق والإبداع، يقول معلم فيينا في كتابه (أفكار لأزمنة الحرب والموت): (إن الحياة تُفقر وتفقد أهميتها حينما لا يتعرض للخطر أغلى ما في لعبة العيش نفسها من قيمة وهو الحياة نفسها . إنها تصبح مسطحة . إن روابطنا الوجدانية وشدة حزننا غير المحتملة تجعلنا لا نميل إلى جلب الخطر لأنفسنا ولأولئك الذين ينتمون إلينا . إننا لا نجرؤ على أن نفكر في القيام بأشياء كثيرة للغاية تكون خطرة ولكنها مما لا غنى عنه . ويشلنا التفكير في من سيحل محل الابن لدى الأم والزوج لدى الزوجة والأب لدى الأبناء إذا ما وقعت الكارثة . ويجر استبعادنا الموت من حساباتنا في أعقابه عددا من الاستنكارات والاستثناءات . ونتيجة حتمية لهذا كله يتعين علينا أن نبحث في عالم الرواية (والشعر)، في عالم الأدب بشكل عام، وعالم المسرح عن تعويض لإفقار الحياة وتسطحها، فهناك لا نزال نجد أناسا يعرفون كيف يموتون، بل هم في الحقيقة قادرون على قتل آخر . وهناك فقط يمكننا أن نستمتع بالظرف الذي يجعل في إمكاننا أن نروض أنفسنا على الموت – أي أننا، خلف كل تقلبات الحياة نحتفظ بوجودنا دون أن يمحقه شيء . ذلك أنه من المحزن للغاية أن يكون الأمر في الحياة كما في لعبة الشطرنج، حيث يمكن أن تؤدي حركة خاطئة واحدة إلى خسارتنا المباراة، ولكن مع اختلاف هو أننا لا يمكننا أن ندخل مباراة ثانية في الحياة، فلا مباراة إعادة ولا تعادل، أما في مجال الأسطورة والرواية (والشعر) فإننا نكتشف ذلك التعدد في الحياة الذي نتوق إليه . إننا نموت في شخص بطل معين، ومع ذلك فإننا نعيش بعده، ونحن مستعدون لأن نموت مرة أخرى مع البطل التاريخي بالقدر نفسه من الأمان) . وهذا ما يوفره النواب لنفسه ولأنفسنا من بعده عبر مناوراته الشعرية الخلودية . لقد قُتل حچام بإطلاقة (لقيطة): (وزخّت بصدره

لگيطه من التفگ

- ويلاه

- يا ويلاه يابن أمي عداك الموت ........) ولو دققنا في مفردة (لگيطة)، هذا الوصف الذي ألصقه الشاعر بالرصاصة القاتلة فإننا سنعود إلى الفعل (لگطها) الذي وصف به الشاعر الكيفية المباغتة التي لقف بها حچام بندقيته لمواجهة الشرطة والحوشية الذين حاصروه فجأة: (فزّت گبله البرنو لگطها ابساع: يلوحدچ شريفه وبيّت الضيم بزمرها)

إن النزوع الحركي (الدينامي) في شعر النواب جعل لغة النواب حركية (دينامية) أيضا . وفي هذه القصيدة تحديدا التي تنتهي بفعل " نموت " مثلما بدأت بفعل وبدخول مباشر وفوري: أواكح، ويخلو من المقدمات التمهيدية يهيمن (الفعل) بصورة شديدة عدديا وصوريا . وكلها أفعال حركة وصراع وإقدام وتوتر واحتدام . حتى الصفة والكثير من الأسماء انتقاها الشاعر لتعزّز السمة الحركية الصراعية في القصيدة . ولهذا السبب ولأن المطلوب استجابة في غاية السرعة من قبل حچام ليواجه الموت، فإن الفعل (لگطها) يجب أن تتلوه أفعال أشد منه دلالة في تصوير الانطلاقة العزوم ليضمن تصاعد التوتر الدرامي وبخلافه فإن المنحنى الاستثاري يهبط ويضمحل . لكن هناك عاملا لا يقل أهمية ويتمثل في تطابق الرسم الشكلي الحروفي لهيكل الكلمة مع صورة الفعل المقصود . ورد في القرآن الكريم (باسم الله مجراها - مجريها ومرساها – مرسيها) مرسومة بالياء بدلا من الألف حيث يتطابق رسم الفعل مع انسيابية الحركة الكاملة في الفعل الأول والانسيابية الموقعية المعطلة، إذا جاز القول، في الفعل الثاني . تتصعد في الذهن وأمام التصور البصري " أفقية " الفعل . ومثل ذلك يمكننا قوله عن الفعل "لگطها" الذي يتسق مع الزخم الاندفاعي المباغت من ناحية ومع "عمودية " الحركة من ناحية أخرى، في حين أن مفردة " لگيطة " المعبرة عن الرصاصة التي " زخت " موتها على صدر حچام تنطبق في إيحاءات صورتها الشكلية المتخيلة وجرس حروفها – حركة الكسرة تحت حرفي اللام والگاف التي يضعف وقعها وهي تنسرب مع حركة الياء مع " أفقية " فعل " غيمة " تزخ الموت في صدر الشهيد . أشعر وكأن مظفرا استخدم هذا الفعل " زخ " دون غيره من الأفعال الكثيرة: " مزّگت صدره " أو " شگگت صدره " الأكثر حدة في التعبير عن التمزيق والتحطيم والتقتيل والتقطيع الذي يميت حچام ويهشم أوصاله هو " رؤياه " الفلسفية " الإنبعاثية المقاومة للموت والعصية على الفناء والتي حكمت وشكّلت رؤيته الفنية . والرؤية تتبع الرؤيا . لذلك اختار الشاعر فعلا " مائيا " هو زخ منقولا عن فعل المطر بعد أن قام بتأنيثه و" تصغيره " من خلال إلحاقه بالفاعل المؤنث " لگيطة " . وقد منح الصورة الكلية دلالات " باطنية " عن طريق كون الفاعلة قد زخّت موتها في صدره .. وكأن المفعول به هو الذي يحتوي فعل الفاعل ويحنو عليه، الفاعل الذي هو بندقية لقيطة من بين البنادق المهاجمة، وبهذا الوصف مسخها الشاعر أخلاقيا بصورة تامة فهي نتاج سفاح غير معروفة الأب ومغيبة الأصل في حين وصف بندقيته التي " التقطها " قبل قليل بأنها وحدها الشريفة: (يالوحدچ شريفة) وبذلك تكون مؤصلة يعتد بأصلها الكريم . كما أن الشاعر مدفوعا برؤياه الإنبعاثية قد " تآمر " على ضربة الفناء النهائية وغطّاها باحتدامات النزوع الحياتي المقاوم للبطل التي جاءت متصاعدة واعدة ومتوعدة: (- لا يرتاع گلبچ

... آنه عد عيناچ

يا اخت الحزب والثوار

والطيبين

ساعة والتفگ والليل والحوبات، متغاوين

- يا حچام ..

إخذ حوبتنه يا حمرين – لاحظ تقابل أو استيلاد حوبتنه من الحوبات -

ساعة والمراجل إلها ساعة ..) صعّد الشاعر توقعاتنا مع احتدام الوعد والتوعد والوعيد من جانب حچام وشقيقته اسعيده حتى صرنا متوفزين معنويا ومستعدين لانطلاقة الهجوم التي أجهضها فعل عرضي . وضع مظفر الإنكسار في صيغة عرضية هادئة لا تعبر أبدا عن أن هذا الفعل هو فعل موت، فقد جاء هذا الفعل بعد أن اقتربنا من ذروة التحفز الهجومي " ساعة والمراجل إلها ساعة " ومرتبطا به بواو العطف وكأن الفعل " وزخت " والصورة " وزخّت بصدره " هي حلقة الانطلاق المرتبطة بسلسلة الاستعداد اللاهث للبطل . وحين يظهر أن الحركة الإجهاضية " لگيطة من التفگ " التي تعقبها صيحة التفجّع التي تطلقها اسعيده المثكولة يكون شعورنا بها بأقل قدر من الانفعال حيث يضيّعها السياق الكلي أو الصورة الكلية التي ينثني زخمها المتأجج قليلا، لكنه لا يركد ولا ينطفي فتتحول " ويلاه " التفجع: " يا ويلاه يابن أمي عداك الموت " إلى مديح صارخ: " يا واگف وكح طرگ الجلد والطين " ثم إلى تساؤلات مديح مستنكرة: " شگولن للتفگ لو ناشدن عنك؟ .. شگلهن؟.. شاعتذر؟ .." تليها وقفة وعد وعزيمة يطلبها البطل وتكون ضمانتها أن تقسم شقيقته بزمر البنادق: " – سعده .. وغمض عينه اعله صبر سنين .. احلفيلي بزمرهن .. عگبي - جدام العدو – تشيلين راسچ بيه وتحلفين " ولاحظ المقابلة بين: "احلفيلي بزمرهن" و".. بيه وتحلفين" .. يعقب وقفة القسم المقدس على الثبات استنكار الشقيقة لاحتمالية موت شقيقها البطل الذي ستبقى عيناه مفتّحتين - وليستا مفتوحتين لتوظيف سعة وغرضية الفارق بين مفعّل ومفعول – حتى بعد موته، إلى أن تختتم المواجهة الكاملة بنهوض حچام الشهيد وانبعاثه، وبذلك تكون الصورة الكلّية – gestalt على الشكل التسلسلي الآتي: (- لا يرتاع گلبچ .. آنه عد عيناچ .. يا اخت الحزب والثوار والطيبين .. ساعة والتفگ والليل والحوبات، متغاوين ... – يا حچام اخذ حوبتنه يا حمرين ... ساعه والمراجل إلها ساعه .. وزخّت بصدره .. لگيطة من التفگ .. - ويلاه .. – يا ويلاه يابن امّي .. عداك الموت ... يا واگف وكح طرگ الجلد والطين .. شگولن للتفگ لو ناشدن عنك؟ شگلهن؟ .. شاعتذر؟ .. – سعده .. وغمض عينه اعله صبر سنين .. احلفيلي بزمرهن .. عگبي – جدام العدو – تشيلين راسچ بيّه وتحلفين .. – انت تموت؟؟ .. يا ابن امي تظل عيونك مفتحات حته لو خذاك الموت .. خزرها وگام گومة حزب للكلفات .. يخسه اللي يگلك عن شعبنه يموت .. ساعة وتضحك الرايات ..) وعند مراجعة تفصيلات هذا المشهد المحتدم بتمعن تأملي عميق وتحليلي سنجد أن الشاعر قد "حشك " – دسّ ضربة الموت التي جاءت أشبه بوخزة وسط تلاحق الحركات المعبرة عن صلابة إرادة الحياة (هذا لا ينفي اعتمال قلق الموت والسيطرة عليه من خلال آلية التكوين الضدي – reaction formation)، كما أنه لم يُبق لتلك الوخزة دورا يذكر بعد أن أعاد بطله - ميّته إلى ساحة العمل الإرادي، يخزر مؤنبا ويقف بشموخ حزب وثباته . ووفق هذا التصميم استخدم الشاعر الفعل (نبگ) الذي تتخلف عنه حتى الأفعال انبثق، انطلق، وغيرها في الفصحى في تجسيد سرعة الحركة وطبيعتها المفاجئة كتعبير عن شدة الحركة الحية الدفاعية . لكن السمة المهمة التي يتصف بها الإبداع النوابي في هذا المجال – مجال مواجهة الموت، هو أنه الشاعر العراقي العامّي الوحيد الذي احتفظ بنبرته التفاؤلية في تعامله مع الحياة وهو يواجه الموت ليس كشعور بأنه المآل النهائي المرسوم بتعسف حسب، بل في مواجهته اليومية في السجون والمعتقلات وفي تجربة النضال المسلح والتي جسدها شعرا في قصائد تسلّحت بها قطاعات واسعة من الشعب العراقي – جماهير ومناضلين وقادة، والغريب أناس سياسيين من غير الشيوعيين، والأكثر إثارة للغرابة والعجب أن بعضهم من تنظيمات سياسية مناهضة للتيار الشيوعي بل معادية له، وأشار الناقد " فوزي كريم " إلى أنه حتى المسؤولين الأمنيين يقرأون قصائد النواب في معرض: " تفكيكه " لحداثة ثياب الامبراطور في إشارة إلى أن الحداثة أفقدت الأدب دوره المربك للسلطات القامعة، لكني أجد ذلك مصدر قوة للمنجز النوابي الذي جاء كما قلت حداثويا وشعبيا - . إن تجربة " ما بعد الموت " التي مرّ بها الشاعر في أثناء إقامته في " عدن " كمنفي سياسي، وهي من التجارب النادرة جدا في الطب عالميا والتي تصنّف عادة ضمن الظواهر الخارقة " الباراسيكولوجية " أو " الخارقية " حسب المصطلح الموفق الذي اجترحه الراحل الدكتور " علي الوردي " - وهي تجربة مستحيلة ضمن معطيات الادراك البشري المحدودة التي لا تستطيع تفسيرها في الوقت الراهن - يمكن النظر إليها كتجربة حلمية امتدت في احشائها بقايا التجربة النهارية المدمّرة التي عاشها بعد موت صديقه في بيته، بيت مظفر، وتحميل الشاعر نفسه مسؤولية هذا الموت، والشعور بالذنب الرهيب الذي تأسس على ذلك والذي تجسد في حالة الإكتئاب الحادة والحزن الشديد المتواصل - هي في الجوهر المشترك لكل الاحتمالات (عملية شعرية نفسية دفاعية) ضد الموت انفقدت حيثياتها التفسيرية الفيزيولوجية . لم يحزن النواب مثل هذا الحزن من قبل أبدا . كانت لحظة انبثق فيها كل حزنه المقموع .. منذ طفولته . منذ شبابه المقاوم .. منذ انكسارات مشروعه السياسي .. والأهم منذ فجر تاريخ شعبه .. في هذه الحالة يبدو أن موت هذا الإنسان العزيز مثّل خلعا في أناه الشخصي بعد أن استدخل الشاعر - introjection الشخص الذي رحل ضمن تركيب ذاته اللاشعوري، وهي الحالة نفسها التي هزت أركان وجود جلجامش عندما توفي خله وصاحبه " أنكيدو " وهو الذي لم يفكر في الموت يوما ما ويمارس القتل في الحروب ببساطة، أي أنه يرى الموت والجثث يوميا، فما الذي أرعبه في موت أنكيدو؟ . عند موت محبوب استدخلناه في ذواتنا، في هذه الحالة فقط تهتز قواعد اللاشعور الذي " يشعر" دائما أنه عصي على الفناء فنحس بأن كياننا هش وبأننا قابلين للإنجراح بمخالب المثكل . قال معلم فيينا في كتابه السابق نفسه " أفكار لأزمنة الحرب والموت ": " أن الإنسان منذ القدم اتخذ موقفا متميزا للغاية إزاء الموت . فهو من ناحية كان يأخذ الموت مأخذ الجد ويدركه باعتباره ختام للحياة وكان يستخدمه لهذه الغاية ومن ناحية أخرى فإنه كان ينكر الموت ويرده إلى العدم . وقد نشأ هذا التناقض عن أن الظرف الذي جعله يتخذ موقفا تجاه موت إنسان آخر، أي موت إنسان غريب، يختلف اختلافا جذريا عن موقفه إزاء موته هو نفسه . لم يكن لديه اعتراض على موت الإنسان الآخر: فقد كان يعني فناء مخلوق مكروه، ولم يكن لديه أي تردد في إحداث هذا الموت . فقد كان - في الحقيقة - كائنا بالغ العنف، أشد قسوة وأكثر إيذاء من الحيوانات الأخرى . كان يجب أن يقتل، وقد كان يقتل بطبيعة الحال ولا حاجة بنا لأن ننسب إليه تلك الغريزة التي يقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل وافتراس الحيوانات من نوعها . لقد كان موت الإنسان القديم بالنسبة إليه أمر لا يمكن تخيله وغير حقيقي تماما كما هو بالنسبة لأي منا اليوم " . نحن هنا في قلب موضوعة إنكار الموت – DENIAL التي هي آلية دفاعية نفسية معروفة . " ولكن - والحديث لمعلم فيينا - كانت هناك بالنسبة إليه - أي إلى الإنسان - حالة يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت، وكانت هذه الحالة بالغة الخطورة وتسفر عن نتائج بعيدة الأثر، وكانت تحدث حينما يرى الإنسان البدائي شخصا يمت إليه بصلة - زوجته، إبنه، صديقه - وهم الذين كان يحبهم بالتأكيد كما نحب نحن ذوينا . ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل . عندئذ فإنه - في لحظات ألمه - كان يتعين عليه أن يتعلم أن المرء نفسه يمكن أن يموت، وهو اعتراف كان كيانه كله يتمرد عليه، ذلك أن كل واحد من أولئك الأحباء إليه كان - بكل صدق - جزءا من (أناه) المحبوب . ولكن حتى رغم هذا فإن حوادث الموت هذه - من ناحية أخرى - كانت لها مصداقية بالنسبة إليه، حيث أن شيئا ما من الغريب المعادي كان يقيم داخل كل من هؤلاء الأشخاص الأحياء . ومن المؤكد أنه كانت لقانون التناقض الوجداني - AMBIVALENCE" للشعور الذي يحكم إلى يومنا هذا علاقاتنا العاطفية مع أولئك الذين نكن لهم أشد الحب - مشروعية أوسع نطاقا بكثير في الحقب القديمة . هكذا فإن أولئك الموتى الأحباء كانوا أيضا أعداء وغرباء يثيرون في الإنسان القديم قدرا من الإحساس العدواني " . هنا يأتي الالتفاف الخلودي الإبداعي لمظفر النواب الذي سنستوعبه بصورة أكبر بعد مداخلة معلم فيينا هذه التي اقتطعناها . لكن من النادر أن تجد نصا للنواب تنكسر فيه إرادته أمام هجمة الموت بصورة نهائية، قد يتراجع أمام هذه الهجمة الماحقة لكنه لا يندحر على طريقة همنغواي (أن الإنسان قد يتحطم، لكنه لا يُهزم) - وستكون لنا وقفة تفصيلية في هذا المجال - لكننا نراجعها هنا ضمن إطار السمات العامة للثورة النوابية .

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2684 المصادف: 2014-01-10 21:23:39


Share on Myspace