المثقف - قراءات نقدية

قراءة في ديوان "تجليات العزلة" للشاعر قحطان جاسم

ali almasudديوان "تجليات العزلة" مجموعة من المقاطع الشعرية الجميلة، صدر في المغرب للشاعر العراقي المغترب "قحطان جاسم" ويقع الديوان في (56) صفحة، قسمه الشاعر الى ثمانية وثلاثين مقطعأ .

يتميز الشاعر "قحطان جاسم" بكونه يمتلك الشجاعة والجرأة للكتابة شعريا عن موضوع يعتقده الكثيرون من الأسرار الخافية و التي من المفروض أن تطوى بين الجوانح ولا يصرح بها أمام الجميع لقد كان الشاعر يعرف جيدا ما يقول في ديوانه وما يريده من عمله الفني الجمالي بكل ألق وفتنة، حيث أجاد في إقامة التقابلات بين المفاهيم والكلمات التي استخدم منها كل ما هو متاح لخدمة أغراض ديوانه الجميل،وكان موفقا ومصيبا في استعماله لضمير المتكلم والاستفهام وفعل الأمر والتقاطعات الدلالية واللغوية، والصور الشعرية المستحدثة والمنسوجة بواسطة المزج الموفق بين الخيال الفني واللغة المتناغمة، يقيم " قحطان جاسم " للعزلة مراسيمها وطقوسها وتجلياتها ونغمها الحزين!!

تحلق قصيدته بالقارئ على متن الحنين ويمتطي جناح الوحشة في رحلة يلوذ بها الشاعر كي يصل إلى الكشف المنشود , هذا شعر يضرب في جهة أخرى من الشجن الذي يلمس الكائن والأمكنة . وقد ذهب قحطان جاسم الى جهة الأمكنة بل إلى مكوناتها البسيطة و

المشكّلة لعنفوان مشهديتها واللغة هنا مجهر يرصد أحوال الحاجات والأشياء وهي تنوء بحكاياتها وأسرارها وفي اللغة حنين معتّق وأنيق بعيدا عن الذي ألفناه .. إنها الأعماق التي يتأسّس فيها النص في هيئة من العبارة التي تحتفي بهدوئها وبصمتها وعزلتها !!

(لسنواتٍ .. وانا ارقبُ الصمتَ \ يختالُ في أجمّة الروحِ \ يزاحم .. هَيجانات أسىً مبهم \ حطاماً لوقتٍ فائتِ \ تبعثر .. في الضجيج المسلح).

" تجليات العزلة" نص لجماليته يختار قارئه وهو موجهٌ إلى القارئ النموذجي وليس إلى أي قارئ !! لأن النص الادبي يظل في ذهن الكاتب باعتباره اول قارئ له وناقد لكنه يتحول الى ذهن المتلقي باشكال مختلفة تمامأ، ذلك لأن الاهتمام بالمؤلف أو بالنص لم يعد هو الأساس كما هو الحال عند رواد نظرية التلقي بل إن الاهتمام بالقارئ وشروط القراءة هو ما يهمنا أولا و أخيرا،هذا القارئ – أو في أي عصر يعطي للنص تفسيرا أو تفسيرات لا حدود لها أو المتلقي مادام ليست هناك مقاييس يمكن الرجوع إليها ليسترشد بها هذا القارئ، وعند قراءتي للنص الشعري (تجليات العزلة) وجدته نصأ يمنح القارئ فرصة في ان يَبتدع معانٍ داخل النص دون التقيد بشروط معينة.

تتألف المجموعة الشعرية من مقطوعات أو قطع نثرية لكل منها استقلالها ومضمونها الخاص، عمدَ فيها الشاعر الى استنطاق ذاته والتعبير عن آماله وآلامه، و نلمس مفهوم القصيدة لدى الشاعر وهي تعبير عن رؤية شعرية جمالية لها منطقها الخاص وسماتها الذاتية التي تمنحها صفة انسانية , فالشاعر الذي عاش غربتة الطويلة يصف العراق في ذاكرته ووعيه (الوهم الذي لا يغادره)!! وقد تجسدهذا في المقطع الذي يكشف ذاكرة الشاعر للوطن وتاريخه المثقل بالنواح و مواكب التمجيد و التطبيل للحرب (الطبولُ و أغاني الحربِ \ والنياشينُ المعطوبة على صدرور المخصيين \ التراث المزدهرُ في الظلمة \ النواحُ ومواكب . المعزلة \ اليست تلكَ هي تاريخ بلادٍ \ قادتني لعتباتٍ مهجورةٍ) .

كتابة شعرية تنهض على ما احتشد لدى الشاعر" قحطان جاسم " من ضياء الصور تجاه ما يحدث في العزلة من الهول والبشاعة فمن تجليات تلك العزلة يستضيف الشاعر الوطن يحاوره ولعل هذا الافتتان بتاريخ العراق وحوادثه في كتابات الشاعر هو الذي جعله يمضي في طريق البحث عن النور والخروج من كابوس الحزن وفراق الاصدقاء ؟؟

(أتنصتُ .. لخطى برد الرصيف \ أصغي برهبةٍ .. لرصانةِ أوجاعي \ رعونةِ الكابوس .. أنكفاءة الكأس \ للحزنِ .. حين يغادر الاصدقاءُ الذين لم يأتوا \ ولهول الخراب .. وأومئ لشبيهي بتعالٍ \ تلك هي التهلكة!!!) .)

شعر في صفائه النادر يقيم أعراسه في صمت العزلة وطقوسها , هذا هو الشعر في هدوئه الجميل - اللغة والصورة والأعماق الخصبة حيث الكلمات تتحلّل وتخاطب الروح !!

شعرُ يتخيّر العين لقراءة الدواخل والعناصر والسيرة ليخرج كل ذلك في هذا الانسياب المجيد والمحبّذ للنفس فالشعر في النهاية ترجمان الروح أمام هذا الخواء .. وترجمان الكائن الذي يحتفي بتجليات الذات وهي تقتنص تلك الصور الفريدة في هذه الحياة .. فمن الوحدة يطلّ الشاعر على النهر يحاور ضحكة الحبيب ويحاوله نحتا للسؤال وقولا بالجمال المبثوث في شعب من العناصر والأشياء المتروكة التي لم نفقد تجاهها حميميتنا !!

وكي يبقى للشاعر الحظوة في أن يركب الصعب للوصول إلى السهل، فأنه يكتب بلغة بسيطة وبمعجم جميل ومفهوم ويصل إلى الإمتاع والإبداع فهو في حد ذاته تفوق أدبي. فالمتكأ في قصيدة الشاعر هو استحضار الكثير من الألفاظ المفعمة بخلق معجم شعري ولذلك فهذه الألفاظ تأتي بما تأتي به في توظيفها شعريا لتصل إلى فكر شاعر قادر على توظيفها جمالياً وإبداعيأ و في المقطع التالي نلمس تعبيراً جميلاً. جعل قارئه يتذوق شعراً راقياً من خلال الصور المستخدمة (هل تسمعين .. نهاري كذبة وعقيم \ والليل فجأةَ كالجثة \ يتكوّمُ غامضأ .. في حقل وحدتي \ شظايا أفكاري مبعثرةُ .. كخرز حادة \ توغلُ في التييه .. كأبتهالات اللاجدوى \ في حضرة الغثيان).

ولعل " قحطان جاسم " صاغ حروفه بتأني و حرص شديدين أنعكس على إبداعه في اللغة عبر تطويع المعجم وترويض الأساليب بما يتناسب وانفعالات الذات وبما يتماشى ولحظة الكتابة، فهو ينشد في أحد المقاطع ( أرقبُ المطرَ .. تخذلهُ كينونتهُ \ السماء .. ترنوا بصحرائها \لآلآفِ ألايدي الممدودةِ \ لوهم البركة \ تنور أمي ألخاوي \ لاتسعفهُ كلُ الجمرات ألمعبأة بألادعية \ أرقبكِ .. تركضين بقلبي بلا بوصلة \ فأصيح بكلّ حواسي \ التي خرّبها .. الذي لاأسميه \ كُفى).

أستطيع القول بأن الشعر عند " قحطان جاسم " قد طبع بموسيقى راقية وجميلة تحبب قراءة الشعر وتقربه من القاريء أكثر. إن هذا التوجه الشعري عند الشاعر أشبه في قربه من الحياة ومحاولة خروجه من شرنقة العزلة (متى تصلُ ضفتي \ فنغسلُ ملحَ المراكبِ \ بشال العناق \ اشمٌّك كالمهوس .. أتهجى فيكَ حكاية الماء \ و انحرُ خوفي).

ألم الشعور بالعزلة وجع الاغتراب و الفقدان لوطن هو ما جعل المقاطع الشعرية لديوان "تجليات العزلة " يتشكل بصور مرتبة وعلي طريقة الفلاش باك تتساقط السنين و الاحلام و الذكريات تلك الصور المحتشدة بالحنين لوطن ومدينة ظلت صورتها مختومة في ذاكرة ووجدان الشاعر (قحطان جاسم) رغم غيابه لاكثر من ثلاثين عاما عنه بعد ان خرج من بيته مجبرأ كل تلك العوامل أثرت في شكل القصيدة وصياغتها بجمال الصورة حين ارتكز الشاعر على العزلة وصارت مرأة تعكس الحنين الى مدينته بعد ان أطفأ المنفى روحه و ذبلت اغانية وهي أستعارات جميلة و مرادفات للبهجة و الحياة، كلماته بسيطة ومعبرة جدا ونصوصه لها صدى لموسيقى أعماقه وقلقله الروحي, شعره كثيف وشفاف بلا غموض يبلغ الأعماق النائية ويلامس إحباطنا وآلامنا جميعاً، كانه يمد يداً دافئة غير مرئية ويطبطب على أكتافنا المثقلة تيهاً وحيرة، عبر التياعه وعذابه الداخلي وشجاعته في البوح ( جادةٌ وحيدةُ تفضي الى غيابي \ الايقاعاتُ مهجورةٌ \ رقصة آخر الليل جنازةٌ مؤجلة \ وهذه الامسياتُ .. التي تتهاوى كنصل صدأ \ على آخر رمق لقناديلي).)

"قحطان جاسم " شاعر رهيف الحسِّ والوجدان، فيّاض القريحة، وقصائدُه صادقةٌ شفّافةٌ، وأيضًا عفويّةٌ وتلقائيّةٌ بدونِ رتوشٍ وتكلّفٍ وصنعةٍ شعريّة، ونصوصُه الإبداعيّةُ تعبيرٌ صادقٌ وحقيقيٌّ عن خلجات ولواعج القلب .. إنّه إنسان يعيشُ الحبَّ بخيالِه وروحِه،وينجحُ ببراعةٍ متناهيةٍ في تصوير آلام الحبِّ مثل براعته في صياغة الوجع و مواضيع أخرى (ألبارحة .. خاطبت .. أناتْ البحر \ وهي تفترشُ طيشَ الطين \ هل تذكرينَ ذالكَ النهر .. وضحكتكِ .. أذ تلمسُ وجهيٍ .. كرجّة قاربٍ \) (تنسلين .. بين ستائر الكيد .. كغزالةِ الحلم \ بشغافِ ألالفة .. وبحة جرح برَي).

الكتابة عند الشاعر" قحطان جاسم" معاناة شأنها شأن اي عمل أبداعي لانها توحد تام مع ذاته و لا أحد يشاركه الفكرة عندما يكتب أنها الفرصة الوحيدة التي يختلي فيها تماما مع نفسه ولهذا نراه يحاول في ديوانه " تجليات العزلة " صياغة آلامه وخساراته شعرا ولكي ينجح في جعل المتلقي أو القارئ يتفاعل مع الموضوعات المطروحة في نصوصه يعمل على التنقيب العميق في مغاور اللغة من اجل العثور على جوهرها الصقيل والمختلف والمختار بعناية فائقة (بئر األاعماق متوترة \ نورسة الغبش .. تفك قيود فيضانات الذهن) أو في المقطع (أنكرتُ .. أيقنتُ .. أرتصيتُ \ أرتضيت .. أنكرت ُ .. أيقنتُ\ التكون في تسق السلالة .. دليل خاسر .. \ أنكرت كل أحتمال \ ان أراك مثلي مبصرأ .. في الخشوع ألاخير) .

في تجربته الشعرية الثانية عمل " قحطان جاسم " على التنويع في الصورة و الانتقال من حالة الى أخرى مرة نراه يراقب الصمت لسنوات ثانية و يهدي بعض شتلات الوهم للحبيبة وهو الذي يعلن الولاء لها حيث لم يكن راغبأ في التخلي عن أغفاءة شاردة متوجسأ الحزن الرخيص و ويعود ليصدمنا في الحب حين تغتاله التهاني وفي مقطع آخر نراه يقيم وليمة لاعشابه و المكان هو الصمت !! رغم عزلته فهو المحرض لآخر مسرات الامس فيعود الينا الشاعر بوجه اخر و بخيبة جديدة حين يتنصت لخطى برد الصيف و برهبة يصغي لاوجاعه ولكنه وبصوت خافت متوسلآ ان يمسك بجمرة ألانفعال كي يحمي نفسه من زلزال الضيم , وهو الذي الشاعر يصور لنا هواجسه وشظايا افكاره مبعثرة كخرز حادة !

و في حالة رومانسية شفافة و رقيقة يخاطب معشوقته حين يقول لها - هناك في اعالي الانهيار عند اقصى لمحة يأس للكون \ سألمسكِ بتؤدة نادرة ؟؟ و يطرح علينا همه وحزنه بسؤاله \ ولا يخفي حزنه وسط تلك العزلة المفروضة عليه وهذا الحزن المستكين في مشهد الغياب يختلس مداراته وبقايا الوردة ولانه يكره الرويتين نراه لايطيق المؤسسات التي تعمل تدجين الروح وتقنين حريته و لايطيق الملفحات في السواد وصار شكلهن شكل التوابيت التي تخفي بداخله ارواح ميته!!

يتضح مما سبق، أن الشاعر " قحطان جاسم "، في ديوانه " تجليات العزلة" يكشف، من جديد، عن غنى منجزه الشعري ومدى إبداعيته، التي تستمد حضورها من التاريخ و التجربة والذاكرة ومن تفاصيل اليومي والمعاش. إنها تجربة هادئة تتأمل فيه ذات الشاعر وتحاور ماضيه وحاضره، على انفراد، تقوده أسئلة مركزية منها سؤال الشعر وسؤال الهوية. فهل ما زلنا نحتاج إلى مزيد من العزلة والانفراد، كي نرمم بعض جراحاتنا الكثيرة رغم جفاف السنوات _ والحزن المستكين في مشهد الغائب ؟

 

 

الكاتب \ علي المسعود

كاتب عراقي مقيم في المملكة المتحدة

...........................

 

مقطع من المجموعة الشعرية " تجليات العزلة " للشاعر قحطان جاسم

 

مدن

شحبتْ تواريخُها

تضربُ جذورها في أرقي

كشكوكِ الصبايا

جسدُ الكلماتِ

مغر

وألاختيارُ ورطة

خُذ أنتباهة الرؤيا

ودعْ لصمتي

حنينَ النرجس

نهراَ للغواية

أنتَ القادمُ أمس

لوثه سرابٍ

وكابوسُ خيبةٍ

كيف ستلمُ ألآن

كل هذا الخواء بكفيك المعطوبتين ؟

آلهة البحر مشغولة

والسفنُ خرساء

دغلة الخلاص

شاخصة في دربٍ مهملٍ

سطوة الخطوة

أرثٌ مسروقٌ

أن تكون بين قطبين

تتجاذُبك

أصواتٌ مكتومة

في خفايا

كتابك المغلق

ووشمُ وصيةِ الحب المنكسر

ماثل

في قيح المسرّاتِ

 

الشاعر \ قحطان جاسم

شاعر عراقي \ مقيم في الدنمارك

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2690 المصادف: 2014-01-16 01:18:00