المثقف - قراءات نقدية

خصوصية التفرد في الأمكنة الآفلة .. الأديب فاروق مصطفى يفهرس مدينتهِ روحياً

adnan aboandolisلكل محب اٌبتلاء بعشق الطلّل الدارس، قديماً كان أم حديثا، جانباً وجدانياً خاصاً به، يردد دائماً في صحوتهِ وغفوتهِ- فما حب الديار شغفن قلبي؟ يظهره حيناً ويبطنه حيناً أخر، هو الأمثل في جوهره، والصقيل في روحه، يسمو على كل مايخفيه، خشية الإفشاء أو يعلنه لحاجة في نفسه ويود أشراك الغير به للتخفيف عن كاهله من وله وعشق وهيام، أنها مكبوتات وجدانية تمور في القلب ويفلتها اللسان وتطلقها الروح بزفرة حادة، تأوه مضغوط قد يؤول إلى انفجار روحي.

هذا مانلمسه بين الشعراء التواقين للجمال والحسن لعين حوراء كحيلة أو قدّ ممشوق أو خصر ضامر ونهد نافر في كائنات حية أنثوية حسية من عالم النساء، فكيف العشق في الجماد هذا مانلمسه جلياً في هيام الأديب فاروق مصطفى بالمعشوقة كركوك والتي خلدها في كل نصوصه وعبر إصداراته العديدة المتوالية ومخطوطاته المذخورة قيد الطبع او بعد النسيان منها ..... قمصان الغيوم المتدلية / 2002 – أرصفة الدفلى وأقاليم الغمام/ نصوص كركوكية / 2004 – جماعة كركوك – الاستذكارات الناقصة / 2005 – طريق الدفلى إلى كركوك / 2006 – هديل الغمام بين يدي كركوك / 2007- ولجيد كركوك باقة من أزهار الخباز / ذاكرة المكان / 2007 – تسكعات الفقير الكركوكي وأيامه المنهزمة / 2007 – بريد كركوك الذاهب عشقاً / 2007 – الثمل بعشق كركوك / 2008 – قراءات في الأدب القصصي / 2008 – ذاكرة جرت ميدان / 2008 – ماقاله الأصدقاء لكركوك الهاطلة في القلب / 2009 –كركوك بيت للدفلى وحديقة للغمام-2009 / الثمل بعشق كركوك – مقالات أدبية- 2010- أدباء وشعراء ومقاه في مذكورات كركوك-2010 /أُناس من كركوك-مقالات- – 2010 /مصطبة وحيدة أمام القلعة -2011 / جماعة كركوك –التتمات اللاحقة -2011 / منادمات كركوك المتأخرة-نصوص كركوكية-2012/ أطراس المدائن -2013/ في الطريق إلى طيب جبار-قراءة ومختارات-2013.،هذا عدا ما لم اذكرهُ كي لا تطول القائمة.

هذا التعريف الهائل لها ... إنها كركوك مدينة النار والنور – مدينة الأفق اللامع أبد الدهر،المدينة الحميمة للقلب، وانه الشاعر فاروق المتيم بحبها حد الجنون حتى شع الضوء بدمه وشهق –الحب الضوئي- فيورق الضوء مزهراً، لذا خلتهُ يرتعش هياماً من لذة الخطوات المترعة بترنح التعب المستلذ،له في كل رصيف عثرة وفي كل زقاق عبرة تشهق بمحياه، يفوح منها أريج الماضي الجميل والذي بدأنا نحنُ إليه من أي وقت مضى وكلما داهمتنا خيبات الحزن، ولان الشاعر يهذي باسم المحبوبة على خط التواصل يحمل بين جوانحه ذكريات جميلة لذا يتوجب شرعاً ومنا السماح القطعي بالتغزل بها حتى مدار الأفلاك، يعلن عشقها على رؤوس الإشهاد، فتراه يرش عليها بهارات الخيال وفلفل المدح الحار ويعطرها بنكهة الزعفران يمضخ منها حلاوة الروح ويستأنس بخِدرها وخَدرها ويستطعم لذائذها القديمة المستطابة، يحرص على استرجاع الذكريات الحلوة عن طقوسها وطلاسم قلعتها المتهاوية وقرنصة أبنيتها المنهارة،أراه يتوجع في الحال وينطوي بهموم لن يعرفها غيرهُ وكأن لسان حالهِ يوافق الشاعر جرير الذي يقول:

ولقد مررتُ على ديارهم ــــ ـوطلولها بيد البلى نهب

وتلفتت عيني ومذ خفيت ـــ عني الطلول، تلفت القلبُ

في مشاهدات متكررة تكاد تكون يومياً، كما هو أبو العلاء المعري في زيارة خاطفة لجنته وأفادنا من هناك بخيال، لكن أديبنا ينقل عبر شاشته الحقيقة وجنته كركوك الماثلة أمام أعيننا ...

إنه محبها الأزلي دون منازع يغرس تجواله بمارثون يومي، يجوب شوارعها، يتهجى تجاعيدها يتحسس همسات عشاقها، يخطو على نبض القلب في مساراتها،يؤنسها ويستأنسها ويؤنسنها كأنها فرد من العائلة، له طابع خاص بوصفها وله خصوصية التفرد بالإفصاح عن عشقها بذاكرة محبيها وحتى يمكن أن يطلق اليوم او ذات يوم من قبلنا – أدباء كركوك – شاعر المدينة – يتفانى في عشقها – يلمها كل حين ويذرعها في ضحى صيف فائظ ينفرد في محبتها ولا يقبل أي نظير يشاطره إياها – ترافقه أينما يرحل – إلى بلاد المغرب – مصر – الأندلس – بلاد الشام – بلاد الأناضول وغرب أوربا.. لكنه يتحسس جيوبه لعل بقايا عطر تقبع في الزوايا من المدينة البعيدة التي فارقها ... هذا الحب الآسر لها دون غيرها ... كركوك خضراء بعين العاشق الولهان وهو يذرعها ويتجشآ عسلاً من مرارة التعب بدءاً من حافات تعليم تبة – مروراً بشارع تكساس-قصر زورا وآم الربيعين وبيت القاضي وفندق سميراميس ثم إلى المكتبة المركزية ويجلس لحظات في المجيدية وهنيئة في مقهى شاكر ثم يتخطى رأس الجسر يتطلع بوجه القلعة ويعود الى القشلة ثم شارع الأوقاف ليرتاح في احمد أغا وينحدر مخترقاً سوق القورية الى جرت ميدان،عبر خاطرة-قدم –أثر –خطوة- مسار –تجوال –صولة-سباق –وافتراضيا طيران روحي،هذه يومياته في المدينة التي تستثيره أحيائها تلك فيمنحها عطفه العاشق من عزيز ذكرياته الماضوية من رنين آفل بتصدع في فضاءاتها كل حين... رسم بها أحلامه الخضر على جدار الذاكرة ودندن بألف أغنية للهناء وتواشيح الهيام – ربما تشابه ما سار عليه شعراء نذكر منهم الشاعر حافظ جميل في حب مدينة الموصل وكما يقول فيها :

مالي أهيم ولات وقت هيام             أيكون في الستين بدء غرامي

ياجيرة الحدباء وأي معرةٍ             إن قلت أعشقكم، وأي ملامٍ

وللشاعر كونستانتين كفافي الذي عاش في الإسكندرية ومات فيها وله قصيدة اسمها المدينة، لكن الشاعر فاروق مصطفى فاق بمحبتها كل العشاق وتعدى آفاقها اللامعة طوال السنة مرة يصفها أنها بيت للدفلى – ومرة حديقة للغمام ومرة يقلدها باقة من أزهار الخباز، هذا العشق الجنوني رافقه منذ صباه وحتى كهولته وسيظل معها إلى أن ترافقه قدمُ ثالثة لا يكل ولا يمل من مساراتها أو الإصغاء لرنة جرس إيقاع حروفها الثلاث والتي يتراءى له كلما هب نسيم أو صدح غصن، وفي الصباح يغدو على بركة شمسها او ضبابها أو سرابها، هكذا يفهرس المدينة ويجوب أزقتها ويتكئ على أرائك حدائقها وتخوت مقاهيها ويعبر جسريها وتسطع في عينيه افياء القلعة ويصاحب أدباءَها (جماعة كركوك ) والذي أتحفنا من مواريثهم بما غاب عنا، حتى ضجيج القطارات لم تسلم من وصفة والحنين لها يستذكر إجمالا لقصة طويلة لاتنتهي من عشق المدينة بدءاً من الخطوة الأولى والى دروب قد لاتفضي الان إليها، فكل خطواته سائرة على نبض القلب، مواعيده بيضاء ومسراته لالئ وأحلامه سكرى انه الشاعر المعاصر والإرث المتبقي من جماعة كركوك والتابعين لهم والذي ترك لنا بصمات لا تنتهي أبدا ...

انه الشاعر المفهرس فاروق مصطفى الذي كرَّك غوايات المدينة ورصع جنونها ومآثرها ومناقصها وعوالمها الجوانية، له روئ خاصة في ترتيب حروف المفردة واللعب بجذرها كي تتناسل فيها معان شتى ويناور بها ويستخدم جموع الكثرة لها وكأنها غير مسموعة من ذي قبل أي يجعلها كائنات ناطقة حية، انه يعيد لها الحياة، يعطي للأشياء طعمها ويمدها بمعان جديدة ترفل بأفاق الحب وستظل ماضي الرغبة فيه صديقاً حميما، ليس بوسعنا أن نستغني عنه أية لحظة،لذا تجمعنا أسبوعيا مقهى في أحمد آغا أريكتها التعبى ونادلها العجوز الذي يحفنا بطلباتنا المعهودة في الحال، نتقاسم بعهدها أمورا عن محبرات الأسبوع ويسرد ذكرياته عن واجهات ومشاهدات غابت،ومرة يجمعنا بالتناوب مقهانا الأثيري-كازينو المدورة-النصر مع القاص موشي بولص والقاص فهد عنتر ونتساجل هموم الأدب وتطورات النصوص الشعرية،يسعفنا من ذاكرتهِ عن جماعة كركوك الذين ماتوا والبقية في الشتات،وحين نسأله عن أماكن جلوسهم-أي جماعة كركوك يرد بتأوهٍ يفطر الكبد-تلك الأريكة التي جلس عليها الشاعر العدمي –جان دمو-وهناك كان يفضل الإتكاء سركون بولص-و تحت هذا السلم الدائري يركن دراجتهِ الهوائية-وقبالة سينما الحمراء تلك هي شقة الشاعر الأرمني-صاحب ديوان الحسرة الأفيونية-خاجيك كرابيت-هنا يتوقف يصمت لحظتها وكأنهُ يراهم ويحاورهم في الحال. وحين نطوف معه ببقايا ذكرى هذه محلة جليل القيسي،ومن هنا مرّ امامي فاضل العزاوي،وهنا قابلني صلاح فائق، يحدّق في مرآب السيارات ويتأسف،أهذهِ المتوسطة الشرقية! يتأوه بالكادٍ أسمعهُ،هذا الذي فهرس الضياع والتلاشي وأفضل ما فيه انه شاعر المكان وكاشف الجواهر الاثيرة في مدينة كركوك الحالمة في ذاكرته ومثلما قال (لورنس داريل) الروائي الانكليزي في رباعية الإسكندرية (نفعل بالحب ماتفعله معصرة النبيذ، وان الخارج منها، إما أن يكون مريضاً أو يعاني الوحدة أو نبياً) هذا التماثل يشبه إلى حد ما عشق فاروق مصطفى لكركوك والتي تحولت في وجدانه من مدينة إلى كائن له حضوره المستديم في نفسه والذي لا يقل عن حضور البشر أنفسهم، حيث لم يمثل سواه، ولا يسير في الطريق الذي مشاه البعض بمن سبقوه، انه يريد أن يكون خصوصية المبادرة والتفرد العلني في غواية عشقه الجنوني ومفهرساً لجغرافية المدينة من سفره في الحلم واليقظة دون ان تحس منه قراءة لغة القلب الأخرى –إنه نبض كركوك الأبدي على مدى الأجيال وطول عمر هذا الزمان.

 

...................

المصادر:

هي المؤلفات المذكورة في متن هذه الدراسة للشاعر فاروق مصطفى.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2737 المصادف: 2014-03-04 12:25:00