المثقف - قراءات نقدية

أحمد مزعل والفن والفكر

sinan ahmadhakiتابعت مع البعض من الأخوة والأصدقاء مشاهدة أعمال فنان موهوب من على شبكة التواصل الإجتماعي (الفيسبوك) وهو الفنان أحمد مزعل، وهو شاب في مقتبل حياته، وبعد التمتع بمشاهدة عدد من أعماله الجميلة وكان أغلبها سكيتشات بالزيت أو الأكليريك أوتخطيطات بالقلم الرصاص لعدد من الوجوه وأهمها بعض الوجوه المغربية والمشاهد المراكشية وبدا لأول وهلة واضحا ما يتمتع به من خصائص طبيعية في فن الرسم وهي على الأعم قدرته التي أسميتها كما يقول العاملون في ميدان الرياضة (قدرة عصبيّة عضليّة) أي قدرته في تنفيذ ما تراه عينه بيد واثقة ومقتدرة فضلا عن أن عينه عين راصد محترف متمكّن في قنص الخطوط والألوان في سرعة فائقة مع الحركة كما بدا في الإبتسامات والحركات العفوية السريعة التي قدّمها لنا مشكورا ولا يبدو أن فناننا موضوع المقال هاويا ولا مبتدئا فالخبرة تملأ جوانب لوحاته الجميلة ويُميّزها إختياراته الخبيرة في إنتقاء اللون وأسلوب التلوين الذي يُشكّل طريقا لبناء شخصيّة متميّزة به ورغم أن الفيسبوك قد جعلنا مشكورا نطّلع على عدد من أعمال الفنانين الرائعين الكبار والصاعدين بما يمتلكون من مواهب وقدرات فنيّة متميّزة من أمثال الأستاذين محمود فهمي ومحمد عبود الذين يبهراننا بين الحين والآخر بأعمال ذات قيمة راقية ألاّ أن فناننا أحمد مزعل لفت إنتباهنا من حيث أدواته المتميّزة وخبرته الفطريّة واقتداره العالي في مطاوعة أنامله لما ترصده عيناه كما أسلفنا وقد شاهدنا من بين أعماله لوحة كاملة كبيرة بتفاصيلها عن السيدة العذراء وبدا أن شخصيته هنا قد إختلفت كليا عن شخصيته الفنية في سابق أعماله الموصوفة فبالرغم من أهمية إخراج مثل هذه الأفكار والمواضيع الكبيرة وهو قادر على إنجازها فعلا ألاّ أن مفاجأة المشاهد المتلقّي بالإنتقال من تخطيطات وسكيتشات لبعض الوجوه ولقطات لمناظر سريعة إلى هذا العمل البانورامي يحتاج إلى رؤية فكريّة فضلا عن مقدرة تشكيليّة وكلنا راودته أفكار عن إستلهام افكار من الموروث الخالد لا سيما الموروث الروحي الكبير كما هي قصّة السيدة العذراء وأحفظ لأحد الفنانين الذين كانت لي علاقة بهم طويلة أنه كان يفكّر بتناول عددمن الصور الروحية ومنها بعض الآيات القرآنية المبهرة كالآية التي تبدأ (وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى .. إلى آخر الآية) ولكنه للأسف لم يُعالج الفكرة في حينها، إن أهم ركن في تناول مشاريع كبيرة هو الركن الفكري أو البناء الفكري ولن أطيل كثيرا في تفسير هذه الجوانب وتأكيدها ولكنني أتذكّر أن الفنان الكبير بيكاسو بما تسعفني به الذاكرة كان صفّق كثيرا للفنان مودلياني عندما شاهد عملا له لفتاة وهي حامل وترتدي رداءً أزرق وكان واضحا جدا كيف ربط بيكاسو بين الموضوع واللون فضلا عن أسلوب مودلياني المعروف في تصوير الوجوه وميله إلى التصرّف بالملامح واختصار التفاصيل مع الإحتفاظ بأسلوب مميّز وتعبير راسخ، هذا هو الفكر في الفن، إذ ليس من المهم أن نقوم بتنفيذ أعمال ضخمة أو جداريّة لكي نعبّر عن أفكار كبيرة وملاحم وأننا لن نضيف جديدا على ما فعله الأولون من أمثال مايكلانجلو وحتى ألجيريكو فقد أشبعوا بأعمالهم مراحلهم وعصرهم بما يناسبه من عملقة وتألّق .

إنني أتوسّم في الفنان أحمد مزعل كثيرا من الإشراقات والقدرات النابهة ولهذا أود التركيز على الجانب الفكري للفن والوظيفة وهي كما هو معلوم تشكّل جوهر العمل الفني وقوته الدافعة والمحرّكة، وأوّل ما أراه أن لا ينتبه كثيرا لكل ما يُقال له بضمنه مقالي هذا بل أن يُصغي إلى نداء العين وهواجس الأحاسيس وبصراحة أن يتوسّل الحريّة الكاملة في اللحظات التي تبدأ ريشته بالعمل ويدع في تلك اللحظة كل المعارف وجميع ما حاول أن يستعين به للوصول إلى ما هو عليه فلقد ذكرت في مناسبات سابقة حديثا للفنان جواد سليم الكبير في مجلة الآداب وأعتقد كان ذلك عام 1956 في عدد خاص بالفنون التشكيليّةحين سُئِلَ كي يوجّه كلمة للفنانين فقال: أهم شئ أن ندع جانبا التفكير بما يجب أن نفعل وأن نعمل بدون الإجابة على هذا السؤال، وكان الفنان الكبير بيكاسو هو الذي قال: إن يدي هي التي تفكّر ولكن بلوغ هذه المراحل يتطلب تفاعلا حيّا مع الثقافة بشكل شامل وكامل فعلينا أن نحيا عصرنا بتفاصيله وثقافته مثل كل الناس وكل المثقفين على الفنان أن يعي العصر الذي يعيش فيه ويتذوّق صنوف الفنون والآداب ويتعلّم كل ما تقع عليه يده ويتفاعل مع الحياة في ميادينها المختلفة في العلوم والفنون والآداب وبدون أن يُحاول محاكاة أعمال من سبقه أو جايله بأي شكل و سيجد أنه يقدّم أعمالا تنطوي على فكر خلاّق كما هو أمر فنّه الخلاّق أيضا وهذا هو الهدف والمراد، إطلق العنان لريشتك ويدك ساعة الإبداع ولا تفكّر بأحد لا متذوق ولا ناقد ولا مفكّر ولا مثقف ولا غيرهم ولكن عند ساعات الفراغ إصغِ لكل هؤلاء جيدا وتناول آراءهم بكل جد على أن لا يكون لهم سطوة على ريشتك فالحريّة ساعة العمل أهم شئ على الإطلاق ولا يجب أن يكون هناك شروط على الحريّة إذ أنها حقّا أداة الفنان كما هي أداة الأديب والمبدع بصورة عامّة وهي مادّة العمل للمبدعين ولا شئ يحل محلها بل إن غيابها يهبط بالفن والأدب والإبداع إلى القعر.

فالحريّة وقت العمل وترك ما يجب أن نفعل وإطلاق الطاقات بلا شروط هي سرّ التألّق والنجاح، ومهما كانت ألأعمال كبيرة والمراحل متقدّمة فإن مواصلة تنمية ماكان بدأ به مزعل من سكيتشات وتخطيطات أمر لازم ومهم جدا أن يستمر وعندها وبعد وقت ما ستجد خطوطه وألوانه قدرة عفويّة على التصرّف المطلوب في العمل الفني كما جرى للفنانين الكبار

لو كان لي أن اتمنى على أحمد مزعل لتمنيت أن ينفّذ لوحته عن السيدة العذراء بأسلوبه الذي رأى فيه الناس المراكشيين مثلا أو بأسلوبه الواقعي او الإنطباعي الرومانسي أو بما يمتلكه من أدوات إبداعيّة تشكيليّة وليس بمحاكاة فناني عصر النهضة أو ما بعدها وهذا سيجعل منه فنانا عصريا يعيش عصره ويعبّر عن مواضيع خالدة من منظور ميتكر يجمع ببودقة جديدة كلا من مفاهيم التراث بالمعاصرة .

إنني لا أوجّه له نقدا أو اوجّه عمله ولا أحاول فلقد قلت قبل قليل إن الحريّة هي أهم أدوات المبدعين وبدونها لا فن ولا فكر

ولكن الفكر هو جوهر الفن وهذا ما يجب أن يبقى في بالنا على الدوام دون أي إعتبار آخر

أتمنى للفنان أحمد مزعل رحلة ممتعة وجميلة مع عالم الإبداع وأكرر أن عليه أن يتجنب أية شروط أو توجيهات ويُسلم ريشته إلى الحريّة بالمعنى الذي عبّر عنه جواد سليم كما أسلفنا

ويمكن للقارئ الكريم أن يتصفّح بعض أعمال الفنان المذكور من خلال صفحته على الفيسبوك، مع تمنياتنا لكم بمتعة جميله مع أعماله التي تستحق المشاهدة

تحياتي وتقديري

 

سنان أحمد حقّي

منشغل بالثقافة

دهوك في 17 /3/2014

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2750 المصادف: 2014-03-17 00:28:32


Share on Myspace