المثقف - قراءات نقدية

المفارقة السردية في رواية حاموت .. دراسة سيميائية

waleed alzobaydiالمقدمة: بسم الله الرحمن الرحيم: (نحنُ نقصّ عليكَ أحسنَ القَصَصِ بما أوحينا إليكَ هذا القرآنَ وإن كنتَ من قبلهِ لمنَ الغافلينَ.) - سورة يوسف:12/ الآية:3.

روايةٌ تنحتُ اسمها، شكلها، مبناها، في صخور الذاكرة، منذ عنوانها وما يحملهُ من علامات تعجّبٍ؛ وغرابةٍ في نحت المفردة المتفردة لغةً وبلاغةً؛ ثمّ صورة الغلاف، وهكذا وأنتَ تتصفّحُ الكتابَ نفَساً نَفَساَ، لهاثاً لهاثاً، صرخةً صرخةً .. روايةُ (حاموت) للروائية العراقية: وفاء عبد الرزاق، وتسلسل الرواية بين مجموعة رواياتها الصادرة والمطبوعة رقم(6)؛ من اصدارات مؤسسة المثقف العربي سيدني- استراليا، نشر وتوزيع شركة العارف للمطبوعات-بيروت، الطبعةالأولى،سنة2014م،عددالصفحات 141، قياس الصفحة:14.5×21.5سم.

ظلّتْ ثيمةُ {المدينة} الهاجسَ الأقوى في كتابات المفكرين،والفلاسفة، والأدباء والفنانين، فتناولتها الأقلام والأوراق على مختلف العصور بصورٍ متنوعةٍ تنتمي لثقافات تلك المجتمعات. فقد راودت فكرة اليوتوبيا أو الطوباوية الكثيرين من الأدباء و الشعراء الذين يتمتعون بحسّ أخلاقي رفيع المستوى. وكان الحلم بمدينة فاضلة يعيش فيها الناسُ أحرارا متساوين أمام القانون -ولا يزال - حلما خصبا يستمد وجوده من وقائع شتى كغياب العدالة، المكر، الخبث، الاحتيال، الظلم و الظلام الذي أحاط بالبشرية من كل ناحية ردحا من الزمن .

كان أفلاطون أول من أشار إليها في كتابه " الجمهورية" و يعتقد أن الناس سواء في كل شيء و بعده رسم الفارابي دنياه المثالية في كتابه " المدينة الفاضلة" و يرى مساواة الناس أمام ميزان العدل. والحالمون بذلك كثيرون من العباقرة أمثال القديس أوغسطين، شيشرون، دانتي، فرنسيس بيكن و توماس مور و غيرهم.

لن تتوقف ثقافة اليوتوبيا، طالما أن (الحلم) كامن في أعماق النفس البشرية، وأيضاً لم يعد التبشير باليوتوبيا هو حصراً من مهمة الأديان والمصلحين الاجتماعيين، بل أصبح الأمر يرتبط بالكيانات الدولية العملاقة، وها هي الكيانات الرأسمالية الكبرى والعظمى تبشر الشعوب بـ(يوتوبيا) العولمة باعتبارها المخرج من الشقاء والمدخل لجنة النعيم والرفاهية والحياة السعيدة.

وهكذا كان الحُلم لدى الإنسان منذ البدء بناء مجتمع مثالي يرقى بهِ نحو السعادة والانطلاق لعيش يحس بكونه يحيا مع أبناء مجتمعه في عالم العدالة بعيد عن كل منغصات الحياة، بل وكثيراً ما التصقتْ ونُقشتْ بأذهاننا من كتب الأدب العربي والغربي مدن الخيال الفنتازي، ومدن الخيال العلمي، ..

ولكنّ اليوم، تقف الروائية لتعطينا مثلاً ومثالاً جديداً لمدينةٍ من نوعٍ آخر تختلفُ جذرياً عن كل المدن التي ذكرتْها كتب التاريخ والفلسفة والفن والعمارة، أنها مدينة وعالم متكامل تنحتُ بأوصاله، تكتبُ فيهِ ومنهُ، لم يكن فنتازيا ولا هو من الخيال العلمي، وليست أيديولوجية جديدة أصدرت أدبياتها لتُبشّرَ بفكرٍ جديد؛ ولا مؤسسة اعتمدت أنظمة الويب الحديثة لتشكل معمارا جديدا من مخيلةِ عالم آثار أو مهندس معماري. أنهُ عقل وفكر الروائية الذي حرّر الحروف من مكنوناتها وأخرج كل العفاريت والجن والأشباح من القمقم لتصوّر لنا أحوال (حاموت) ..

رواية (حاموت) رسالةٌ نصّيةٌ بابداع وتجليات أدبية عربية تقترنُ بتقنات الزمن الجديد، تقنات (العالم قرية صغيرة)، وهي إذ تُسجّلُ هنا بيانَها للعالم أجمع وتُنبيء عمّا سيأتي بصورة واقعٍ لا مغالاة فيهِ ولا تطرّف، ويبتعدُ أسلوبها عن كل مظاهر العنت العالمي أو التحزّب بصفّ اتجاه أو مؤسسةٍ أو سلطةٍ أو دينٍ بل هي للإنسان أينما كان، وحيثما كان .. ولم تقتصرْ على الإنسان فقط بل هي رسالةٌ للماوراء، وللكائنات الحية وغير الحيّة، وللطبيعة بتنوعها الجغرافي والمناخي والتجاري .. .

المبحث الأول

أركان رواية "حاموت"

التمهيد:

الروايةُ بناءٌ معماريٌ محكم في شكلهِ وبنيويتهِ، فأركانُ هذا البناء هو أركان البيت، كل بيتٍ تُخطّط لهُ كي يكون متوازناً من حيث الشكل وصحياً من حيث البيئة والإضاءة يعتمدُ على أربعةِ أركان؛ وهكذا تأخذكَ مخيلتكَ أولاً نحو هذا الشكل المربع، بناء بأربعة أركان، فتقول: بيت، مدرسة، صندوق، نافذة، حقيبة .. البيت: بما يمتلكهُ من أسرار ومن عناصر آدمية تتحرّكُ فيهِ وعناصر مادية وطبيعية تتحكم بهِ لتنشأ بداخلهِ علاقات وصراعات. أو المدرسةُ: بما تحويه من محتويات الصفوف، الساحة، العَلَم،الكتب، أصوات الطلبة، نشيد يوم الخميس . أو الصندوق: الذي يخزن اسرارنا وممتلكاتنا .. أو النافذة: التي تطلّ من خلالها لرؤية صباح يومٍ جديد أو أصيل الشمس وأنت تودّع يوماً من عُمركَ .. أو الحقيبةُ: الحاملةُ أوراقك الثبوتية،وقصائدك التي كتبتها بعيدا عن عيون المُخبر، ..

هكذا وضعتْ وأحكمتِ الروائيةُ سردَها، وتركتْ لكَ حريةَ التفكير والتخييل في ذاتِكَ، ولكن أيّاكَ أن تجعلَ من مربعك هذا سجناً أو قفصاً، فهو مهد الإنطلاق نحو ولاداتٍ صحيّةٍ كاملة غير قيصرية، ولا مشوّهة، ولا تنتجُ خدّجاً ..

وسنعرضُ هنا بأسلوبيةِ التفكيك وإعادة البناء برؤى تتثاقفُ مع مستوى السّرد وتصاعدِ رؤاه وأبعاده، الأركانُ الأربعة التي اشتغلتْ عليها الرواية، هي:

1- حاموت. 2- الشبح. 3- الشجرة. 4- الرّاوي.

 

أولاً- حاموت:

نبدأ مع الرواية من الغلاف الأول، فصورة الغلاف عبارة: عن قطعة من الأرض ترتفع نحو الأعالي، وتتركُ مكانها منطقة محترقة سوداء. لقد استطاع الفنان د. مطيع الجميلي تجسيدَ روح العمل في لوحتهِ- صورة الغلاف.

أمّا الأهداء، فكان الى(؟) علامة الإستفهام، لو قمتَ با حصاء عدد الأسئلة في الرواية، لتجد الأسئلةَ تنثال عليك انثيالاً في كل صفحة من الغلاف الى الغلاف، بل ستجد صفحات من أولها الى آخرها عبارة عن اسئلةٍ تبحثُ عن أجوبةٍ على مدار تصاعد النّفس والحوار في البناء الدرامي والأدبي للرواية.

هذا أولاً .. ثمّ مايمثّلهُ شكل(؟) رسماً كونهُ يشبهُ شكل الجنين في الرّحم،وهو ينحني مع شكل موطنهِ الرّحم، فيولدُ الإنسانُ سؤالاً منذ لحظته الأولى، كما وأن الإنسان حينما يشيخ ويهرم ينحني ظهره ليكون على نفس الشكل الأول(؟) ثم يودّع دنياهُ فتكون نهايته سؤالاً أيضاً؛ إذن هي شكل جنين وكهل الكل يبحثُ عن مغزى وسرّ هذه الحياة× وتظل هذه الولادات تأخذُ شكل الإستفهام الى .. .. .؛. من وراء هذه الفلسفة اختارتِ الروايةُ اهدائها بكل ذكاءٍ وفطنة.

- منْ وما هي حاموت؟

تُشير الروائية الى حاموت أنها مدينةٌ كونيةٌ، وتقول: ( .. أن حاموت ليست مدينتي، إنما مدينة كونية .. ص 27)، أي أنها غير محدّدة بخريطة أو حدود أو بلد .. ليست مدينة خاصة،وهي تعرفُ ناسها وأخبارها عبر الوسائل العلمية الحديثة ووسائل الإعلام المتطورة في نقل الخبر.

وحاموت لها تاريخُها، فقد كانتْ رحبةً كما أطلقها خالقها بساطاً،لها أشبارها وطنينُها، نهارُها وليلُها، خضرتُها وماؤها، فيها شواهد القبور والأحياء، فيها الأشراف والخونة .. وتحمل الذكريات الجميلة لإبنائها، حينما كانتْ ملاذاً وحضنا للطفولةِ والشباب، وأيام المدرسة وشقاوة الصّبا ..

ثُمّ كيفَ أصبحتْ (حاموت) مكتظةً بالدخلاء الذين أفسدوا الحياة الجميلة فيها، وراحوا باسمهم وبإسم الله يحصدونَ الأرواحَ ويحلّلون قتلَ المخالف لهم وتكفيره(ص 39) .. فلدى "حاموت" زعماء مغرورين ومهزومين. وأصبحت أعوادَ مشانق لأبنائها، وناموسها نصرة الغني على الفقير، والقوي على الضعيف، حتى أصبحت نتيجة لهذا النظام والقوانين، أصبحت "حاموت" اشباراً، أي مجزأة، تعدّدتِ الأشبارُ، فكانت "حاموت" الصغرى والكبرى .. وسلّطتْ على رقاب الناس، المخذولين والظالمين .. أمّا الناسُ في "حاموت" فهم أفاعٍ، ديدنهم الحصول على النقود والركض على المال الحلال أو الحرام مهما كان نوعه وجهته، ونظامهم الغاية تبرر الوسيلة(ص 57). واستبدّ الناسُ في "حاموت" وعاثوا في نفوسهم قبل العبث بالآخرين .. وظلَ الناسُ في "حاموت"ناقصين يحتاجون شخصاً ينحنون إليه، إلى طغيانهِ .. و"حاموت" الصغرى أو الشبر، حينما تقارنها بالأشبار القريبة، كيف خلقوا أنفسهم من العدم، من صحراء قاحلة الى بلد العمارات والبنايات الفارهة (ص89) ..

في عصر العولمة، والتكنولوجيا الحديثة، حيثُ تتطور وتُبنى الأشبار في حاموت الكبرى، وهبتْ "حاموت" الكبرى أشبارها الموزّعة وخصوصا الجنوب (وتعني القسم الجنوبي للأرض- وهو جزء الفقر والأمراض والتخلّف)، صدّرت المتخلفين والظلاميين .. وصدّرتْ كلّ الأمراض، والمخدّرات فتعاطاها الشباب عوضاً عن التسكّع والبطالة. والناسُ مشغولون بهمومهم اليومية،حتى الجار باتَ غريباً عن جاره. وأخيراً .. فإنّ حاموت قد أصبحت في النهاية مدخنة متصاعدة.

 

ثانيـــاً: الشّبح:

تقرأ الرواية، فتجدُ الرّاوي لا تستقرّ رؤاه أو أفكاره عند هذا الرّكن المهم من الرواية، وتحس ذلك وتتلمسُهُ من تردّدهِ، تخوّفهِ، لذلك يذكرُ لهُ مسمّياتٍ عدّةً، فتارةً يُسمّيهِ: الشيطان، وأخرى: الشبح، وأخرى: المحجوب. فعدم الوقوف على شكله وتماهيه بأكثر من صورةٍ وأكثر من معنى، يجعلُ الحيرة والقلق يسيران بهِ لإبتداع مسميات يعتقدُ أنها لا تحمل معناه بالكامل بل هو مزيج من هذا العام، الذي يتوزع بين الشيطنةِ والقداسةِ،فهو شبحٌ لايراه بل يحسّهُ، وتارةً يرى آثاره (ابهامه، بصمته، ضحاياه)، .. وتنقسم صورة الشبح على قسمين: آ/ الشبح أو الشيطان العِلوي. ب/ الشبح أو الشيطان الأرضي.

ومن خلال الرواية نقرأ ونرسم صورة هذا الركن الثاني من أركان الرواية:

آ/ الشبح والشيطان العِلوي (عزيز) ..

1- يلحّ الراوي في أسئلتهِ وتساؤلاتهِ حول ما هية هذا (الكائن)، س/ منْ وراءَ حضورهِ وغيابهِ؟ س/ منْ يقودهُ الى غرسِ سعارهِ بالمدينةِ ابتداءً من الإنسانِ الى الحشرة؟ (ص:12).

2- صورتهُ الأولى شبح: .. رأيتُهُ يمرقُ مسرعاً ليضعَ ابهامه على شاهدةِ قبرٍ جديد، لم يرَهُ أحد، لكن:لماذا يظهرُ لي مخلفاً اسئلةً تتغرغرُ في حنجرتي؟ (ص12).

3- آثار الشبح: لاحَ لي الإبهامُ الكبير ذاتهُ، ابهامُ الشبح، .. بصمات ابهاماتٍ مختلفةِ الحجمِ على أبواب دور "حاموت" .. ثمةَ بصماتٌ أصغر من الأخرى .. (ص15).

4- شكل غامض: .. ورأيتُ شكلاً غامضاً يلوّحُ لي .. كانَ بلا وجه، يحاولُ أن يتلمسني، لكنني جمدتُ في مكاني، لم أدرِ ما أقولُ، فجأةً شاهدتُ أشياءَ غريبةً .. ربما هو مجرّدُ شبحٍ لشخصٍ ما، يتألمُ مثلي ويملكُ معياراً من الإنسانية، ويقدّرُ الذي أمرّ بهِ الآن .. (ص 17، 20).

5- صورة شيطان: .. انتشرتْ في المدينة أشاعاتٌ عن وجود شيطان يظهرُ في الليل ويختفي في النهار. أحدهُم أجزمَ أنهُ رآهُ يعتلي حصاناً خشبياً .. .

6- صورة طنطل: .. بينما الصّبيةُ قالوا أنهم شاهدوا شخصاً طويلاً جداً، بحيث لم يستطيعوا الوصول الى رؤية رأسهِ، ذو قدمين كبيرتين كأنهما المسحاة، وساعدين يسحّان خلفهُ كمن يجرّ ساتراً كبيراً .. (ص 23).

7- مساعدو الشيطان، وحجمهُ: .. ربما للشيطان مساعدين يعينونهُ على نقل هذه الأمراضِ وينشرونها .. أو هو كبير الى درجة تصبح الكرة الأرضيةُ بين يديهِ بحجم الدّرهم.

8- الزمن لدى الشبح: .. والشيطان أو الشبح، هو المركبُ الوحيدُ الذي يبحرُ فينا الى زمن ما .. وبوجودهِ لا زمن مطلق .. (ص: 26-27).

9- أقنعةُ الشبح: .. أزحْ قناعكَ، فنحنُ في زمن الأقنعة .. كلهم مقنّعون، وكلهم نائمون وحدكَكَ اليقظ. (ص:33).

10- المحجوب: .. بتّ أسمعُ خطواتِكَ أيها المحجوب، لا أدري هل أسمّيكَ الشبحَ أم المحجوب؟. (ص:33).

11- حضور الشبح: سمعتُ شيئاً مثل حفيف الشجر، أو أطراف ثوبٍ طويلٍ تخطفُ ريحُهُ قربي .. تمسّكتُ أكثرَ وشددتُ كلّ قوتي .. أزدادَ الحفيفُ قرباً منّي وأدركتُ لحظتها أنني سأحتفلُ بحضورهِ .. (ص:33-34).

12- تجسيد الشبح(صورة إنسان): أصبحَ بذراعين وعينين،وأنفاس تصعد وتنزل، .. سمعَ الرّاوي أنفاساً قوية تحفّ برقبتهِ، تطايرَ شعرهُ وبدنهُ .. ويقولُ: حتى رأيتُهُ جالساً أمامي .. ثم يحاورهُ الشبح الذي أصبح بصورة إنسان: .. أنا الآن أمامكَ ما الذي تريد معرفته؟ لقد أرهقتني بتساؤلاتكَ وإلحاحكَ على رؤيتي، وها أنا ذا ألبسُ زيّ رجل وأكلّمُكَ. قلتَ سابقاً: لنتقابلَ رجلاً لرجل ونحنُ معاً الآنَ يا صاحبي. (ص:34).

13- صفات الشبح: متناهٍ في الغرور بنفسه، طويلُ القامةِ مديدُها،ممشوقُ القوام، ضامرُ البطن، جميل، تُخرسُ الراوي عيناهُ لمجرد النظر إليهما، فلهُ نظرةٌ تخترقُ الأبدان والقلوب،وتسحبُ الجلدَ من العظم .. ومن عاداتهِ اختراق الحواجز .. ويعرفُ ما في السرائرِ والنّفوس، ويعلمُ ما في ذهنك وتفكيرك قبل النّطق والتطبيق .. لا يعرفُ الشبحُ غير الصراحةِ، وليس من طبعهِ المبالغةُ والكذبُ والتخفي بجلود أخرى ووجوه أخرى، بل هذه أطباع أهل "حاموت" .. (ص:49).

14- ملابسهُ: .. لفّ رداءَهُ عليهِ واختفى بلمح البصر .. (ص:49).

15- القسم، الوعد، احترام الوقت: أبناء "حاموت" لا يحترمون الوقت والوعد، ويقسمون القسم الكاذب ويتخلون عنه بثوانٍ، ويقسمُ أبناء "حاموت" بالدين والله والشرف، وبتطليق النّساء .. وهذه الصّفات والمعاني غير موجودة في عالم الأشباح، فهم يلتزمون بالقسم، ويحترمون الوعد، فالوعدُ سيفٌ يضعونهُ على رقابهم .. (ص: 82).

16- أسماء الشبح: .. أسماؤنا تختلفُ عن أسماء(أهل حاموت) فأنتم تدنسون الأسماء بأفعالكم صادق( وهو كاذب)،جميل( وهو قبيح)، طاهر( وهو نجس) .. .،.

17- أصحاب مبدأ: الأشباح أصحاب مبدأ واحد وطاعة واحدة وجلدة واحدة، فهم في الأعالي ولا تصلهم حشرات وأمراض مجتمع" حاموت".

 

ب/ الشيطان أوالشبح الأرضي:

لقد اعتادَ الخلقُ على مرّ العصور بوجود خوفٍ من المجهول منذ الخطوةِ الأولى على الأرض، فكان الإنسان يرسمُ خوفه على جدران الكهوف، معتقداً أن هذه التميمة، واللعبة التي يضعُ أشمالها وألوانها ستجعلهُ يتغلبُ على كل أسرار المكان والزمان؛ بل وتجاوز ذلك بعد حين ليؤلفَ اساطيرَهُ وملاحمَهُ وخرافاتهِ التي تعبرُ عن فكرهِ وثقافتهِ وكيفية تعاملهِ مع هذا الهاجس إن أردتَ أن تُسمّيهِ الخوفَ أو المجهول .. لكن هذا الخوفُ من قصص الجن والعفاريت والشياطين أضحت هيّنة ويسيرة بعد تاريخ طويل من التروّض عليها، لتظهرَ بعد ذلك شياطين وأشباح تأكل معك، وتنام معك، وتعمل معك، تعيش وأياك في نفس الشبر؛ تلك هي الشياطين والأشباح الأرضية التي لبستْ جلود آدمية وأرواح شرّيرة؛ خلقها الإنسان ذاته في ذاته نتيجة ظروف وطبيعة اسماها منْ أوجدها التطوّروالبقاء للأصلح .. وهكذا .. . فصورة الشيطان والشبح والصنم الأرضي كما رسمتْهُ الرواية يتمثل:

1- شياطين القوت اليومي: هناك شياطين بشرية تسلّلت كي تعبث وتمنع القوت اليومي لبطون الجياع؛ بل وتسهم في ايجاد أزمات الماء والكهرباء والوقود وفق برامج تجعل من الناس تدور زمانها وعمرها وهي لاتعلمُ أين وصلت وأين ستذهب؟؟وماذا جنتْ؟؟ ..

2- شياطين وأشباح فض التعايش السلمي: حيثُ الحروب والقتل على أساس لون البشرة؛ والعِرق، والدين والمذهب، ..

3- شياطين وأشباح الحكومات الأرضية: حيثُ تتغيّرُ الأفكارُ والمباديء والقناعات كل يوم،وتسيرُ الأجسادُ الآدمية كيفما تقتضي المصلحةُ وكلما يستجدّ شيء في الساحة. (ص:39).

4-أصنام أرضية مقدّسة: تتهاوى في كل عصرٍ وزمانٍ أصنام وتحلّ مكانها أصنامٌ أكثر عدداً وأفتكُ بطشاً، فطبيعة الإنسان المجتمعية الشعورُ بالنّقص،فيحتاجون الإنسان الأكبر والأقوى والأعتى ليسترون بهِ ضعفهم وعوراتهم؛ حيث يتخيلون أشباحَ كبيرة وقوى خارقة ستضربهم في أي وقت، فلأجل الحفاظ على حياتهم وممتلكاتهم لابُدّ أن يكون هناكَ منْ ينحني الجميع اليه، ويمثّلُ سلطة الآلهة.

5- أشباح تكنولوجيا حديثة: تطوّرتْ هذه الأشباح مع تطوّر المجتمعات وعقولها، حتى أصبحت هذه الأشباح تطاردُكَ في عوالم شبكات الأنترنيت وكل وسائل الإتصال الحديثة، لتجعلكَ عبداً وخاضعاً لها، تكشفُ كل أوراقك وحساباتك واسرارك؛ وتخترقك أينما تكون وحيثما تكون ..

 

ثالثــاً: شجرة "حاموت"

ارتبطتِ الشجرةُ بالمقدّس في كتب الأديان كافة؛ ولهذا فقد ارتبطَ وجودها بوجود الخير والسلام والمحبة، وحُرّم على البشر قلعها، بل عليه قلع داره وتهديمه أو حتى دور العبادة دون المساس بغصنٍ من أغصانها؛ فقال سبحانهُ في كتابهِ: (ألم ترَ كيفَ ضربَ اللهُ مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها ثابت وفرعها في السّماء.) سورة ابراهيم:14/الآية 24. وقولهِ تعالى): (وشجرةٍ تخرجُ من طورِ سيناءَ تنبتُ بالدّهنِ وصبغٍ للآكلين). سورة المؤمنون:23/ الآية 20. وكذلك ارتبطتِ الشجرةُ كوناً كائناً في الأحاديث القدسية والأحاديث النبوية الشريفة؛ وما تحملهُ أيضا من معانٍ في الشجرةِ التي حضّ عليها –سبحانه- آدم وحواء ألا يقرباه: (ولا تقربا هذه الشجرةَ فتكونا من الظّالمين.) سورة البقرة: 2/ الآية 35. وما تعنيهِ سدرة المنتهى، من علامات أخروية، .. وهكذا .. فنزلت هذه الشجرةُ في الرواية بصورةٍ تتكلمُ عن ظلمها وظلامتها، وما فعلَ بها أهل "حاموت"، في صورٍ نقتطفُ منها:

1- شجرةُ الأجداد: هي إرثٌ تركها الأجداد؛ وصورتُها المهيبة العالقة في الأذهان؛ إلا أن أهلَ "حاموت" لم يعتنوا بها، وأصابها الجفاف واليباس؛ بل وهبّ الحطّابون من كل الأقطار ليقتلعوها من الأرض، ويجعلونها وقودهم. (ص:11، 25).

2- عقاب الشجرة: هل خلقَ اللهُ في دواخلنا شجرة أخرى ويمتحنُنا؟ و"حاموتُ" ماذا أكلت كي تُعاقبَ؟ .. وشجرةُ "حاموت" تتغذى الآن على الجثث، على الجرحى والمجلودين، وعرق المساجين، المضروبة أعناقهم والشهداء.

3- الشّجرة العتيقة المقدسة: كفّتِ النسوةُ من الذهابِ الى الشجرة والتّبرك بها ومسحها بالحنّاء، ولم تعُدْ رائحة البخور تعبّ منها كلّ خميس .. وذلك لأنها مسكونة بالأشباح .. (ص: 25).

4- أوراق الشجرة: لم تعُدْ تورقُ كسابقِ عهدها، ولم تمتدْ أغصانها الى الجهات الأربع بل بقيتْ على حالها السابق، مشرعةً ساقها الممتد الى الجذر المعانق للأرض وتتطلع في وجوهنا.(ص: 25).

5- شجرة الذكريات والمحبة: يقول الراوي،انهالتْ عليّ الذكرياتُ الجميلة وأول قبلةٍ تحت ظل تلك الشجرة المسكونة .. .أتراها ستمضي الى شجرتِنا وتنحبُ على حبها الأول؟ .. (ص: 29-30).

6- شجرة العالم العلوي: في رحلةِ الراوي مع الشبح لمشاهدة نهاية هذا العالم، يقول: .. تضاعفَ تألق المكان بألوانهِ المختلفةِ النور والتوهج .. رأيتُ نفسي معلّقا فوقَ شجرةٍ كبيرةٍ جرداء، تساقطتْ أوراقُها كلُها إلا ورقةً كبيرةً واحدةً، اختبأتُ خلفها مندهشاً مما أرى. (ص: 100) .. .كنتُ ملتصقاً بالشجرةِ وشاهدتُ كل شيء حتى صرختك. (ص: 103).

وقال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: (فلمّا أتاها نودي من شاطيء الوادي الأيمن في البقعةِ المباركةِ من الشجرةِ أن يا موسى إني أنا اللهُ ربّ العالمين.).

رابعاً: الرّاوي

هو الشخصية المحورية في الرواية(صورة البطل –محمّد-) هو الذي يحرّك الأشياء والمواقف ويضع القاريء في صورة الحدث وكل المتغيرات والإنتقالات، هو الكائن التساؤلي، الذين يثخن العالم المخلوق في الرواية بالأسئلة، هو الذي رأى كل شيء دون جميع منْ حوله .. هو الذي يتحسّس حتى النسمات، ويميز ما بينها، هو الذي يحاورُ الماورائيات ويعبرُ عالم الشهادة الى عالم الغيب. هو الذي رأى وروى كلّ ما رأى ..

الرّاوي الرّافض لكل ما يعيشهُ ويتعاملُ فيه مع أهل "حاموت". ولسان حاله يقول: هؤلاء الأتباع ماهم إلا قومٌ عجزةٌ لا يحبون العمل والجد، ويسيرون خلف أهوائهم الجنسية وأعضائهم الشبقة، استحلوا يوما لاعملَ فيهِ، يأكلون وينامون ويعاشرون ويشربون .. إذن هو مجتمع عاطلٌ وشبقٌ فاسد .. ثم يردفُ فيقول:

نحنُ أبناء الزنا الكوني .. ألسنا من أب وأم إخوة؟ كيفَ تكاثرنا وأصبحنا أقواماً؟ .. نحنُ ابناء الزّنا الأول .. وأكثرالقوانين التي سنّوها كانت من مصلحة شخصية تصبّ أولاً وأخيراً لصالحهم .. وحتى في المجتمع العاطل سيكونون في عليّين .. يعني سنبقى المرتبة الثانية أو الثالثة .. وربما الأدنى .. .

 

المبحث الثاني فلسفة الموت في "حاموت"

-التمهيــــد:

قبل الولوج الى عنوان المبحث الثاني، لابدّ لنا من توطئةٍ تاريخيةٍ لفلفسةِ الموت بصورة مختصرة تمهيداً لفلسفة الموت في "حاموت".

الموتُ ذلك القلقُ الذي ظلَ هوس الإنسان منذُ ولادتهِ ونزوله الى الأرض، وظلّ يبحثُ عن أسرار الخلود والبقاء ليتشبثَ بالحياة، أو بحياة ما بعد الموت. ومن ذلك نرى في التاريخ القديم ما يعتقدهُ الإنسان القديم من العودة للحياة بعد الموت وقد تم اكتشاف عدد من المقابر التي فسّرت فلسفة الموت عند سومر وبابل، فقد اكتسبت (مقبرة اور الملكية) Royal Cemetery شهرتها بفضل آثارها النفيسة. وتعود أغلبية هذه القبور إلى عصر فجر السلالات الثالث. تضمنت ما يناهز 2500 مقبرة بشرية، وشخصت من هذه القبور ما لا يقل عن ستة عشر من القبور الجماعية التي ضمَّت كلاً منها عدداً من الشخصيات الحاكمة: ملوك وملكات وأُمراء وأميرات وجدوا مقبورين مع حاشيتهم وأتباعهم ومتاعهم وأثاثهم. ولم ترد في النصوص السومرية أو المسمارية ما يميط اللثام عن حقيقة هذه المقبرة باستثناء إشارات مقتضبة وردت في إحدى الأساطير السومرية (اسطورة موت كلكامش).

وكان كلكامش، بصفته شخصية تاريخية، عاش في الفترة الزمنية لأِحد ملوك المقبرة (ميسكلام- دك). جاء رأيان لتفسير طبيعة المقبرة: الأول يعود لمكتشف المقبرة (وولي) يقول أن الحكام السومريين كانوا في فترة قديمة من عصر فجر السلالات (2600- 2550 ق.م) يمارسون عادة التضحية بِأتباعهم ليُدفَنوا معهم بعد موتهم. وأن أُولئك الأتباع الملحودين كانوا يدخلون إلى قبورهم أحياءً ثم تُقتل الحيوانات من جانبهم، ويتناولون، بعد ادخال جثة سيدهم، سموماً كانت تُهيأ لهذا الغرض، وكان الدفن يجري في احتفال ديني. ويربط الرأي الثاني تفسير هذا الإنتحار الجماعي بما كان يُمارس في فترة ما من عصر فجر السلالات من شعائر: الزواج (الإلهي) المقدس، حيث يتم بموجبها اختيار الملك أو الحاكم أو الكاهن الأعلى ليمثل إِله الخصب (دموزي/تموز) ويتم اختيار الملكة أو الكاهنة العليا لتمثل الآِلهة (انانا/عشتار) ويقومان بشعائر هذا الزواج في بدء كل سنة جديدة لإِحلال الخصب والخير، ثم يُسمّان مع أتباعهما ويُدفنون في احتفال مهيب، وذلك ارتباطاً بعقيدة القوم الدينية. ويضيف هذا الرأي أن عادة التضحية البشرية هذه لم تستمر ممارستها في حضارة وادي الرافدين لاحقاً. وجِدَتْ في المنطقة وخارجها ممارسة مثل هذه الطقوس (التضحية البشرية): قبور كيش (عصر فجر السلالات)، الموقع الأثري (نوزي).

ثم يستمر المفهوم الميثولوجي عبر العصور حول مفهوم الحيا-موت،يتطوّر ويحفر في ثقافات الأمم والشعوب ..

أولاً– صور الموت في حاموت:

لقد نسجتِ الروائيةُ صوراً متعدّدة تنسجم والواقع المعاش للموت، فالموت في "حاموت" لم يكن ذا نوع واحد، أو طريقة أو صيغةٍ بعينها، بل كان متنوعاً تنوّع الحياة،بكل تفاصيلها، فقد انمازتِ الروائية هنا عن الروائيين الآخرين عرباً وأجانبَ بنظرتها للموت – خصوصا- في "حاموت" التي ارتبطت بها كل الأحداث.

وتوزّعَ الموتُ في الرواية بصورهِ وأشكالهِ كما في التقسيم التالي:

آ/ صور موت الطبيعة والكائنات الحيّة:

1- موت الأشجار: نقرأ في الرواية تساقط أوراق الأشجار، وموت الأشجار جرّاء معاول وفؤوس الحطّابين، لإستخدامها وقوداً، أو بناء الدور وكراسي(الزعماء).

2- موت الصراصير والحشرات والديدان: تكون صورة الموت تحت أقدام العابرين أو تُحشرُ في أغصان الأشجار فتلتهمها أو تموتُ خنقاً، أو تكون صورة الموت لها باستخدامِ المبيدات الفتّاكة.

3- موت القمر، البرق، الكواكب: ويكون الموتُ تحت لطمات السكون وتلمعُ كيفما قُدّرَ لها منتظرةً أن تلقي حمل أضوائها وتستريح. وصمتُ الشمسِ خيرُ دليل على عدم معرفتها بيومها المؤجل.

4- الموت جوعاً وعطشاً: من جدبِ الأرضِ وموت وفناء الزرع، وجفاف الأنهار، يولد الجوع والعطش، ومن الفقرِ وعدم وجود العدالة الإجتماعية يولدُ الجوع والعطش، فتكون هناك جيوشٌ من الأطفالِ والنساء والشيوخ الجوعى.

5- موت الحيوانات والطيور: حينما تزداد حمّى الإشاعات والإعلام، والمزايدات السياسية والحروب الإقتصادية، ظهرتْ أمراض قاتلة روّجت لها معظم المؤسسات والمنظمات، والصحية منها، التي نشرت تقاريرها حول نسب مرض جنون البقر، وانفلونزا الطيور.

6- موت الزهور: براعم النرجس العارية إلا من البراءة والطفولة والتي يتم قطفها برعونة .

7- غضب الطبيعة: تموت أعداد كبيرة من البشر وبقية الكائنات جرّاء الأعاصير ومنها أعصار – ساندي- الذي أصاب كندا وأمريكا.

8- موت القطط: تذكر الرواية صورة القطط (وما إن توجّهتُ صوبَ القطط حتى وجدتهم نائمات وكأنهن في عرض خاصٍ لمواجهة مصير جديد. ص37).

9- موت العناكب: تقول (.. واستخرجتُ بعض أكياس من الشاي، كانَ على باب المخزن عنكبوت محشورة بين خيوطها. حاولتُ إزاحتها، لكنها لم تتحرك ..)، (.. حتى العناكب لم تسلم منك اليوم. ص 37).

 

ب/ صور موت بني البشر:

1- الحروب: ضحايا الحروب والقتل الجماعي في مجزرة قنابل (هيروشيما) آلة الحرق والتشويه الخلقي، وضحايا الحربين العالميتين الأولى والثانية(ص 19).

2- أمراض البشر المختلفة، نتيجة تلوّث البيئة واستخدام آلات الحروب الحديثة والتقنيات الحديثة، كالسرطان وغيره.

3- موت مجتمعي: نتيجة التطور التقني والتقدم المعلومات ظهرت أوبئة وأمراض مجتمعية خطيرة، مشاكل وأمراض نفسية، ولإنتشار قيم أخلاقية جديدة منها الزيف، الحقد، الكره، الرشوة،السرقة، وسرقة الأطفال، المتاجرة بالأعضاء البشرية، تجارة الأطفال والنساء، .. .

4- الأزمات: نتيجة للتقدم وماتبعه من حاجات ومستلزمات ظهرت أزمات منها، أزمة الطاقة، شحة المياه التي تنذر بحروب مياه قادمة، تهديد الأمن الغذائي .. .

5- ذوي الحاجات الخاصة والمجانين والمسنين والأيتام: ظهرت في المجتمع الجديد طبقة جديدة وهي ذوي الحاجات الخاصة، التي تعاني من الإهمال والقهر، فضلاً عن طبقة المجانين ومصحاتهم، ودور المسنين والأيتام الذين ظلوا بعيدا عن رعاية المجتمع، وطالتهم يد العزلة والموت.

6- صور موت مختلفة في أركان الرواية منها:

آ/ الموت البشري الأول: موت العامل العائد من عملهِ في القاطرة، عادَ مبللاً بالمطر، خبّأ هديةً لعيد ميلادِ طفلتهِ الوحيدة التي جاءت بعد انتظار عشر سنوات، مات في أول خطوةٍ له لعتبةِ الدار .. (ص13).

ب/ موت طفلة جار محمّد: (.. صحوتُ على صوتِ جارنا، كانَ خائر القوى ينظرُ الى رحيل طفلته في العتمة منحشرة في تابوتها الصغير .. ص 14).

ج/ عزاء "أبو حامد": أربعة توابيت تنتظر الدفن، لأربعة جثث محترقة لم يتعرّف عليها .. (ص 18).

د/ هجرة البشر في العبّارات والسفن، وماتواجههم من نكبات وغرق للمراكب والسفن ليصبحوا وليمة لأسماك القرش .. (ص64).

هـ/ الموت انتحاراً:حادثة المرأة التي رمتْ اثنين من أولادها في النهر، وربطتْ رضيعها على خصرها .. (ص91).

و/الموتُ اغتصاباً: حادثة موكب عرس في "حاموت" حيث تم ذبح الرجال واغتصاب العروس أمام أعينهم .. ويقول الراوي-محمد-: .. أين أنت منهم ومن شيخ المسجد، هل تعتبرهُ كافراً حين يأوي قتلة وتتم جريمة الإغتصاب في مسجده وأما عينه؟ .. .. (ص:32).

ز/ الموت المتطور الحديث: موت المفخخات والأحزمة الناسفة،وعصابات القتل على الهوية،والتهجير القسري، .. .

ثانيــــاً/ الميثولوجيا في الرواية.

تتّكيءُ الروايةُ شكلاً ومضمونا على الموروث الديني، من الغلاف الى الغلاف، على الخطيئةِ والدنس الذي ابتدأ في العالم السفلي منذ الشجرة والتفاحة الأولى لآدم، وحتى أول جريمة قتل في التاريخ الإنساني، قتل قابيل لأخيه هابيل. ولأكبر وأعظم رحلة في التاريخ الديني عامة والإسلامي خاصة، معجزة افسراء والمعراج،التي أطّرتها الرواية برحلةٍ مغايرة من ناحية الشكل والمضمون حسب رواية الراوي-محمد- ولننتبه الى سر اختيار تسمية الراوي(محمّد) ومافيهِ من إشارة ودلالة وتلعب في الرواية لعبة الدال والمدلول، وانزياح القصص القرآني ليلوّن الحدث وليعطيهِ ثيمات تكاد أنتتناسل للتعبير عن دوران الأحداث وتصاعدها باسلوب دراماتيكي أخّاذ، يبعثُ في ذات المتلقي ضرورة استمرار القراءة وعدم الوقوف عند صفحة أو فقرة محددة، فكانت آلات التشويق وبث الحماس وعنصر المفاجأة والتغريب.

آ/ عقوبة أكل التفاحة: .. هل تشهدُ تفاحةُ آدم على إثم مبتكر؟ تفاحةٌ واحدةٌ غيّرتْ مسيرةَ آدم .. .هل خلقَ اللهُ في دواخلنا شجرةً أخرى ويمتحننا؟؟

قالَ- سبحانَهُ-: ((ولا تقربا هذهِ الشجرةَ فتكونا من الظالمين.)) –سورة البقرة: 2/ الآية:35.

ب/ الرّحلةُ: قال -سبحانهُ-: (إيلافهم رحلةُ الشتاء والصّيف) سورة قريش: 107/ الآية:2. وقالَ- سبحانهُ-: (سبحانَ الذي أسرى بعبدهِ ليلاً من المسجد الحرامِ الى المسجدِ الأقصى الذي باركنا حوله لنريهِ من آياتنا إنهُ هو السميع البصير.) – سورة الإسراء: 17/ الآية:1 .. هي الرحلةُ الكونيةالتاريخية التي قام بها الراوي-محمّد- مع الشبح-عزيز-، كي يريه الخطيئة الإنسانية واسباب هذه الفوضى والحروب والفساد الذي عمّ "حاموت". وفيها يرى قصصا وأحداث منها قصة الشابين( يعني: قابيل وهابيل) .. يقولُ الراوي: أغمضتُ عينيّ مستسلماً الى صوتهِ، عصفت جسدي عاصفةً هزّتهُ هزاً ودوامة هواء وأصواتلم أتعرف عليها من قبل، .. .(ص67).

ج/ الدنس الأول والقتل الأول: جريمة القتل الأولى ولدي سيدنا آدم –عليه السلام- وعلى لسان الراوي-محمد-: غابةٌ كثيفةٌ ولا أحد فيها غير شابين، يتحدثان الى بعضهما، أحدهما بان عليهِ الورع وبصمت ملامحهُ التقوى بالهدوء، والآخر تجسدتْ فيهِ معالمُ الشّر كلها .. .. أغوتهُ نفسه وأحبك خيوط الضغائن على أخيهِ، فدفعهُ من أعلى مرتفع، حاولَ أخوهُ التعلّق بأغصان شجرةٍ كبيرةٍ متفادياً السقوط، لكنهُ دفعهُ مرةً أخرى حتى سقطَ أرضا بلا حركة .. .. (ص: 68).

قالَ –سبحانهُ-: (وآتلُ عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قرّبا قرباناً فتُقبّلَ من أحدهما ولم يُتقبّل من الآخر قالَ لأقتلنّكَ قال إنما يتقبّلُ اللهُ من المتقين ..) .. وقالَ -سبحانهُ-: (فطوّعتْ لهُ نفسهُ قتلَ أخيهِ فقتلهُ فأصبحَ من الخاسرين.) – سورة المائدة: 5/ الآية: 27.

د/ قصة الغراب: قالَ- سبحانهُ-: (فبعثَ اللهُ غراباً يبحثُ في الأرض ليُريهُ كيفَ يواري سوءةَ أخيهِ قالَ يا ويليتي أعجزتُ أن أكون مثلَ هذا الغرابِ فأواري سوءَةَ أخي فأصبحَ من النادمين.). – سورة المائدة: 5/ 31.

 

الخاتمة

لقد نجحتْ الروائية في ربط الواقع المنظور والتطور التكنولوجي التي وصلت اليه حضارات الأمم وربطه بمفاهيم عقائدية دينية وحوادثها بدالّها ومدلولها، وحبكت رسالتها ضمن مكان لا يحدد بجغرافية وتضاريس، بل هي رسالة كونية، رواية تضع أصبعها على الجرح الإنساني بكل مستوياته الثقافية والدينية والعقائدية، وتحذّر من الآتي، صورةُ ماضٍ نتائجهُ أمام أنظارنا، وصورة مستقبلٍ تراهُ هي بمنظورها هي وفق تسلل تاريخي مع الأحداث ووفق موضوعية في دراسة ما يكون، وقد صورت لنا صور صراعات الحيا-موت، صراعات السادة والعبيد، الأعلى والأدنى، بل وحلّلت ما يدور في الأشبار من "حاموت" الكونية من مزايدات وما يظنه البعض ربيعا، بكل جرأة وبكل منطقية تعتمد العقل وتحتكم لأدوات تعتقدها أنها ناظورها وبوصلتها لمستقبلٍ سيكون على صورة "حاموت" ..

 

د. وليد جاسم الزبيدي

العراق- بابل

...................................

المصادر والمراجع

*القرآن الكريم.

1- تفسير القرأن الكريم، السيد عبد الله شبر، دار احياء التراث العربي-بيروت، ط1، 2007م.

2- العولمة-دراسة تحليلية- عبد الله عثمان-وعبد الرؤوف آدم.

3- مقدمة في أدب العراق القديم، طه باقر، دار الحرية للطباعة-بغداد، 1976م.

4- مقدمة في تاريخ الحضارات- تاريخ العراق، طه باقر، بغداد، 1951م.

5- المعجم الوسيط، ابراهيم أنيس ومجموعة من الأساتذة، دار أمواج - بيروت، ط2، 1987م.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2750 المصادف: 2014-03-17 00:40:24


Share on Myspace