المثقف - قراءات نقدية

حكاية من بغداد للروائية .. أثيل ستيفانادرور

nabil alrobaeiالروائية أثيل ستيفانادرور عالمة آثار بريطانية أختصت بالدراسات المندائية واليزيدية، وهي إبنة رجل دين مسيحي، كتبت أثيل مجموعة من الروايات الرومانسية، فقد صدرت الرواية عن دار ميزوبوتاميا للطباعة والنشر ترجمة الباحث زهير القيسي أحمد، الرواية تحتوي على 363 صفحة من القطع المتوسط وتحتوي على 34 فصلا ، تحكي عن واقع العاصمه بغداد وهموم الارمن فى عهد الوالي العثماني محمد باشا، الرواية تبين زياره لأحد البريطانيين المدعو ديفيد لعمه البريطاني الثري آلذي يعمل فى العاصمه بغداد و آلذي رحل عن الحياة قبل لقاءه، فيصف حال العاصمه بغداد وطرق التنقل بين البصرة وبغداد عن طريق نهر دجلة بالمراكب التجارية الانكليزية، فى تلك الفترة كان الاضطهاد المستمر من لدن الدولة العثمانية للأرمن وخوف هؤلاء فى بغداد من انتهاك الجيش العثماني لأبنائهم و هتك أعراض النساء من وسرقة دورهم وأموالهم، الروائية تصف محلات بغداد وأزقتها من (عكد النصارى) وكيفية تنظيف المدينة بوسائل بدائية من نقل القمامة المكدسة فى أزقتها ص 19 "هناك في الانتظار أن يأمر مسؤول في البلدية زبالا ليحملها بعيدا على حماره الذي لا تتسع له الأزقة إلا بالكاد، أما ما تبقى من القمامة فتتكفل الكلاب السائبه بها ".

تذكر الروائية اثيل واقع حال النسوة المسيحيات فى بغداد ففي ص 20 تصفهن "فأزارهن الحريرية مطرزة بخيوط الذهب تطريز يد والفضة، وتغطيهن من رؤوسهن إلى أقدامهن، حتى لا تكاد تتبدى معالم أجسادهن سوى بعض العجائز اللواتي أنكشفت وجوهن .... فمن السهل جدا تمييز المسلم عن المسيحي وعن اليهودي رجالا ونساء بثيابهم ويمكنك أيضا تمييز الكردي والفارسي عن سواهما، وزد على ذلك فيما يمكنك تمييز التركي الطوراني الشاب عن العثماني من الحزب القديم عن طريق ملاحظة وضع طرابيشهم على رؤوسهم ... وهو مائل على الجبهة أو مائل إلى الخلف! ".

الرواية تصف مرحلة مهمه من تاريخ وبغداد والعلاقات الإجتماعية بين أبنائها ذات الديانات والمذاهب المتعددة، كما تصف واقع حال العلاقات بين أبناء بغداد عند رحيل آحد أبنائها عن الحياة مهما كانت ديانته ففي ص 22 تبين الروائية حالة الحزن والبكاء عند النسوة وهي تخاطب إبن حماها ديفيد "فثمة بعض النسوة البائسات القادمات كان عمك رحيما بهن وها قد جئن إلى هنا لينحبن وينتحبن، أليس ذلك وحشية ... خذ مثلا هؤلاء النواحات ... إن عمتك تتحملهن لأن عمك رقيقا بهن، أما لدى أهل بغداد (البغادة) فهن مألوفات ويسموهن (العدادات) وهن محترفات لطم الصدور والنواح وتعداد مناقب الميت وفضائله ... ".

تصف الرواية أحياء بغداد وسكنتها من الأثرياء ومنها ص 30 "وفي الكرادة يسكن الأتراك واليهود والمسيحيين لهم حضورهم الصيفية" ذلك هو حال طبقات بغداد الإجتماعية وحالات أبناء الأحياء الفقيرة مثل عكد النصارى والبتاوين وبين أحيائها الأخرى، كما تصف الرواية محلات بغداد وحوانيتها بما فيها من انواع الفاكهة والحبوب والبقوليات، لكن بغداد عند الغروب تصفها الروائية أثيل هي الأجمل ص 33 "في ألوان الغروب كأنها مدينة مصورة في كتاب حكايات خرافية بنباتها ومسطحاتها المواجهة للسماوات المعتمة في حين تتألف البيوت البنية الممتدة على الشط كأنها من معدن مصهور".

لأبناء بغداد عادات وأعراف الشرق، فقد تأثروا بقوانين أبناء الصحراء ص 20 "بحيث يقتل المرء أخته أذا أخطأت وهو الآخذ بالثأر بموجب قانون الصحراء وقد يكون الفاعل كارها كذلك، ولكن يتوجب عليه أن يفعله" فكانت حالات غسل العار تحدث في هذه المدينة بسبب تملك أبنائها صفات الثأر للسمعة والمكانة الاجتماعية.

هنالك طقوس تمارسها نساء بغداد منها شموع خضر الياس حاملات تمنياتهن بأمل يسعفهن الحظ فيصلها النهر إلى أهدافها ... لكن من ضمن العادات ومضت هذه الجميلة هنالك عادات و ذمية قد أستمرت ولحد الأن وهي إنتشار الرشوة فى المؤسسات الحكومية فى العهد العثماني ، تذكر الرواية ص 50 "إن القانون بيد الأتراك ... إنها مسألة الرشوة تخص المحامين والقضاة والوالي نفسه "لكن ديفيد القادم من انكلترا لمدينة بغداد يصف من يأخذ الرشوة في انكلترا ص 62" ، if قبل قاضي انكليزي رشوة فسينبذ ويحتقر القمة الأبد "فهو سلوك غير طبيعي لمن يحمل المبادئ والمكانة الاجتماعية"، لكن الرشا عندما تصل إلى القضاء فلنقرأ على البلاد السلام.

عبر مراحل التاريخ وفى مدينة السلام بغداد كانت اغلب الحكومات لا يستقر لها راي واستقرارها، if لم تضع عين العسس للتجسس علي معارضيها، فكان للوالي العثماني المقيم في بغداد عيون على أبنائها ص 66 "لكن عصبة الإتحاد والترقي تبث جواسيسها كما كان الأمر فى الماضي وهم أذكى من أسلافهم "فكان أبناء بغداد يحنون للحرية والعدالة والمساواة والاستقلال، فكانوا يتذكرون حكومات أيام عبد الحميد وهي الأسوء لكنها خير من الطغيان والطغاة.

تذكر الرواية واقع التنقل بين جانبي الرصافة والكرخ، كانت التنقلات لأهالي بغداد عبر جسر منصوب علي زوارق ومصنوعة من الاخشاب والبعض يتنقل عبر اسطة البلم ص 76 "البلم المستدق الطرفين واسع البطن لة مجذافان مصبوغ باللون الأبيض مصنوع من الاخشاب وفيه بعض المقاعد المكسوة بالقماش وتظله قطعة من القماش تحميه من الشمس "، كانت البيوتات البغدادية ذات الشرفات تطل علي نهر دجلة بين البساتين الوارفة الملأى بالنخيل، ثم تصف الرواية وصول الصحف الأجنبية إلى بغداد ومنها ص 80 "الصحيفة العربية الاعتيادية (طنين) لسان عصبة الاتحاد والترقي وبعض الصحف التركية الأخرى".

كان أبناء وعوائل الطائفة اليهودية يعيشون في بغداد بأمان وسلام، يعتبر اليوم المهم والمقدس لهم هو يوم السبت ص 96 "كانوا يتنزهون قرب الشاطئ وأغلبهم من اليهود البغداديين الذين كانوا يتنزهوا علي نحو هذآ مساء كل سبت دون ميسور يهتموا بحماية رؤوسهم من الشمس ... غير إن الشباب اليهود كانوا يلبسون الجاكيت والبنطلون الأوربيين دون ميسور يستطيعوا التوفيق بينهما، كان ثمة الكثير من النسوة اليهوديات تجمعن مع بعضهن فى مجموعات يتنشقن هواء الأصيل الندي، ولكن فى غالبيتهم بدينات ويرتدين ثيابا بيضاء وخضراء وصفراء وزرقاء من الحرير مطرزة بالفضة ... خير مثل للقومية الحية موجودة اليوم ... لقد حافظ اليهود على تقاليدهم ودينهم وإن عاشوا في ظل حكومات أجنبية، إنهم لو عادوا القمة فلسطين وحققوا استقلالهم لن يكونوا البرنامج المفضل أكثر من شعب كما هو حالهم اليوم ".

تصف الرواية حال واقع البيوتات البغدادية من (البادكير) وهي فوهة المدخنة التي يتسرب منها الهواء القمة السرداب وكذلك الجدران العاليه ذات النوافذ الصغيرة فيتقسم البيت القمة قسمين كبيرين ص 201 "أحدهما للنساء (حرم) والثاني للرجال (ديوخانة)"، كما تصف الرواية واقع المذابح للأرمن في ظل الحكم العثماني وخوف عوائل (عكد النصارى) في بغداد من أن تطالهم أيدي المعادين لهم ص 208 "ظل عكد النصارى أياما راضخا تحت وطأة الخوف من المذبحة، وإذ لم يحدث شيء، التقط العكد أنفاسه وعادت الحياة تدريجيا إليه كالمعتاد، في حين ظلت الأحاديث متواصلة بقصص الفظائع الرهيبة ".

لنهر دجلة دور كبير في تهديد أبناء بغداد من الفيضان فكانت السدة الترابية التي أقامها البغداديون لحماية مدينتهم في فيضان الربيع، ولقد كانت السدة واطئه خربها الفيضان عدة مرات وكسرها وأغرق المدينة ص 230 "هنالك أسطورة تروى عن دجلة عندما فاض وتدفق مياهه، ولكن حية عجيبة حالت بجسدها بين المياه وبين المدينة فتحول تيارها إلى ناحية أخرى، أما الحية فقد ظلت فى مكانها متحجرة وصار الناس يشعلون المصابيح لها ويقبلونها ".

بعد دخول التكنلوجيا إلى بغداد من معامل النسيج ووسائط النقل النهري والبري فكانت من عجائب أهل بغداد يتحدثون عنص 258 "إحدى عجائب بغداد، تلك السيارة التي وصلت القمة الوالي (محمد باشا) .. إنها أول سيارة تراها بغداد فيا لها من أعجوبة " فقد وصف الراحل علي الوردي في المسير والبعض ينظر تحت السيارة ليرى قوائم تلك الخيول. مع ما كتبت الروائية أثيل عن مدينة بغداد في ظل الحكم العثماني، فهي تصف الوصف الدقيق لحياة أهل بغداد ابان الحقبة الماضية وسيطرة الدولة علي المجالات السياسية والاقتصادية ، لكن تبقى بغداد مركزا للدولة تتطلع إلى الحرية والديمقراطية والنظام المدني العلماني ضمانا لحقوق الأقليات وحرياتهم للتقدم والازدهار، فمتى تعود بغداد لعهدها الذهبي.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2777 المصادف: 2014-04-13 00:26:55