المثقف - قراءات نقدية

في مجموعته القصصية (انتهاء المواسم) للأديب فهدعنتر الدوخي الأمل بين الإبتداء والإِنتهاء للمواسم القاهرة

adnan aboandolisالطموح خفقة وثابة ترفرف بين الجوانح تلازمنا مبكرا تود التحليق في فضاءات لايمكن سبر اغوارها الا مخيلة الحلم الطفولي، أوتهبط قهرا في محطاتها الاولية وهكذا استهل القاص (فهد عنتر) في مجموعته القصصيه ( انتهاء المواسم) الصادرة في عام2004 عن دار الجمهورية للطباعة والنشر في محافظة نينوى، ففي قصة (معجزة) والتي حلق فيها الى فضاءات التيه تصارعه أوهام المجهول والقلق والارتباك كونه عاش على الفطرة، فحياته ذات البساطة المؤثرة والتي تتخللتها مرارة داكنة اضفت الى نفسية القاص عتمة اخرى في ديار يلفها الضباب والتي لم يجد ضالته بها إِلا تلك اللوحة المعبرة بمشهد مثير لحياته، أن فسحة الأمل تضيق وتتسع بمنحى بياني لترى الاشياء الجميلة بمنتهى القبح والرياض الغناء سوادا في وطأة لومة النفس على فقد والدته في رحلة التعاسة هذه، والآخر الذي ترك والدته تعيش في أحزان قاتلة إذ اشترك البطلان في تأنيب الضمير وألم البعد، وفي (مطر ومومياء) إِبتداء بيوم الخميس وهو نهاية الاسبوع، يوم شتائي ممطر الذي سقى الروح العطشى بداخله بفعل التصحر والجفاف والجدب الذي تكدس في اعماقه منذ الطفولة ولهذا يجنح نحو عوالم بعيدة عن الاجواء كضباب ( لندن) ومسائها الشجي البارد واجواء الجامعة، كانت ملاذاته التي يرنو اليها وهو طفل يحث الخطى في دروب القرى المتربه تمنى (أن يكون بحارا ليغوص في اعماق سحيقة أو راهبا يتوضأ في نور الشمس) إِلا أنه حالما يستفيق يجد نفسه دافقا (للركض وراء مسارب الزملاء بحثا عن ظل آخر) وحتى الخدر والعبث له جانب في حياة القاص المتأرجحة بين طرفي المدينة وخشونة الريف جعلته يتوغل في مجاهل الزمن بحثا عن بطولات من صنع الخيال ،والتي طالما سمعها مبكرا لهذا زج في قصته جوا غريبا عن تلك البيئة الهانئة المطمئنة والتي اصطدم بجو (روزا) المشحون بالتصنع والانكارلأية فكرة لاتلائم واقعها البرجوازي المتطاول على مثابات الماضي والذي يعج به مجتمع فلاحي مخضرم (وعندما تصفح ضعف جنونه قفز الزمن على ظهر أمنية لم تتحقق فأرادها نكرة عقيمة غارقة في أتون المستحيل)رأى العودة اليها سبيلا هي نهاية أمطار المومياء والتي ظهرت حقائق مصطنعة لوجوه كالحة كبراري ارضه التي لم تبكها السماء هذه السنة، وفي ثريا المجموعه (إِنتهاء المواسم) الحرفة الرئيسة في المحور صرخة واستغاثة لوجه الكرة الذي عشعش في مخزن (فرج الشامي) ،واستحال الى حريق أضاع أمل وأنهى موسم قبل اوانه، ويلاحظ من السرد للقاص ان عنصر الزمن يرتكز على محورين اساسيين هما الابتداء والانتهاء في تقاويم القاص الدقيقه كقوله (غير أن البعض يقول دائما لازال الموسم في أوله)(وأن المذياع في داخله رجل صغير جدا لايمكن رؤيته يعلن عن الوقت) (وتنطلق خطواتنا متوثبة بأتجاه المدرسة ونحن صغارا وكبارا نغط في نومنا الدافئ الخاوي) ثمة فارق في عقول أهل القرية ريثما ينتهي فيضان نهر دجلة وعند نهاية شهر نيسان غالبا مايتلاشى غضبه، وهكذا ضاعت أمال الشامي وغيره في سوق المدينة المعلقة بأذيال الأمل لحين انتهاء المواسم كلها، ابتدأها من جديد وقصة (إِنحدار) ابتدأها في (محاولة أخيرة مجازفة أعتبرها من نوع خاص وأخفى كثيرا مما عزم ان يبوح به أول الأمر سيما ،انه قد صحى من غيبوبة مكثت في رأسه سنينا) يقول في نص اخر متطرقا الى الأبتداء والنشأة الأولى (عمد الى بث مغامراته بروحه المراهقة المتصابية) و(اغلقت صنبور الدمع المتوقد من وجنتيه حين داهمها البعد عند أول أيام وصوله تلك المدن) وفقدت كل شئ حتى وصلت حافة الأنهيار أذ جعلتني أترنح على شفا حفرة من اليأس والاحباط هذه همسات بداية ونهاية في قصته (انحدار) وفي(رؤى) إستهل القاص القمر عنوانه الأبدي قاهرا العتمة التي تتخللها من بدايته الأولى وعشقه عنوة السنوات المجدبة التي احالت حياته الى صحراء جرداء قاحلة ممحلة جدباء، هذه المفردات الفجة الكالحة أستنفر منها البته واستنجد بالقمر والضياء والتحليق والملاذ بالمرافئ القصية حتى ابصرته ذات يوم يرمق الأفق بنظرة أخيرة من على شرفة عالية كي يمنح رؤياه في رؤى كاهن مستبصر يروم أرتقاء المحال في مخيلة شبابية، لهذا قد رأينا القاص يتوق الى الرومانسية بشكل أخاذ بين شوقه المتعق وروحه التواقة للعناق يبشرها بلحظة فارهة ،حتى البشارة هي ابتداء للفرح إِذ ابتدأ بالاستيقاظ منذ المداهمة وهي حالة اولية للبدأ بعد النوم تدخله الى عوالم من الأحلام والرؤى عندها يردد اغنية عشق أشورية لأمتثال قلعة أشور(الشرقاط) شاخصة للعيان يستمد الناظر اليها نكهة الماضي المعبئ بحضارة راسخة في الأذهان،لقد استوقفني القاص بعبارة (الحب المعلب) جملة غريبة ومفردة مستورة لم يتطرق اليها أحد من قبل ربما سابقة ابتكرها القاص كما تريد المعشوقة المميزة وطبقا لأوامر ذلك الخافق وكما تهوى وهو طوع ارادتها حتى ترنح لدائرة الأستسلام المنكسرة وهي نهاية الحب الذي أضحى مجرد حالة من العبث والدوار (اوراق تحت الرماد) إِبتدأت بأسم عفاف تلك الفتاة الباكر وراهبة نهاية الدنيا ،أي بداية ونهاية في جملة واحدة مبتدأ وخبر، ومن ثم دعوه للخلاص والوداع حتى وقعت حزينة كعادتها تدعو بالعودة غدا صباحا والموسبقى شارفت على الانحسار على مرفأ بيروت الهاربة من جحيم الحرب بدون حفاوة كما في (حداد أميرة) إّذ ان الشمس تلم أشعتها برغبة طفولية للرحيل في نهاية يوم متعب، وعلى مايبدو بأن نفس الكاتب تعبق منه روائح أشورية لأرتكازهاعلى موروث اصيل يكحل الناظر اينما توجه، وقد ذكر(نحن الأثنان جرعنا كأس العشق حتى الثمالة، ان حلمه الكبير بدأ يتلاشى، وشعرت بأنني فقدت كل شئ سوى حبك والدموع التي تعصف في قلبي الذي يناشدك الحداد الابدي على ماض تماثل للموت). وفي قصة (قلب خارج اللعبة) إِستهل بعبارة انحدار نحو الهاوية او السقوط لافرق. أن مرحلة الشباب والانوثة شارفت على الأنتهاء ولابد من حزم حقائب السفر لمواصلة رحلتها الشاقة مع الكتاب الذي تعتبره مرجعها الروحي سيما وانها تعيش حالة الظمأ للتآلف الذي يريح وحدتها أذ التجأت الى صاحب المكتبة لعلها تستلهم أفكاره من امهات الكتب التي ترزح أمامه، ضالتها الوحيدة لعصر أخذت به عجلة الزمن تمضي بخطى متأرجحة اتجاهها هذا الصراع النفسي من شدة، قد شدها لماض عابر وأمل قادم وفي ذروة التخيل المكثف اوصلها الى أنهيار عصبي كان قد لازمها منذ بلوغها والتي كانت تتمنى لها نهاية سعيدة في رحلتها الشاقة، لكن ما أن بانت الحقيقة وأختفت معالم الأمل في المكتبة التي كانت تتوق برؤيتها مرة أخرى ،عاد الصرع والصداع يلف رأسها المثقل فكان قلبها خارج المكتبة وخارج اللعبة التي تخيلتها وهي في اقصى درجات الوعي إِذ احست أنذاك بعنوستها وانتهاء موسم اخصابها كالأرض التي بخلت السماء يوما على سقيها هذه استحالة الانتهاء والابتداء معا..

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2779 المصادف: 2014-04-15 01:20:12


Share on Myspace