المثقف - قراءات نقدية

الكاتبة سعديه السماوي في مسرحيتها دعوه للجنون .. دعوة للنظر في عمق الحياة

مقدمه: يمتد تاثير الاوضاع السياسيه والاجتماعيه والتحولات الفكريه والعقائديه ليشمل المنجز الابداعي الفني والادبي،  الذي هو بالتاكيد وليد عصره وناطقا وشاهدا عليه. كتبت السيدة الكاتبة سعديه ناجي السماوي مسرحيتها دعوة للجنون عام 1994 ونشرت ضمن مجموعتها دعوة للجنون عام 2012 عن دار المواهب للطباعه والتصميم - النجف الاشرف مع ثلاث نصوص اخرى هي احبك رجلا اليا وحاكم المقبرة وقصر العاشق .

كتبت نصوصها هذه في زمن صعب حاولت فيه اختراق الممنوع وكشف المستور من قبح السلطه واستبدادها وعمليات القمع التي مارستها بابشع صورها. وسيبدو هذا واضحا على صياغة النص من حيث بناء الشخصيات واللغة والمكان . كتبت هذه المسرحية كما مرعام 1994 والتسعينيات مرحلة الرمز اللغوي والتهويمات والشفرات السرية للادب بدلالاته الخفيه تحت رداء الفلسفي مرة والتجريب مرة اخرى.

لذا يمكن ان نفهم بعض ملامح النص هنا من انه تمرد مبطن على الواقع الاستبدادي والسلطة الشمولية القمعية التي جثمت على صدر العراق دهرا ليس بالقصير.ولكن هذا لايعني محدودية المعنى بل ان الرؤى الفلسفيه التي كتب بها النص تجعله نصا منفتحا واسع الدلاله. 

 

1- مدخل الى النص

دعوة للجنون مسرحيه بفصل واحد ومشهد واحد تبدأها الكاتبة بمقدمه وتوقيع .تقول في المقدمة:

(دعوة للجنون ... دعوة للنظافة .. ادعوك ايها الانسان اليها كما دعوت نفسي منذ زمن ليس بالقصير..كلفتني هذه الدعوة بياض شعري الشاب) ثم التوقيع بـ (المجنونة الاولى وليست الاخيرة) ولكن الجنون هو عالم البياض والنقاء والطهارة والنظافة، عالم تدعو له الكاتبة بعيدا عن ملوثات الخارج وفساده وقذارته وقساوته ووحشيته في ابتلاع صوت الانسان الحر وقمع فكره من هذا المدخل نلج عالم النص الى التعريفات بالشخصيات وهم:

الاديب: رجل خمسيني  يعمل اديبا وكاتبا

القسيس: رجل دين يملك وجهة نظر في الحياة

الرجل الاول: شاب بملابس رثة وقد بدا عليه الاضطراب

الرجل الثاني: عالم كيميائي يعاني اضطرابا نفسيا

الرجل الثالث: رجل اربعيني يرتدي ملابس مرضى

واخيرا

الفتى الانثى: مهندس معماري تعرض الى صدمه نفسيه

وضعت الكاتبة وصفا لكل شخصيه مبينة الطبيعة النفسيه والفكريه والعمريه والوظيفيه لكل شخصيه ومن هذا المدخل الى المشهد الوحيد في مسرحيتها تتدفق الحياة الى الشخصيات في سياق فلسفي وجمالي على الورق كما سنرى

 

2- الحكاية:

تعتمد الحكايه على فكرة كلاسيكيه في بناء النص المسرحي وهي فكرة الخطأ التراجيدي المعروفة ذلك الخطأ الذي يقع فيه البطل من الكشف عن الاحداث وتبدأ ماساته وفقا لذلك الخطأ وهي صورة تكشف عن سيطرة القدر او القوىة العليا المسيطرة على الانسان ومجريات حياته . ذلك الخطأ الذي سوف يكشف كل حقائق وخفايا الحكايه،  متضيها وحاضرها ومستقبلها .غير ان الكاتبة فضلت اللعب بهذه المفرده لتضع الخطأ ذاك من صنع الخارج / السلطه العليا المسيطرة على مقدرات الافراد .

تعتمد ثيمة النص على حكاية بسيطه،  على خطأمن الخارج ارتكبته السلطه فتدخل كاتبا مرموقا الى مستشفى المجانين .العاقل الوحيد الوافد عنوة الى عالم المجانين، عالم الداخل المجنون لتكشف عن طريق هذه الخطأ حيوات الموجودين هناك لكننا نكتشف الحكمة في كلامهم ووعي كبير بسياقات الخارج ونظامه، طريقة حكمه وسياسته والفساد المستشري فيه والقهر والاستبداد الذين يمارس بهما سلطته فتكون كلماتهم هي الحكمه التي يحاولون ايصالها الى الاديب يقول الرجل الثاني (اسال أي حاكم كيف استطاع وبسنوات قليله ان يجعل شعبا كاملا مجنونا ؟)

الاديب الذي لايعلم لم اتوا به الى هذا المكان يريد الفرار منه، يريد الخروج الى الحياة لان (الحرية جميلة) حتى عندما تكون تحت سلطة ظالمة بل وحتى عندما يحاول القسيس ان يفهمه ان الحريه انما هي (حرية النفس وراحة البال) غير ان راحة الاديب وحريته كما يرى في الخارج بعد ان يفتح له الباب. وسرعان ما تتحقق رغبته ويفتح الباب ويعتذر منه احد الممرضين ويطلب السماح منه (نحن في غاية الاسف يا استاذنا العظيم) يخرج الاديب مهرولا بعد نظرة على المكان.وتلك هي الرواية الاولية للنص ان المكان حيث تجري الاحداث / مستشفى المجانين انما هو عالم الداخل، العالم المصغر  / الثاني والمقابل له هو المكان الاول ا/لاكبر/ الخارج .

 

3- الشخصيات:

ان الشخصيات في دعوة للجنون تكشف عن كثير من الازدواجية،  ازدواجية الموقف،  وان كانت تلك احدى صفات المكان حيث يوجدون لكن طبيعة كل شخصيه وسلوكها يمنحها بعدا دلاليا اخر يكشف من خلاله  عن مناطق اخرى في النص 

 

(1) القسيس

 ان دخول رجل الدين - القسيس - الى مستشفى المجانين كان بسبب جريمة ارتكبها ؟ ان من يرتكب جريمة لابد ان يحاكم بالدخول الى السجن لا ان يدخل الى مستشفى المجانين بدلا عن ذلك ورجل الدين هذا رغم ما يحمله من دلالات انسانية الا انه ارتكب جريمة بشعة وهي قتل طفلة بدعوى انها جميله وبريئة وصادقة . يسال الاديب القسيس

الاديب: قتلتها..اكان ذلك ذنبها ؟

القسيس: كلا يا ابني تلك صفات تدخلها الجنه ولكن حين تكبر ستتعلم الكذب والرياء والخداع والاجرام عندئذ ستدخل في سخط الرب ..وستصبح رفيقة للشيطان فتخسر ملكوت الله وانا لا اريدها ان تدخل الجحيم يابني .

ومع ذلك فهو يتمنى ان يمنحه الله الرحمة كمال سيمنح الطفلة ملكوت السماء ؟فاي تناقض واي ازدواجية في الشخصية تحمل رجل الحكمه والانسانية الى فعل لاانسانية فيه ومن منحه هذا الحق في سلب الاخرين الابرياء حياتهم وفق (وجهة نظره) التي ثبتتها الكاتبة في تعريف الشخصيات ؟ اهذا يوجب دخوله الى هذا المكان دون غيره . والكاتبة استخدمت رجل دين لتكشف عن هذه الازدواجية في وجهات النظر المغالية بل الكشف عن زيف تلك المؤسسة التي ترفع شعارات الانسانية والرحمة والحكمة وهي بعيدة عنها بل هي تساهم في قتل الانسان  من خلال تلك الشعارات وبحجج شتى .

2- الرجل الاول

تصفه الكاتبة انه شاب بدا عليه الاضطراب فقط دون ان تتطرق الى تفاصيل اكثر عن هذا الاضطراب واسبابه وهو لاياخذ من الحوار الا القليل (حوارين في بداية النص) لكنه هنا قي هذين الحوارين يكشف عن محاولة الشباب في دفع جدار الظلم ولكن دون جدوى

3- الرجل الثاني

العالم الكيميائي الذي يجد ان العقل في داخل هذا المكان وليس خارجه (العقل لا تراه خارجا) ولكن مسالة العقل هذه ليست بالامر الكبير بالنسبة له

الاديب: وهل مسألة العقل نلك صغيرة ؟

الرجل الثاني: نعم واسال أي حاكم كيف يستطع بسنوات قليلة ان يجعل شعبا باكمله مجنونا

ان الانسان بنظره ليس اكثر من مجرد كرة السليوفان (والكل يحبذ لعبة السوليفان)

4- الفتى الانثى

تمثل هذه الخصيه قمة الضياع، ضياع الهويه وضياع النفس الانسانية وخصوصيتها . الانسان الخنثي الذي لا يعرف الى أي نوع ينتمي وينكر جنسه ويتمثل بشكل اخر بسبب صدمة سببتها له حبيبته التي تركته من اجل محفظة النقود .

ان هذه الشخصيه تمثل قمة التناقض فهو في حياته السابقه كان مهندسا غير نزيه يغش في نسب مواد البنلء حتى سقطت المباني على رؤوس الناس فمات الرجل بداخله وبقيت المراة في داخله، المراة بقيت بشرفها ترفل بالحب

الفتى الانثى: الا تعلم ان فيك رجلا وامراة  منذ خلقنا الخالق ونحن هكذا ..هذا الرجل كان يحب طقطقة النقود وخصوصا الاوراق التي يسهل حملها قدر ما تستطيع احتوائها . قالوا له خذ وغير في النسب، نسبة الاسمنت،  نسبة الحديد ..نسبة ..نسبة وهكذا كان ياخذ الرجل الى ان اصابته تخمة الاخذ فمات مع من سقطت عليهم البيوت . وبقيت المراة هذه انا ..الا اعجبك ..الا تحب ان ترانى هكذا امراة من دون هرمون ذكري، لست خاسرة الان .الرجل مات بقذارته وبقيت المراة بشرفها ترفل بالحب .

استل هذا الاقتباس رغم طوله الا انه يوضح بقدر كاف نزوع الشخصيه نحو الهروب الى منفذ اخر يبعدها عن الاحساس بالذنب تجاه اخطاءها وان  في معنى الحوار انتصار للمراة ونزاهتها .

5- الرجل الثالث

وكما الرجل الاول لاتشغل حواراته سوى مساحة صغيرة من الحوار الا انه يرمز الى تلك الطبقه القموعه من الجتمع .عندما يري الاديب النمله ويشير لها وهي تحمل حبة قمح صغيرة (وقبل ان يرفع الاديب راسه صفعه الرجل الثالث صفعة قويه)عندها يسال الاديب غاضبا

الاديب: لماذا صفعتني يارجل ؟

الرجل الثالث: ولماذا  انتم لا تفعلون ذلك؟

واخيرا

6- الاديب الكاتب المرموق الذي يدخله خطأ الى مستشفى المجانين لكن كتاباته وادبه لاتعني شيئا عند اهل الجنون بل يسالونه بسخريه بعد ان يكشفوا له ان وظيفته انما هي فقط تمجيد السلطه (من ادبت؟).

 

المكان: وصف الخارج / الداخل

يحدد النص طبيعة المكان من خلال ايضاحات المؤلف بالاضافة الى ما نستشفه من حوارات الشخصيات عن صفات المكان وملامحه ..هنا في دعوة للجنون نعرف اننا داخل مستشفى للمجانين وان هذا الداخل ملئ بعوالم الشخصيات المتناقضه التي انهارت امام مراة الحقيقه تعرفنا الشخصيات الخفيه وسقطت اقنعة الوجوه وظهرت الارواح عارية امام نفسها ..بعد ان وصفت الشخصيات الخارج وبدا كم هو عالم صغير بينما اتسع هذا الداخل لكل تلك الشخصيات وبانكشاف تلك الشخصيات انكشفت خصائص المكان ايضا .

تصف الشخصيات الخارج بانه

1- عالم تملؤه القيود ويسيطر عليه الرقيب والسلطه

2- يقلص سنوات العمر (فانت بانجازاتك قلصت من سنوات عمرك)

3- ليس فيه من العقلانيه والعقلاء (العقل لا تراه خارجا)

4-سجن كبير تاكل جدرانه الشباب دون رحمه

ثم نجد وصف الداخل بانه:

1-عالم لا الم فيه (قطعنا الصلة مع امبراطورية الالم لذا فنحن لا نبكي)

2- عالم واسع ونظيف

3- يضم الطبقة الاساس في المجتمع (العلماء الشباب رجال الدين الابرياء القتلة واللصوص)

والشخصيات التي تسكن هذا العالم من خلال الرؤية المرآتيه نجدها تتعدد وتتنوع وتختلف وتتناقض .فهي حكيمة وقاتله طيبة وشريرة ذكوريه وانثويه مجنونه وعاقله .. اذن نحن امام كل وليس بعض او جزء،  نحن ازاء مجتمع متكامل مؤتلف ومختلف في آن هذا اذن ليس داخل مصغر عن خارج كبير بل هو الخارج نفسه وهو ليس الجزء عن الكل بل هو الكل بعينه وما دخول الاديب وخروجه الى هذا المكان /العالم عنوة وبالخطأ ما هو الا دخوله الحياة نفسها ..الحياة على حقيقتها  .

 

من هو البطل؟

كل واحده من الشخصيات في دعوة للجنون اضاء زاويه من زوايا الفكرة العامه للنص . لايعود امر البطولة امرا رئيسيا عندما تكون الفكرة هي البطلة بالاضافة الى ذلك عندما يكون للنص بطل من خارجه . ان شخصية الاديب كان لها فسحة بطوله لانها هي من فجرت في المكان صمته ففاضت الشخصيات الاخرى تعبيرا عن نفسها .والقسيس بطل لان له الكلمة الفصل في نهاية المسرحية وكذلك الحال بالنسبة للفتى الانثى بما قدمه من وصف لمعاناته وتشظياته النفسية والعاطفية . والرجل الاول رغم قصر مساحته الحواريه غير انه جسد ضياع الجهد المبذول في رفع الظلم ممثلا بالجدار .كما ان الرجل الثاني العالم الكيميائي في حلمه العلمي ورغبته بالحصول على جائزة نوبل .اما الرجل الثالث هو نموذج الانسان العادي المسحوق تحت وطأة السلطه والذي يعاني اضطرابا نفسيا، والانسان العادي البسيط هو بطل ايضا بما له من مساحة انسانية كبيرة في الحياة .البطولة متساوية ورغم ذلك كما ذكرت فان البطل هنا هو الكاتبة نفسها، المجنونة الاولى وليست الاخيرة والتي تنتمي الى هذا العالم والشاهدة عليه . وبتوقيعها ب(المجنونه الاولى وليست الاخيرة فقد ضمنت نفسها كاحدى الشخصيات المجنونه في النص. وهي ليست الاخيرة لان هذا العالم يتسع لكثيرين ممن تركت سلطة الخارج عليهم اثارها .

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2784 المصادف: 2014-04-20 21:24:36


Share on Myspace