المثقف - قراءات نقدية

رهان الكتابة وشراك التلقي في مجموعة أيام كارتون للشاعر علي الاسكندري

ibrahemdawood aljanabyفي أيامه الكارتونية يسعى علي الاسكندري للعب على حبال اللغة ليذهب بهذا اليوم إلى أن يجعل منه مساحة شاسعة المعاني مسجلا منجزا كتابيا يتسلل من خلاله إلى ترويض المشاهدة ومدجنا ذلك اليوم الكارتوني إلى مسيرة حياتية دوّن من خلاله سيرة ذاتية بعناوين سردية لكنها حضرت هنا في كل مراميها على إنها فعلا امتزجت فيه كل إيقونات الكتابة لتكون المحصلة إن المتلقي يرى نفسه إزاء خلطة في غابه الحرف بوصفها فعلا جماليا يتساوق إلى فضاء غير عابه بالتصنيف،،،،علي الاسكندري يكتب بطريقة سحب البساط عن اللغة الطلسمية لأنه رفيق القلم ليس للبهرجة انه يكتب في مناطق الطبقات التي يستفزها الحدث ويستل من مائدة الذاكرة الحافظة في اقتراح بصري يلاحق فيه الأماكن المكتنزة الحدث والفكرة التي تستدعي الإسراف التأملي محيلا السلوكيات الحلمية إلى رسائل تجسد الواقع بطريقة مدهشة وصادمة للمتلقي

العنونة (أيام كارتون) وحدها مثيرة إلى حد ما في تشاورها مع المتن التي استلت منه تلك المفارقة أفلام كارتون،هنا يلعب الكاتب على المدلول الإيهامي وتوريط القاري من اجل إيقاع الدلالات في شرك التلقي وإيقاعه في * (الثقب الشعري) حيث لذة الكتابة وهي تجاور لذة التلقي واستدراجها الى منطقة الجذب من خلال التواشج التفاعلي،الحدث / النص،،،، الفكرة / التلقي،،، فقاموس الشعر الذي يتبناه الشاعر من خلال النصوص التي حفل الأعم منها بلغة السرد المدعمة بالتواتر الشعري الذي ينبض في جسد الكتابة التي تدهش القارئ وتصدمه من خلال اقتراح شعرية متقدة ومتماهية مع آليات السرد التي يعتمدها، ومن الجلي جدا أن تتلمس إن غالبية النصوص التي حفلت بها المجموعة الشعرية تعتمد فن كتابة الرسائل وكأنك أمام نصوص موجهة بشفراتها غير المطلسمة إلى جهات يعتمدها الشاعر ويحيلها الى نصوص مكتنزة وفاعلة بالاتجاه المشار إليه حيث المعمار الشعري المتعالق مع خاصية السرد والتراسل الذي اشرنا اليه ليجعلنا إزاء خلطة كتابة تحمل ديناميكية تتضافر فيها كل الآليات المتاحة المتبنية لإنتاج نص مختلف عما هو تقليدي في فن الكتابة الذي يسعى من خلاله الى الكشف عن اليوم المتهرئ الذي يعيشه الفرد .. إنها ثورة على كل الأيام التي تجسدت في مسيرة حياتية زاخرة بخلوصات مراحل متعددة في عمر الشاعر.. فالقراءة ذات الذراع الواحد إن صحت التسمية والتي ربما تتخذ من الإجراء القرائي على انه نص بدلالة ذات علامة واحدة لا تصلح هنا،،في حين نرى إن النص يمتلك مقومات التشظي إلى دلالات متعددة يمكن استكشافها عبر الغور والبحث في الطبقات الباثة والتي تستدعي بصيرة ثاقبة لا بد أن يتحلى بها القارئ الحاذق لأنه من الواضح جدا إن جغرافيا النص تحمل مناخات متعددة تحتاج إلى مجسات تتلمس ذلك الحراك والاتجاهات القصية ومسار الأنساق التي اعتمدها الكاتب في صياغة تلك المدونات،،،،،،مدونة الأنثى،،،،،، أو ربما تصلح لها تسمية أخرى،،هي يوم الأنثى، فلعل العلامات التي رافقتها في المدونات المرادفه .. يوم الخضرة بحضورها المغاير والانتقائي .. يوم الوطن..... واليوم الكارتوني الشامل والمتواشج مع كل الأيام التي حضرت بتلك التضادية والتمردية على كل تلك الأيام انفه الذكر والمتمحورة مع نص (أيام كارتون) الذي تصدر غلاف المجموعة بوصفه عنونة لها تحيلنا الى ان الكتابة الممنهجة التي امتدت باذرع متعددة ومتناوله لهذه الأيام كانت خلاصة وجع استأسد على كل المرامي المتنازعة في المتن الكتابي .

 

أولا: مدونة الأنثى او الاقتراح الإجرائي .. يوم الأنثى

الإضمار والتصريح عما هو شخصي وموضوعي وعمومي بإحالاتها الراسخة والمتواترة في حيثيات النصوص تؤكد المرتكزات والمزايا التي جاءت في المتن بكل الايقونات التي رسمت مشهدية الانثى .. فتارة يرسم لنا الانوثة المسلوبة الإرادة والمقموعة،وأخرى يجسدها هاربة نافرة إلى أقاصي يصعب امساكها ومعرفة اتجاهاتها .

في نص أنوثة معتقة ص8 يأخذنا الشاعر الى حيث العنوسة المنغمسة بالحرمان وأي حرمان،، حرمان تتلمس فيه قيعان الإهمال الدنيوي والفردوسي المنتظر حيث نقرأ

(السواحل التي شاخت توابيت ...

الاسئلة المحرمة

على فخذيها المكتنزين بالفضة

والغارقتين في صحراء من الاهمال

الانثى البالغة الاندلاع

لم تتذوق ثمرالرغبة في فردوس الدنيا

ولاجنة تحت قدميها في غدها المقبل)

هنا تتضح معالم التمرد على ما هو سائد من حرمان اجتماعي وصل ذروته الى تمرد على قيم محذورة،، ذهابا الى النصوص المقدسة (الجنة تحت اقدام الامهات ) ولانها لم تحض بالانوثة الا قالبا تتعكز عليه وصولا الى حيث حرمان اخر كونها خارج جغرافية تؤدي بها ان تكون، اُماً، الى خلاصة القمع الثنائي .. انها تلمسات جديرة بالوقوف حيالها لابل الغور في مفاصلها تأكيدا ان الذات الانثى هنا بكل خصوصيتها المتجسدة شعرا وسلوكا مؤثرا وثائرا على كل الآليات القمعية،، ان احالة ما هو فسلجي الى ما هو شعري تحتاج الى عين ترى وتترجم بوصف الكاتب ينتمي الى ما يصطلح عليه (ذكوريا )،،وفي النطاق الاخر للانوثة نتلمسها هاربة نافرة لا وجود لها الا في الاحلام،، تلك الانثى التي لا تقع في حوزة اليدين اللتين تشكلان دائرة لا تستوعب الا هواء الامنيات.. نقرأ ص 13 من نص الطبعة الضائعة

(لا حكمة تفرق بيني...

وبين شجر الانوثة

فانا لست الطبعة الاولى

بقيت مخفورا على قمامة الوقت

تتناسل تحت جلدي غرائز الفردوس

حدائقي حطام الاولين)

كم من الارهاصات التي تناولت الانثى بين مستودعات النصوص التي حفلت بها المجموعة تركت بصمات واخزة ومعبرة بدراية وقراءة واعية وبتلمسات ناضجة التصور ادت اغراضها بكل جدارة تلك هي مهمة الشعر والثقافة والابداع

ثانيا : مدونة الخضرة

الخضرة بوصفها ايقونة جمالية تستدعي الحضور الانيق والمتأقلم مع ابراز مفاتنها يُحضرها الشاعر هنا حضورا خارج سياقاتها التقليدية بحرفنة المخيال المتوقد .. يرسمها لوحة دامية بعيون دامعة، رافضة، متمردة، متأسية فيطالعنا نص (مأزق وردة الخشاش) بمحاورة الرافضة لواقع معتق وثورة على ادمية الحدائق وافرازاتها البركماتية حيث استلاب صقة الورد واحالاتها .. انها قمع من طراز مغاير لمعاني الحياة حيث لا ذنب تقترفة الخضرة الا لاستغلال لها من قبل (ادم) ليستلب منها صفة الورد وجعلها في مأزق ..نقرأ ص 19

 

(الوردة التي تورم ساقها من الوقوف في الحديقة طيلة حياة تامة

وانشغل المتنزهون عنها بالثرثرة والنسيان

لم تقل للعاشق حين جزّها لخليلته ..لم ادميتني ؟

بل سارعت بالذبول لتنفق جمالها سمادا لوردة قادمة

وردة الخشاش البتول يسمونها وردة

تلك المطرودة من محلات بيع الزهور

والمحظورة في كراس الحديقة)

ولسنا هنا بصدد تصيّد المعنى وشرح معطياته لانها بالتأكيد لن تخفى على القارئ الحاذق بل القصد يتمثل بالولوج الى مفاتن اللغة وعلاماتها التي استخدمها الشاعر والتناول المقتصد في رسم خطوط عرض وطول لهذه الخطيئة التي دونها الشاعر بلغة غارقة بالإحساس الذي تربع في كل توصيف للمفردة الفاعلة والأعمام المعنوي ..هنا الشاعر يتجاوز على ما هو متعارف عليه ... قطف الورد... بل يحضر مفردة الجز بوصفها فعلا قاتلا رغم إن الإحالة هنا تفيد إن الورد قدم هدية للحبيبة بل ذهب بعيدا إلى إنها عملية ذبح واغتصاب لمعاني الخضرة والجمال .

ثالثا : مدونة الوطن....

لم يعد لي اسم في منفضة التأريخ، غير اسم الاشارة

لم يعد لي غير خرائب اوروك

واسد حجري اسمه اسد بابل

ذلك الذي اوقفني عند تخوم المنطقة الخضراء،،

وقال لي،، ايها الجاهلي،، من دلك على (سبحان الله)؟....

من نص (تغريبة لاسد بابل) ص31 اقتطفنا هذا المقطع الذي يحاكي الوطن ..ذاك الوطن الذي غادرته أسراب النوارس حين فقدت محطات الترجل على الشواطي .. واكتسحتها القنابر والانفلاقات فكانت على موعد مع الخراب .. انتفاضة من نوع نافر لكل ألوان اللحظة المنتظرة التي بدت عقيمة لا تلد إلا دم مجاني وخراب تعتقت مساراته الى حيث تذكّر لايام سالفات واحتقان رؤى لم تسعف لحظة التمني الخائبة .. الزمن وانتظاراته عند الشاعر لحظات خائبة غائبة عن الوعي هو ينتظر خضرة قادمة ويكبحه لهيب الرمل الهارب من صحراء الحقيقة وتخيب ظنونه سواقي اللهب المتمرد وهو يعصر خمر الإحالات ويشرب جوع الانتظارات والماء اغفل رطوبة ارض لا يطأها،فيبدو الفضاء الادراكي بحمولاته تحولا من المناشدة المباشرة الى انعطافة تقتضي التمرد على ثوابت عامة باستخذام علامة المدينة والامكنة – (اسد بابل) رمزا ويوما تهكميا ولعله اليوم الأكثر وجعا ليعززه الشاعر بمفارقة شعرية ودلالة تؤكد النداءات الخفية التي تملكت صوت الشاعر ليعلنها صرخة وهو يحفر في تربة اللغة بمعول ابداعي ..........

 

رابعا: مدونة اليوم الشامل

لقد راهن علي الاسكندري في مشروعة الكتابي لمدونة اليوم الكارتوني ان يسجل في المساحة التي تبنتها المجموعة الشعرية ارهاصات اليوم العراقي تحديدا متناولا اليوم الانثوي الشخصي والعام وابراز ايقاعاته بالحفر بادوات الرغبة الكامنة والمقموعة باشكالها المتناهية الرصد، فقد حضرت جلية بنص (ازمان وصحف) ص23 ونص (بلوغ الاوان ) ص64 لتتجسد ضراوة اليوم الانثوي من خلال نص (لك البهاء ولي مغادرة الاوان ) ص73 ... في حين نجد الخضرة حاضرة بيومها المحتشد والمتعالق مع كل الايام بالوانه وانتفاضاته على القيم المترسخة ليقدم لنا الشاعر نماذج كتابية تتعالق وتشجب سلوكيات وثوابت يريد لها ان تتعّمد بعرس جديد .. في حين يطالعك الشاعر بنص حمل عنوان المجموعة (ايام كارتون) الذي سخّر بشكل مسرحة شاملة لكل المدونات التي ذكرنا وخاصة مدونة الوطن التي حضرت وتماهت مع كل المدونات نقرا ص93 في (فاصل الختام من نص ايام كارتون)

(ترقص السعفة في موضعها احتفاءا بالنسيم /يتحرك ذيل الكلب موضعيا انتشاء بفوزه بأنثى جاهزة / البرازيليون يرقصون السامبا في الشوارع كلما فاز فريقهم بكرة القدم / العالم يحتفل بأعياده كلما لاح قمر جديد /وانا الطم فقط /من ترى زوج أيامي لفارس السماء وحولها إلى ورق وصور متحركة)

ففي هذا النص نجده يغور بعيدا في الداخل البشري ويغوص في التراسل مع كل الأيقونات الأخرى فيروض المكان والحدث ويسافر مكتشفا المقموع والمسكوت عنه بدراية العارف بفن اللغة فيدلف كل المنصات ليجعلك أمام مشاهد منتفضة من خلال المعمار السردي والشعري اللذان ترافقا بعفوية غير مقننة .. بقي ان نقول ان نصوص المجموعة موضوع الدراسة تحتاج دراسة لكل نص فيها لما تحمل تلك النصوص من ثراء معرفي وإبداعي

 

..................

*الثقب الشعري: مصطلح ارتأينا استخدامة هنا بعد ان تم التداول عليه بين الادباء في الاسكندرية وتحديدا (ابراهيم داود الجنابي وعلي الاسكندري ورياض المعموري) واعتماده مصطلحا

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2786 المصادف: 2014-04-22 11:28:07