المثقف - قراءات نقدية

رؤية في قصيدة "استعارة موسمية" للشاعرة ميادة أبو شنب

sardar mohamadالحديث عن قصيدة ميادة يتطلب رؤية تعتمد على الغور في بعدها الروحي والداخلي وعمقها الفلسفي وتساؤلاتها التي لا تخلو من صوفية وأحيانا لا تخلو من إيروسية حذرة.

أرى أن القصيدة تعبر عن ألم دفين فاستعانت بالرمزية وأكثرت من الصور التي تعبر عن مدى تأثرها النفسي والروحي والجسدي والفكري.

ليس من السهولة التطرق إلى شعر الشواعر على مدى الحقب الزمنية القديمة والحديثة فقد كانت هناك كتب اعتنت بها ولكنها لم تكن كتبا ناقدة بل ساردة لأخبارهن وعرض سطحي وتوثيق تاريخي ومنها

كتاب أشعار النساء للمرزباني

كتاب بلاغات النساء لإبن طيفور

كتاب الإماء الشواعر للأصبهاني

كتاب أخبار النساء لإبن الجوزي

كتاب نزهة الجلساء في أشعار النساء للسيوطي

وفي العصر الحديث لا سيما في القرن الفائت ظهرت كتب نقدية تحاول رسم اتجاه نقدي عربي ومنها ما وقع أسير مدارس النقد الأوربية، ولكن مدارس النقد العربي الحديث كانت وما زالت تستنيربالأفكار والرؤى الأوربية النفسية والداخلية وحتى مصطلحاتها، ولا أزعم أني وضعت يدي على مالم يعرف أو صاحب نظرية نقدية بل انني من الداعين لتبني نظرية نقدية عربية تتوافق مع عصرها، فليس من المعقول أن يحاول ذلك فقهاء اللغة قبل قرون ونحن لم نزل في موقف المتفرجين أو الذين يجترون أفكار ورؤى من سبقهم بسنين منذ أن وضع أسسها الجاحظ والجرجاني وأسامة بن منقذ وابن قتيبة.

لا أميل لفصل شعر الشواعر عن الشعراء وأعتقد أن ذاك من الأمور التي فرضتها الذكورية، فالشعر ذو منطلقات إنسانية بغض النظر عن الجنس.

حتى لا يأخذني التوسع والإسهاب والخروج عن الموضوع أعود لقصيد ميادة.

أقول بصورة عامة أن القصيدة تحكي الألم الدفين وتنم عنه فهي قصيدة حزينة، يتوضح ذاك من أبياتها مثل :

فلن يقهر النزف المختال في مدار الجرح

إلا تمائم الصبر على هودج السنين.

إذن هناك جراح ونزف باق مستمر وله مدار كما الفلك للنجوم بعبارة أخرى أن ميادة جعلت للجرح مدارا ً وهذه صورة فريدة، ولكنها استعانت بالصبر وهو يسير مع النزف في مداره منذ وقت قديم توحيه عبارة هودج السنين.

ويؤكد ذلك البيت:

من سالف الحب

وغابر النشوة والأنين.

وهنا تبدو الحالة الإنسانية في مظهرها المتجسد بالحب القديم الذي فتحت ميادة له ذراعيها ولم يخلف غير الحزن واللوعة من قولها :

ذاك الضياع المنفي.

ولكنها لم تستسلم لذلك الضياع فتحاول جعله منفيا ً.

فراحت بمشروعية وطهر تبحث عن البديل فقالت:

ألثمني بجمر شفة تسكن حلم الموقد

لكنها اصطدمت بخوائه لا بل بخريف خوائه وأظن أنها تعني الإنتظار، وهي مصرة عليه بدليل قولها:

وأعاتب الوتر إن حاد عن جزر الوميض.

أظن أن دهشة النص يكمن في الصور التي وظفت لها ميادة عبارات متشعبة النهاية أو مفتوحة كشجرة ذات جذع ينتهي بتفرعات تجعل المتلقي يحار أيهما يتسلق فاستعملت التشبيهات البليغة وليست التامة فخلت من أدوات التشبيه وأعتقد أن التشبيهات التامة تضفي على القصيدة الترهل وتصل بالفكر إلى نهاية محددة ويمكن معرفة هذا جليا ً من خلال الأمثلة الشعرية الواردة في كتابي :

التشبيهات لإبن أبي عون

وغرائب التنبيهات على عجائب التشبيهات لإبن ظافر الأزدي

وكلها زاخرة بالتشبيهات التامة باستعمال أدوات التشبيه( كــ ) أو (كانها / كأنما) أو (كأن).

وهنا مثال منها، قال شاعر يصف الثوب الخمري:

 في ثوبها الخمري قد أقبلت... بوجنة حمراء كالجمر

 

أما الإستعارة والتمثيل فقد وظفت في القصيدة انواع الإستعارة التمثيلية ولنقرأ ذلك:

لهيبها الأسطوري.

و

الضياع المنفي.

و

الضوء اللقيط.

و

في فجر أنوثة السنابل.

لقد لاحقت ما استطعت في النص ومدى توافرة على ماهو جمالي مرتبط بالفكر ومكابدة الشاعرة ميادة في جعل النص يحمل رسالته (آلة الكلام النقدية / محمد الجزائري)

وأرجو أن أكون قد أفلحت، واقتبس في النهاية عبارة الجزائري التي أراها تنطبق تمام الإنطباق على نص الشاعرة المدهشة ميادة أبو شنب في نصها (إستعارة موسمية)،

« نحن نكتب بجاذبية المستحيل الواقعي.»

 

للاطلاع

استِعارةٌ مَوسِميّة / ميادة ابو شنب

 

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2789 المصادف: 2014-04-25 21:59:44


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م