المثقف - قراءات نقدية

فيلم نوح .. من أوتونبشتم السومري إلى نوح التوراتي (1-2)

alaa allamiقبل أن يبدأ الفيلم: تطرح إشكاليةُ ورود العديد من الأساطير والمرويات السومرية القديمة في الكتب الدينية الثلاثة "التوراة والإنجيل والقرآن" وخصوصا في أولها، أي التوراة اليهودية، المعاد كتابتها في بابل الأكدية من قبل النبي التوراتي دانيال وزملائه الثلاثة حننيا و ميكائيل وعزرايا خلال السبي البابلي. وقد أصبح النبي دانيال لاحقا، نديما ومفسر أحلام للملك الكلداني نبوخذ نصر، تطرح هذه الإشكالية التأريخية والتاريخية تحديا خطيرا على الخطاب الديني اليهودي والمسيحي والإسلامي إذ لم يستطع أحد أن يبرر أو يفسر كيف وردت تلك الأساطير في التوراة معادة التأليف، بعد أن وردت قبل ذلك بعدة قرون في الألواح المسمارية العراقية القديمة ومن تلك الأساطير والمرويات: قصة الطوفان وبطلها أوتونبشتم الذي ورد ذكره في ملحمة جلكامش، وسيرة حياة الملك سرجون مؤسس المملكة الأكدية التي انتحلت لتكون قصة وسيرة النبي موسى ونقلت جغرافيا من جنوب العراق الى مصر الفرعونية وقصة الخلق وآدم وحواء وغيرها. وهذا التحدي يعبر عن نفسه بطرح أسئلة محرجة للخطاب الديني الإبراهيمي التقليدي سواء كان يهوديا أو مسيحيا أو مسلما، فهو يتساءل عن الأصل التاريخي الحقيقي لما ورد في الأساطير العراقية القديمة وتكرر ورودها في التوراة والتي ذكرنا بعضها:

- فهل الأصل هو التوراة أم التراث العراقي القديم وأخذها عنه من أعادوا كتابة التوراة ثم تكررت في الإنجيل وفي القرآن وبشكل شبه حرفي؟

إن الثابت تاريخيا هو أن هناك أكثر من ستة عشر قرنا بين الحدثين فقد حكم سرجون الأول الأكدي (تمييزا له عن سرجون الثاني الآشوري) من سنة 2334 ق م إلى 2279 ق م . أما حدث إعادة كتابة التوراة في بابل من قبل النبي دانيال وزملائه فقد حدثت بعد سنة الأسر البابلي 605 ق م .وهكذا فالأقدم هو سرجون الأكدي وسيرته التي انتحلت للنبي موسى ويصل الفرق الزمني الى ستة عشر قرنا تقريبا. وهذا بصدد مثال واحد هو سيرة سرجون فماذا بخصوص القضايا الأخرى المشتركة بين النصين العراقي القديم والتوراتي؟

و إذا كان الجواب بـ : نعم، الأصل هو التراث الوثني العراقي القديم، فكيف يفسر الخطاب الديني الإبراهيمي ذلك؟ لعل أفضل تفسير اطلعت عليه هو ذلك التفسير الغامض والذي يجعله غموضه أقرب الى اللاجواب، وهو القائل إن الإبراهيمة أقدم من التوراة وربما سبقت هذه الأخيرة كتابات إبراهيمية لم نصل إليها بعد، وقد – يضيف صاحب هذا الرأي- أخذ منها الوثنيون هذه القصص. وهذا التفسير لا دليلا أركولوجيا أو تاريخيا أو تأريخيا واحدا عليه، ولا يمكن بالتالي أن نبرهن على صحة المبرهَن عليه "النص العراقي القديم" بغير الموجود أصلا، أو بغير المبرهَن على وجوده، أي " النص الإبراهيمي الأقدم" وحتى على افتراض صحة هذا الاحتمال، فكيف نوفق بين الرؤية الوثنية البابلية القديمة وضمنها التفاصيل الفنية والحيثيات الواردة في النص العراقي القديم وبين النص الإبراهيمي "المفقود" إن وجد؟

أما الزعم التوراتي القائل بأن النبي نوح هو الحفيد التاسع أو العاشر لآدم فهو متهافت علميا تماما، فلو تسامحنا في الحساب و اعتبرنا أن مدة الجيل الواحد أربعين وليس ثلاثين عاما، فلن يتعدى الامتداد الزمني بين نوح وآدم أكثر من أربعة قرون، فهل يعقل هذا الامتداد مقارنة مع ما أثبتته العلوم التجريبية والأبحاث الحديثة المتخصصة حول عمر الإنسان وعمر الحضارة البشرية الأحدث سنا منه ؟ لقد قدمت دراسةُ الإحفوريات " الإركولوجيا" وتحليلُ الحمض النووي للبقايا الإنسانية أدلة قاطعة تشير إلى أن الإنسان الحديث كان في أفريقيا قبل حوالي 200 ألف عام، فأين نضع هذه الحقائق الموثقة علميا؟ هذا من الناحية "التاريخية"، أما "تأريخيا" فهذا التفسير القام على احتمال وجود نص إبراهيمي سابق للطوفان، لا قيمة له، بل هو خطأ فاحش، فأشهر التواريخ التي "تؤرخ" للنبي إبراهيم تعود الى سنة 2200 قبل الميلاد، أي أنه لا يبعد زمنيا عن عهد سرجون الأكدي بأكثر من قرن واحد، فماذا بخصوص الأساطير التي ترقى الى عهود أقدم من سرجون بعدة قرون؟

هل أسس نوح العنصرية الأوروبية والأميركية : لعل من أطرف وأغبى مفردات هذا الملف هي تلك التي تخص نظرة بعض الجهات السياسية والكنسية الأوروبية والأميركية إلى قصة نوح وإلى شخص النبي نوح. فكما قلنا كان نوح في نظر أغلب المسيحيين رجلا صالحا وحكيما بل أن هناك جهات كنسية اهتمت بسفينة نوح أكثر من اهتمامها بنوح نفسه. هذا ما أكدته مثلا الكتابات المسيحية التي كتبت في القرن الرابع بعد الميلاد من قبل أوريليس أوغسطين (354 – 430 م) حيث تم إعطاء أهمية دينية كبيرة لتلك السفينة و تم اعتبارها رمزا للخلاص من خلال تشبيه السفينة بالكنيسة. ففي القرون الوسطى بدأ " المثقفون وأفراد النخبة" المسيحيون الأوروبيون يهتمون في كتاباتهم بالاقتناع بالتوزيع العرقي للأجناس البشرية الذي ورد ذكره في سفر التكوين، وأضافوا إليه توزيعا طبقيا جديدا حيث اعتبروا رجال الدين والقديسيين ينحدرون من سلالة سام، والفرسان والنبلاء الإقطاعيين ينحدرون من سلالة يافث والفقراء ينحدرون من سلالة حام! يرى بعض الباحثين أن في هذا الكلام تكرارا لفكرة لعنة حام والتي يعتبرها البعض أول تقسيم عنصري مستند على الدين، والتي لعبت دورا في النظرة التمييزية التي نشأت وما تزال قائمة إلى حد ما إلى الأفريقيين وأصحاب البشرة السوداء.

وقد بلغ الأمر ذروته في العصر الحديث وتحديدا سنة 1964، كما تقول الموسوعات التاريخية المفتوحة، حين قام السيناتور الأمريكي اليميني العنصري روبرت بيرد من فرجينيا الغربية باستخدام قصة نوح كمبرر لإبقاء سياسة التمييز العنصري في الولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة صعود الحركة السلمية الديموقراطية للأميركيين من أصول أفريقية ضد الدولة العنصرية الأميركية بقيادة مارتن لوثر كنغ والذي اغتاله العنصريون سنة 1968 بالرصاص ولكن حركته انتصرت انتصارا رائعا وكنست ركاما هائلا وجزءا كبيرا من الزبل العنصري الأميركي. لقد كان بيرد أكبر المعمرين في مجلس الشيوخ وقد كان سيناتورا منذ 1959 وهو الذي رفض في عام 1991 ترشيح قاضيتين من أصول أفريقية أمريكية للمحكمة العليا في الولايات المتحدة كما رفض في عام 2004 ترشيح كوندوليزا رايس لمنصب وزيرة الخارجية وقد توفي عام 2010 لأنها من ذات الأصول . ورغم رحيل بيرد عن عالمنا ولكن أفكاره وممارساته ما تزال حية في الولايات المتحدة التي ينظر إليها أدعياء اللبرالية عندنا بوصفها كعبتهم الخاصة!

المنع الأزهري لنوح السينمائي الكاريكتيري : ننتقل إلى موضوع فيلم " نوح" للمخرج دارين أرونوفسكي. ونسجل أولا الملاحظات المفتاحية التالية :

-يعترف اليهود والمسلمون بنوح كأحد أنبياء الله بل إن المسلمين يزيدون عليهم بوصفه، فهو عندهم من الرسل ذوي العزم أي الرسل المتميزين، أما المسيحيون فلا يعتبرونه نبيا بل رجلا صالحا وحكيما فحسب، وهذه خصوصيات دينية ينبغي احترامها فكل أتباع دين أحرار في ما يعتقدون. غير أن نوح الذي رأيناه في فيلم أرونوفسكي لا علاقة له لا بأوتونبشتم السومري ولا بنوح التوراتي بل كان مزيجا من أفلام الفنطازيا ومن النوع المكرر وثقيل الدم و الفيلم التاريخي المصنوع بتقانة ومهارة فنية رفيعة فعلا.

-أما عن حيثية منع هذا الفيلم في عدد من الدول العربية من العرض فيمكن ان نقول إن هذه الخطوة جاءت بمبادرة من الأزهر، الذي اعتاد على القيام بدور المانع والمحرم لهذا النوع من الأفلام، و المبرر الذي طُرِح لمنع الفيلم مكرر بدوره ولا علاقة له بقصة الفيلم، بل بكون الفيلم يظهر أحد الأنبياء مشخصا بشريا وبشكل مباشر وهذا ما قام به الأزهر حين أخرج ميل جبسون فلمه الرائع - رغم قسوته المفرطة -"آلام المسيح" وهو الوحيد الذي راعى أن يتكلم المسيح فيه بلغته الآرامية وليس العبرية أو الإنكليزية.

إن تبرير المنع الأزهري لهذا الفيلم قديم نسبيا، وقد تجاوزته الدراما التلفزيونية الرمضانية حين جسدت شخصيات الخلفاء الراشدين أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قبل عام في مسلسل "عمر الفاروق"، ويبدو انه انتهى كتقليد تحريمي أو بدأ نهايته الحتمية، ونضيف بأن هذا التقليد التحريمي انتهى ولكن على مستوى الخلفاء الراشدين وليس على مستوى الأنبياء. هذا بخصوص منع عرض الفيلم و الذي يبقى غير مبرر طالما أنه ابتعد عن الإساءة الأخلاقية للشخصيات المقدسة سواء كانت لأنبياء أو خلفاء أو غيرهم، وهذا ما حدث في فيلم أميركي آخر صنع في الثمانينات هو "الإغواء الأخير للمسيح" للمخرج مارتن سكورسيزي ولم يكن هذا الفيلم يخلو من الإساءة الأخلاقية للنبي يسوع المسيح حتى أن المطالبة بمنع عرض الفيلم شملت إضافة الى الكثيرين من المتدينين المسيحيين آلافا من اليساريين والعلمانيين وحتى الملحدين الصرحاء في أوروبا وأميركا .

فائدة لغوية : كلمة "التاريخي" هي نسبة " نعتية" إلى التاريخ وحوادثه بمعانيها عامة. أما "التأريخي" فهي نسبة الى ما تم تسجيله بأرقام السنوات في الماضي .. للتوضيح : حين نقول بأن الحلاج شخصية تاريخية فنحن نعني أنها شخصية ذات قيمة كبيرة معنويا وأخلاقيا وفلسفيا في التاريخ العربي الإسلامي والإنساني وحين نقول " الحلاج شخصية تأريخية" فنعني أنه شخصية حقيقية في التاريخ وليست شخصية وهمية أو أسطورية.

يتبع

*كاتب عراقي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2800 المصادف: 2014-05-06 00:10:53