المثقف - قراءات نقدية

قراءة نقدية للنص المسرحي (دوران) للكاتب: ابراهيم الحارثي

khadom allamiوضع العديد من كبار اساطين اللغة ودهاقنة النقد واساتذة العلوم والفنون المرتبطة بالكلمة جملة من القوانين الواجب اتباعها عندما تحط فراشات الكتاب النقاد على اغصان دوحة النص بمختلف مرجعياته الجنسية غاية هذه القوانين تحجيم ميول هؤلاء النقاد وتوجيه طاقة اللاشعور المتولدة لديهم وهم يغوصون في اعماق منجزات الاخرين باتجاه حيادي مقنن وكأنهم يريدون من الجميع السير باتجاه واحد لا يتزحزح يمينا او يسارا دون ان يرد في خاطرهم ان هناك عقبات ومطبات وتعرجات نفسية موروثة او انفعالات ثقافية متلازمة ارخت بيوغرافياً لسيرة اجتماعية وايديولوجية علمية وادبية لدى الناقد مع تواطئ جمالي خاص هي من سيكون لها القول الفصل في تجسيد الانطباع الواقعي لما تراه العيون وتسمعه الاذان وتحسه الروح وتتفاعل معه الموروثات الثقافية وهذا المنحى يختلف من ناقد الى اخر وما اعنيه بكلمة ناقد هو الناقد الادبي صاحب الخلفية العلمية والناقد المتمثل بالقارئ المجرد مع الاخذ بنظر الاعتبار ان ليس كل ما يطلقه فكر الناقد هو انطباع مجرد بل يؤشر في اكثر الاحيان استجابته لبعض الميكانزيمات التي وضعها علماء اللغة والنقد والتي تمسك بزمام المبادرة لديه ليس من باب الاستسلام بل من باب المهنية التي تميز بين الدارس والممارس والمتبحر بأصول النقد وبين الاخرين لذا هناك دينامية جمالية ابداعية خاصة ذائبة في طيات القانون النقدي مع الاحتفاظ باستقلالية معينة تسيطر على الناقد ترافقها بعض الثغرات التي تطل منها الروح بمعية العقل انطباعيا وتعبيريا وتفكيكيا ومن هذا المنطق والمنطلق اجد ان ما يتم نقده منفردا يجب ان لا يعول عليه بالمطلق ولابد من تصورات وانفعالات ناقدة اخرى يتصدى لها اخرون كي تكتمل الصورة والتي من الممكن ان تهذب قلم كاتب النص للوصول الى ابجدية تعبد طريق الابداع للجميع وقد اشرت من خلال سني تجربتي المتواضعة احكاما قاتلة لبعض النقاد وهم يبحرون منفردين في طمطامية بحور نص معين دون ان يكون للأخرين مشاركة فيه يمكن للمتلقي ان يميز حقيقة المؤلف المسرحي وقيمة نصه حيث اصبحت تلك القراءات النقدية ملزمة يحتكم اليها المختصون لتقييم نتاجات المؤلفين مما يشكل ظلما بمستوى معين لكتابنا المسرحيين.

تحفزت كثيرا عند اتمام قراءتي الاولى لنص الكاتب ابراهيم الحارثي(دوران) في كتابة ما يجول بخاطري نقديا وانعكاسيا لصورة مثلت امام ناظري بطلها الاوحد هو الكاتب لسبب واحد .. هو الروح الشعرية والفلسفية المتشربة في حوارات الشخصيات المسرحية لديه حيث كان النص غير مألوف بالكلية من الدخول حتى الخاتمة ومن جميع نواحي طبقات النص المادية والمعنوية مع بساطة كبيرة في ايصال الفكرة بوجود ما سبق قوله من فلسفة وشعر وجماليات صيغت بشكل سوريالي غاية في الابداع. اذن الكاتب المسرحي ابراهيم الحارثي يشكل بإبداعه نقطة تحول مع علامة فارقة وانعطافة حادة في ثيمة وقيمة ما كُتِبَ خلال سني الخصب الادبي العربي الحالية وهو من الكتاب الذي يجعلك تفكر وتفكر وتفكر.

نقف عند البناء الذي امتهنه الكاتب كعامل بناء ملم بأدواته العمرانية وهو يتعامل مع مفاصل المسرحية بشكل عام او بجزئياتها العديدة والمتمثلة بالشخصية والحوار والحدث وقد اجاد بذلك فكانت حافلة بالتطور والوصول لهرمية الذروة في تفجير الشمس بضياء أكبر وأعم من خلال خلقه شخصيات فاعلة دراميا تمسك بزمام الامور من خلال كم هائل من الاسئلة فكانت في النهاية وبشكل عام متشظية فكريا! ولو بدانا بتحليل بنية الشخصية نجدها شخصيات متخيلة تنقلب من خلال القراءة الى شخصيات حقيقية نتيجة لتوافق انفعالي مراياتي لدى القارئ ربما كانت قناعا للكاتب يتخفى خلفه وهذا ما يحصل لدى العديد من الكتاب وربما اغلبهم فالشخصيات تنطق بما يعتمل في ذاتهم بمعنى انه لو تسنى لاحد من الكتاب المسرحيين ان يفكر علنا وبصوت عالٍ لكانت هي نفس الكلمات التي تحدثت بها الشخصية المتخيلة على الورق لذا يلجأ العديد من الكتاب ان يجعل من الكتابة متنفسا له جدارا يتخفى خلفه ينتقد واقعا مريرا مع وضعه لحلول لا يستطيع ان يواجه بها المجتمع بصورته الحقيقية كانسان مجرد من الالقاب لأسباب شتى ورغم ذلك كان لصوت الموضوعية اثرا ملحوظا للكاتب في شخصياته التي ارتداها كأقنعة اخرى .. فقد فتح نافذة لها دون الباب لتطل منه ليشيع بعض الحرية لديها مع كامل سيطرته عليها من خلال ريموت كونترول عالي الدقة للشخصية الرئيسية التي رمت بظلالها على سلوك بقية الشخصيات حيث كانت الشخصية الرئيسية هي الجثة الهامدة اما الشخصيات الثانوية المتشظية فقد تمثلت بالجوقة او المجموعة والتي تبدو منفردة في تفكيرها وسلوكها تبحث عن حلول تخص الشخصية الاولى لمحاثة الزمتهم بالتأثر القسري لوجودها في طريقهم دون سابق انذار لذا حُجمت هذه الشخصيات قليلا بهذا الاتجاه وهذه الجوقة تعكس حال المجتمع في ان سلوكه ما هو الا ردة فعل لما يجري امامه فهي تسير اي الشخصيات بشكل كونترابنطي بموازاة الشخصية الرئيسية لينتهي بها المطاف ملتحمة متماهية تتحدث لغة واحدة متمردة ثورية ..اعتمد الكاتب في تحريك شخصياته المادية والمعنوية على الايقاع والبناء الهارموني المتوهج وبشكل بوليفوني فيما بينها اولا ومع محيطها الزماني والمكاني ثانيا .. بعبارة اخرى ان هناك شخصيات تتحرك ليست من سنخ الشخصية الرئيسية تقع بمستوى مغاير لها الا ان اصواتها تتحد كالمُرَكب المتكون من عناصر عدة لينتج واقعا اخر بمسمى اخر وبكينونة اخرى يدور عدة دورات درامية ثم يعود لمصدر نبعه الاول مع التنويه الى انه حتى اصوات الجوقة هي صاحبة اشعاعات مختلفة الاتجاهات الا انها في النهاية تشكل (فوجا موسيقية) كبيرة هنا وصغيرة هناك تتعاضد وتصب في بوتقة واحدة لتتبلور صورة تخص وتعنى بالشخصية الرئيسة ..كانت الجوقة تتمثل بشخصيات جاهزة التكوين لا تتزحزح مطلقا في نزيفها الدرامي بمعية الحدث والحوار وعرفنا خصائصها في بداية المسرحية ولم تتبدل ولم تتطور طوال المسرحية الا ان الكاتب استطاع وبحبكة مميزة بان يبعث فيها الحياة وبقوة مضطردة وجعلها وفقا لنظرية مسرح داخل مسرح تتحرك بشكل مغاير حقيقة وعنوانا بان جعل منها الدكتور والاداري وولي الميت وموظف الاستعلامات وعامل النظافة وغيرها من الشخصيات ثم اعادهم الى ما كانوا عليه ليتغلب على احادية الخط الدرامي الواحد حيث استدعى تركيبا ضروريا استوعب الفصول الثلاثة وحبكتيها الاثنتين حتى يحدث التكامل في البنية العامة للنص ليعزف لحنا جميلا بإيقاعية متنامية انطلاقا من الانتقالات الحثية بين اللحظات الدرامية والبنيات الصراعية دون التأثير على التوالي والتسلسل الدرامي المتجه نحو تلة الذروة .

وبخصوص الشخصية الرئيسية وهي جثة الميت وكما يقولون اول الغيث قطر يطل علينا الكاتب بجثة مجهولة ملقاة او مسجاة باحترام او بابتذال لا يعرف ذلك للوهلة الاولى تختلط معها كل التوقعات هل هي ضحية ام جلاد؟ هل هي مختصر مفيد لعديد الجثث التي تطالعنا بها الاخبار والصحف وزيارة مستشفيات الطب العدلي؟ لا أحد يعلم هل هي جثة طفل؟ ربما طفل لكن الحياة احدثت في روحه شروخا جعلته بهذا الشكل .. ربما جثة امرأة؟ ربما نعم .. بسبب التغييرات الفسيولوجية لدى الجميع والتحولات الجمة بجنس الانسان .. هل هي جثة قائد عسكري ام جندي تابع له .. جثة قواد ام غانية.. ربما لاعب كرة قدم مات معتزلا بعد نضوب قوته ومهاراته او فنان ممثل كاتب مخرج فشل في اخر اعماله بسبب هفوة اداة من ادواته ربما وربما وربما؟؟؟!!!! وفي قناعتي ووفقا لنسغ الخط الدرامي والثيمة الايديولوجية التي انتهى لها النص اجد ان هذه الجثة لثورة مجيدة نحتت بإزميل ومطرقة فنان ثائر على جدار الحياة التي لا تنتهي فصولها ..واجهت تلك الثورة عتاة الارض وشياطينهم فخذلها الاتباع وتفرق عنها الأصحاب اصحاب الدعوات في الرغبة بالتغيير ليبقى وحيدا في ساحة الحق وهو يواجه جيوشا من ظلام انتهى به المطاف جثة تلعن الجميع لتخاذلهم وظلمهم لتسجل نتيجة لذلك بكائية امتدت فصولها حتى يومنا هذا غايتها تبرير التخاذل مع تأنيب للضمير يقض مضجع الطفل الرضيع في حجر امه وكما اورد ذلك احدى الشخصيات (كل شيء فينا يبكي، أصواتنا تبكي، نحن نبكي، الكمنجات تبكي على وطنٍ ضائع لن يعود) .. ..كل ذلك يعطينا الحق للقول ان الانسان الحالي ممزق بصور عديدة ..مجهول الهوية والعنوان لذا نحتاج الى عملية تحليل وتأويل للوصول الى كنه هذا الانسان ورغم هذا المجهود الفكري يصعب علينا تحديد عائدية تلك الجثة في يومنا الراهن بسبب مجانية الموت اليومي القابض على خناق الحقيقة والجثث التي تملاْ الطرقات والطوابير الخانقة من المكلومين امام موظف الاستعلامات الخاصة بالجثث المجهولة للسؤال عن اخ او اخت او اب او ام فقد بظروف غامضة ليتحول الانسان الى مسخ غير واضح المعالم معلنا عن نفسه وبصرخة مدوية بانتمائه الى كل القوميات والمذاهب والمشارب.

هناك تيه ينتاب الجميع في معرفة حقيقة هذه الجثة الملقاة على قارعة الطريق من قبل الجوقة تراهم يدورون بتساؤلات ليس لها جواب او مجيب تنطلق من الوجود ومعضلاته اساسا لها لتتجه بعد ذلك نتيجة لتسلسل الافكار وبلورتها الى النتيجة النهائية المتصلة تمام الصلة بدراسة مشاكل وهموم الانسان ومن خلال العنوان (دوران) يتأكد هذا الامر فجميع شخصيات العمل تتأرجح بالتفاف ودوران كناعور لا تنتهي حلقاته المستديرة .. وجلة مرتبكة حذرة من الوصول الى مركز الدائرة لكنها تبقى تدور مدار الجثة دون الحصول على اجابات مقنعة لتختلق من قبلها واقعا ملائما يحاكي او يلامس واقعهم وواقع البطل المرمز اي الجثة المجهولة مستخدمين اداة قديمة قدم الوجود الا وهي الحلم هذا الافيون الذي طالما كان سلاحا للمعدمين في تلافي خطر التلاشي .. وما قام به الكاتب من قدرة في بث الصورة المكتنزة بالإجابات لعديد الاسئلة التي طرحتها الجوقة او التي تشكلت لدى المتلقي ما قام به كان كبيرا حقا يعكس حرفنة في ايجاد الحل المناسب لكل ما مضى حيث وصل بنا الى فكرة مفادها ان الكونيين لا يفنون ولا تموت فيهم الحقيقة وخيرا فعل حينما جعل الجثة تنهض من جديد وهي تبتسم في نهاية المسرحية دليل على ان الفرج قادم وان النصر يلوح في الافق بل هو اصبح ملء الشاشة وكل ما كانت تعانيه الجوقة من جفاف وقحط وبؤس وظلم وانزياح ناحية المجهول تبدد كل ذلك بعودة النور وتدفق النهر وشيوع فراشات الحب في دوحة للحب اسمها الحياة ولم يأتي هذا من فراغ بل من خلال تفكيك جدلية الوجود والعدم وجعلها تنحو الاتجاه الواحد لتكون كلمة فصل كما قلنا بان الثورة لا تنام ولا تموت والحق والحقيقة هما الباقيان بعد فناء الباطل ونفض غبار الوهم عن الحقيقة .

منذ الانطلاقة الاولى واعلان ساعة الصفر لمتواليات الحدث المسرحي للنص (دوران) كان لشخصية الجثة نموا ملحوظا بشكل طولي وعرضي استحال في النهاية لصورة احاطت بملء الشاشة تطورت امام اعيننا طوال احداث المسرحية حيث استطاع الكاتب ان يبعد عنها الكتلة الجامدة والتي لا يستساغ للمسرح ان تكون معه وفيه وهي بهذا الثقل الممل حيث جعلها تنبض بالحياة والحركة من خلال حوارات الشخصيات الاخرى وافعالها والتي تجرى مجرى الحدث الرئيسي الذي يحمل هوية الجثة لتعتمر جميع الشخصيات بقبعة المجاهدة لتجعل من نفسها وحسب مقولة ( اوبرسفيلد) (العوامل المحركة( التي تقود الحدث لتحقيق هدف يسميه المخرج الروسي ستانسلافسكي (الهدف الأعلى)..

للحدث ضرورات واكراهات تسلك مسلكا دراميا تفجر الانفعال وتؤسس لاستطالات عدة تعبر العقد وتبني هياكلا ثرة تأخذ بالقارئ الى عوالم لا يمكن الوصول اليها ان كانت بقفزات بليدة بل كانت لحرفية المؤلف اليد الطولي في بعث مكامن القوة لدى القاري في استنباط واستقراء تجريبي لمستقبل الاحداث مع بث روح التوقع من خلال المحاكاة الاحتمالية في نسج قصة بدايتها بيد المؤلف واطرافها بيد القاري قد تتحد بمحاكاة واقعٍ خارجي او تتقاطع مع قابل النص بمحاكاةٍ تصويرية تعتبر طبيعية لاعتبارات عدة مجالها ثقافة المؤلف والقاري وموروثاتهما .. لنخرج بنتيجة ان الحدث لدى المؤلف ابراهيم الحارثي هو ليس كشف المعنى بل انتاج للمعنى بصوره العديدة الواقعية والخيالية يرتقي من خلالها القارئ بنشاط تأويلي يمنحه لقب مؤلف ثاني حيث تتحد بينهما اي الكاتب والقارئ اساسية مهمة ان الكاتب يكتب لقارئ افتراضي والقارئ يقرا لكاتب افتراضي لكن تبقى الممانعة تتلبس افكارهما وبالتالي نجد بعض الميكانزمات اللاتوافقية تنحو بالاثنين احيانا الى الاغتراب وما يزيل هذا الاغتراب هو الحدث الدرامي الذي يهز القارئ ويحيزه ناحية ملكوت فكر الكاتب من خلال حوار الشخصيات الشعري منتجا صورة النص الحقيقية بخلق الشخصية التوأم مع القارئ والتي بدورها تخلق الحدث والذي يتفجر اسئلة حوارية على لسان الشخصية المكتوبة على الورق بالاعتماد الكلي على الأمور غير الواقعية : مثل الأحلام واللاشعور والخيال لكنها في النهاية تسير بإطارات واقعية تشع منطقا سليما اضافة الى ما سلف ان الحدث لدى الكاتب ابراهيم الحارثي يتشكل بقمتين احداهما اعلى من الاخرى والاعلى تجبر الادنى للتناسل وبالتالي تتظافر القمم الدنيا لديه لتأكيد وجود القمة الاعلى والتي هي موجودة فعلا منذ بداية النص وان لم ينتبه لها القاري او لم يصرح بها الكاتب وهذا ما يحسب للكاتب في قدرته على ادارة دفة الايقاع بنغمية مبهرة.

الزمان والمكان لدى الكاتب يتصفان بالديمومة والتواصل والحرية بالتواجد وفقا لعبارة (منذ وحتى) وكانه يريد ان يقول ما كتبته هو قصة وجود بأكمله منذ نشأته وحتى خرابه بيئتها كرة ارضية تدور وتدور لا تمل عن الدوران ليعلن بصراحة انها قصة الانسان الكونية ..

نهض قلم الكاتب المسرحي ابراهيم الحارثي وهو يطل علينا بنص مسرحي عنوانه (دوران)على فكرة مفادها ان الموت بمسماه الشكلي لا يتحد او حتى يقترب من شيء اسمه الحقيقة لان الحياة حقيقة تجريبية ملموسة كل يوم يتحدث امامنا المئات من البشر عن حياتهم اما الموت لديهم فهو فكرة ..نعم فكرة ..لأنك لم تلمسها بيدك ولم تحياها ولم يأتي احد من الموتى يخبرك كيف مات وبما ان الانسان يتعلق كثيرا بالتجربة والحس فالحقيقة التي بيئتها الدنيا لا يمكن لها ان تموت فهي ثابتة ماثلة لا يمكن ان تُزحزح خارج الوجود والصيرورة والامكان لكنها تحتاج احيانا من يزيح الغبار عنها لأنها موؤدة في المهد دائما وهناك من لا يريد للحقيقة ان تكون حقيقة فتراه يزوقها او يعدمها للتحايل من اجل طمس معالمها لذا تحتاج عقول فذة وسواعد قوية ترفع هذا الاحتيال عنها علاوة على ذلك اوجد الكاتب وفقا لهذا السياق الدلالي جزئية غاية في الواقعية ان جميع الحقائق تولد نتيجة لحدث ما بطله افراد او جماعات .. باعتبار ان الحقيقة ليست مجردة من الزمان والمكان والبطل ..وليس لها معنى سوى مسمى فارغ ان لم ترتبط بوجود شيء مادي يصدق تواجدها اي انها نتيجة لسبب .. وعودة لحقيقة الكاتب التي يريد ان يثبتها فلسفيا انه بمجرد بزوغ شمس للحقيقة فهناك عوامل ذاتية وخارجية عامة وخاصة اطفأت نورها وهناك من كان بليدا نائما غافلا سارت على جسده كالأفعى دون ان يحفل بها لكن نهوضها من جديد هو عند يقظة هذا الغافل اذن تعتري الحقيقة ميكانزمات خطيرة تمنعها ان تستطيل وتعلن عن نفسها وما حالنا اليوم الا نتيجة التغافل عن الحقائق وعدم امتلاك الجرأة للتعامل معها او للتحدث عنها ولو من بعيد حتى اصبحت الحقائق خزين وهاد الغفلة والخول والتميع وتلاشي العقل وادواته وربما ستصبح في يوم من الايام كالبارود الشديد الانفجار تأتي عليه ازمنة تتقاذفه و تفقده اثره التفجيري والانفلاقي الحاد ليساق الى متحف للتلاشي.

تعامل النص المسرحي مع مبدا الصوفية ونظرية الحلول بشكل قسري ارغم هذه المسمى ان يجر الى ساحة رؤى وافكار المؤلف من خلال القدرة الغائية المتشربة بها اي افكار المؤلف في تطويع النص امام القاري واحكام نظرية الحلول في القاري بحيث استطاع ان يتحكم بالقاري لاعتناق افكاره بشكل قسري رغم وجود بعض الثغرات التأويلية الضيقة التي كان يحاول ان يتلصص منها القاري ناحية مشهد اخر وإحالات اخرى وهذا ما يحسب للكاتب في معرفته بأصول البناء .. بناء طبقات النص بقوة تمثلت في بناء الشخصية الرئيسية والحدث من خلال حوار جزل ممتع فلسفي شعري يحيط بك كهالة نور ثرة الضياء تشعرك بالألم احيانا نتيجة وخزات متكررة تحثك على اقتفاء أثر الحقيقة قبل ان تصبح عالما من الوجود بين يديك يدفعك للتفاعل معها بطريقة الند للند.. استطاع الكاتب ابراهيم الحارثي اسر القارئ بيسر وسهولة بقدرة غرائبية متواطئة وتوافقية مع جسده وروحه وهذا ما نراه ماثلا في جميع نصوصه وذلك بمنظور فلسفي يثير التساؤل وفق رؤية فاعلة تكسر أشكال الكتابة التقليدية وتقدم صياغة درامية تضع نصب أعينها الخشبة خشبة الحياة وخشبة المسرح بكل خصائصها وخصوصياتها ليسجل للكاتب ابراهيم الحارثي ابتداع مسرح تركيبي جمع بين الكلمة والحركة العقلية في تزامن فعلي حضوري اسس لحدث مسرحي ضمن منظومات جمالية تتلون وتتأطر بتركيبات إيحائية مع كم هائل من الاحالات السيسيولوجية والبيوغرافية لوطن هزمته الحقائق المعفو عنها وهذا ما جعل النص يفيض بشتى الرموز وينحو إلى التجديد المطلق بما فوق الحداثة .

ما هي مصادر الكاتب قبل ان يشرع بالكتابة؟ بالتأكيد هو البحث الموضوعي واستقاء مادته من العوالم الخارجية والذاتية كونه احد افراد هذا المجتمع وانه مرآة تعكس ما يحدث فيه لكن السؤال هو بالتحديد ما الذي اثاره وما هي الفكرة التي سيطرت عليه وحفزته كي ينزف حبرا على الورق ويحمل رسائلا عدة تؤسس لحلول قد تكون فيها بعض النسبية للتحقيق .. اجدني وفقا لهذا التساؤل ان ما يحدث الان في بلداننا النائمة من تشرذم وطمس للحقائق وانحدار اخلاقي وكم هائل من نبوغ بذور الخيانة في مفاصل الساسة الرابضين كالهم الثقيل على صدور الشعوب كل ذلك هو ما اثار الكاتب ليدلي بدلوه وقد نجح بقوة في تصوير هذه الجزئية الاجتماعية مع تواجد حلم كبير يراود مخيلة الانسان عمره ألف واربعمائة سنة.

حدوتة المسرحية تتلخص في مجموعة من الناس تعيش البؤس والياس والتشرذم بأخص معانيها مع عدم القدرة على الحلم في التغيير وانتقاء الملائم منها لحياة كريمة وعزلة الإنسان وانفصامه عن واقعه والعالم من حوله وشعوره بالإحباط والضياع والعبثية صراع تعيشه المجموعة لتوثيق الحياة مع فتح نافذة لكي تطل شمس لا تعرف التخاذل شمس جلدة قوية تنتصب كسيف اشوري بيد ملك الجهات الاربع ترفع القاذورات عن العيون لتبصر خيوطا ذهبية تصنع منها ضفائر تجلد الموت الا ان هذه المجموعة من الناس تحيا حياة لا تمتلك فيها محركات يمكن ان تدير اتجاهاتها وفقا لأمنياتها المشروعة واحلامها المختلقة لهذا تراها شخصيات منهارة خائبة وجلة، وفي لجة هذا الضياع والتبعثر وعدم معرفة سبب وجودها مع عدم القدرة ان تشرئب الاعناق لتطاول الوجود تبقى متخفية تصطبغ ارواحها بالوان اللعبة الشعبية (غميضة الجيجو) وهي تعيش انتظارا طالت فصول تحقيقه بعد ذلك يعثرون في طريقهم على جثة رجل مسجى يتشح بكفن يخفي حقيقته الا من ثورة من تساؤلات تعترض صمت هذه المجموعة وبعد التي واللتيا وبعد توصيف لبعض الامور الشرعية بدفن الميت واكرامه يصطدم الجميع مع القوانين .. هذه القوانين الثورية الناهضة التي تجملها بعض السيميائيات الكثيرة والكبيرة ليتقرر عدم دفن هكذا شخصيات فهي أرقي من ان تكون بين طيات التراب بل روحا تعيش مع الكونيين في تناسل كبير ليبقى شاخصا علما يستحث الذاكرة والحلم كي تنتفض باختيار ما ينقذ الجميع والانتقال الى عوالم اخرى مكانها الشمس ... لنخلص بالتالي الى ان نص (دوران) هو عمل فلسفي تجريبي بمغزى حقيقي واقعي.

اقتفاء اثر جينالوجيا النص المسرحي وتطبيق قواعدها على ما كتب الاستاذ الحارثي يجعلنا نقف كثيرا عند مثابات معينة تجعلنا نتأرجح بعض الشيء بالحاق ما قرأنا الى مدرسة معينة من مدارس الكتابة المسرحية او الادب بشكل عام فما ان تدلي برايك بنسبة النص لهذه المدرسة او تلك ترى الكاتب ينتقل بك من خلال الحدث وصناعة الصورة وسسيسولوجيا الحوار بدكتاتورية جمالية الى اعتناق مدرسة اخرى وهل يكتفي الكاتب عند هذه المثابة بالتأكيد الجواب لا بل يستمر في بعث البهجة من خلال هذه الانتقالات التي تعطي زخما ودافعا للنص ان يتوهج بأكثر من لون وهذه الفسيفساء اللونية الشكلية والداخلية هي ما يجعلنا ان نبصم بالعشرة للكاتب بانه سارق محترف للقراء من انفسهم والسفر بهم على بساط الريح الى مدن عدة تزيدهم خيالا ومتعة .. كل ذلك وغيره يحثنا على الاقرار بان الحداثة وما بعدها تواجدت بتمرد الكاتب على المألوف المتلاشي الصور والابعاد ليشكل له استقلالية تنحو بالكلمة الى الارتقاء وانتاج الصور العديدة والجميلة لتحل محل الفراغ الذي الت اليه فجوات النصوص المسرحية المتواطئة مع نصوص كلاسيكية جامدة زمانيا ومكانيا. وفقا لما قرانا من تراكيبٍ نصية للكاتب نجده احيانا واقعي نتيجة ما اورده من هموم كانت تلف كربطة عنق على رقاب الجميع من ابناء مجتمعاتنا المقهورة واحيانا نجده سورياليا عندما تترك الجثة بلا دفن لنجدها في النهاية تقف على قدميها واحيانا تعبيريا حينما تبوح الشخصيات بما يجول بخاطرها كردة فعل لما يجري امامها كمسرحية هم ابطالها او ما تراه وتتصوره في الخارج اي خارج النص وخارج الخشبة لو تحول الى عرض مسرحي وخارج الشخصيات وحتى خارج حدود الواقع والمعقول وتجده ماركسيا وجوديا حينما يتحدث عن النشوء والتلاشي والبداية والنهاية وما حصر من طريق بين هاتيك النقطتين .. وكل ذلك يحث ويحرك المتلقي بشكل عام على التساؤل ليس مثل تساؤل العجماوات من البشر بل تساؤل محترم واعي رائده العقل نتيجة ما يراه من استقلابات حالمة لا واعية لا شعورية مجالها ما ورائيات يتفاعل معها بالأخذ والرد واستيراد الخزين الذاكراتي مع سلسلة طويلة من مثابات سيسيولوجية انثربولوجية ..وإلا لمَ سمي المثقف مثقفا وذلك لأنه يحتفظ بهذه الموروثات والطباع وسيدة الجميع بهذا الخصوص هي الذاكرة التي تتواجد بقوة وهارمونية شفافة مع كل ما يمر امام العيون والاسماع وحتى الانوف كمنتج عطري غاية في التضوع.

سنلقي الضوء على بعض المثابات العالية الواضحة والتي تلوح للقادم بعبارة انني هنا اما تراني لأنها تعكس دينامية ما يفكر به الكاتب وتعكس شخصيته الباحثة عن الجمال بسيل من الانثيالات الموسيقية التي لا يعرف النشاز طريقا اليها اراد بها الكاتب تفسير الكثير من الظواهر والاحداث وما التبس على القارئ قبل ان يقع نص هذه المسرحية في يديه فكان هذا البوح الممتع..  

ممثل1: الجفاف يستمر دون أن تأتي غيمة لتنشر الحياة

انطلاقة نقدية وضعت إصبعا على جرح غائر حد الروح حديث عن السياسة والوطن والقيادات والتابعين الذين لا يملكون من امرهم شيئا والى أي مدى وصل جدب الحياة بالجميع.. ليرد عليه الثاني....

ممثل3: عن أي حياة تتحدث، حتى أصواتنا التي نطلقها، لا تستطيع كسر جدرانها العتيقة

الاول كان يتحدث عن حياة جديدة اما الثاني ولتجربة مريرة يعتقد ان الحياة القادمة نسخة من الحياة التي يعيشها في هذه اللحظة..الياس يوحد الصور جميعها بصورة واحدة مفادها الجدب ليشكل اعتراضا قويا ان ما تتمناه وتطلبه ليس بأمر من السابق فلا تبتهج على الفارغ..

أصوات بائسة يائسة ليس لها من القوة ان تخترق الجدران لتصل الى الاخرين كي تنبئ الجميع بان هناك زمنا ومكانا جديدين متخيلين غضين يلوحان في الافق يشكلان رسالة تطلب منهم ان يتحرروا قليلا من خوف لازمهم طويلا اما لان هذه الجدران تمثل اذانهم الصماء او ان هناك جدرانا وضعت بشكل قسري وربما بشكل ارادي نتيجة التقهقر الفكري وكأن الجميع تناسى مقولة تحسب نفسك جرم صغير وفيك انطوى العالم الاكبر.

ممثل5: لا لغة تستوعب خطواتنا، و أخطاؤنا التي تتكاثر كالأسماك، تتحرك برتابة ...

لغة الخطوات المكتسبة والمتأخرة تولد الأخطاء نحن لا نجيد حديث الخطوات بلغتنا المتكسرة لذا باضت اخطائنا بيوضا تفقست بأخطاء تتناسل علما ان شريط الاخطاء طويل يبعث على التحرك برتابة مملة وفي قابل النص ومستقبله سيجيب عن هذه الاخطاء التي جعلت من تناسل الاسماك صفة لتناسلها والتي لها ارتباط بمواقف اتخذت من الجثة قبل ان تأخذ هذا الشكل الافقي المنبطح.

ممثل3: نحتاج لعصا سحرية حتى نخرج من عباءة الظلام ..

هناك يأس مرير ينتاب الجميع مع رفض لواقع الحياة الآيلة للموت فليس بأيدينا عصا سحرية نستطيع بها تغيير واقعنا الذي لا يرضي عدوا ولا حبيب لأنه مهيئ بهذا الشكل السخيف الجامد وليس لدينا ادوات تجميلية تزوقه على الاقل وليس تغييره ..فضلا عن تلفعنا بهذه العباءة السوداء كي نرد بها حقيقة صورنا الممسوخة.

ممثل 1: كل شيء فينا يبكي، أصواتنا تبكي، نحن نبكي، الكمنجات تبكي على وطنٍ ضائع لن يعود .. ..

البكاء وسيلتنا الوحيدة بمعية الحلم لاسترداد وطن ضائع وهذا التشكيل اللغوي هو في غاية الابداع التصويري لحال الوطن فالضياع نتيجة تبدأ مسبباتها من خلالنا نحن فاحدنا باعه والاخر تغافل عنه واخر دل اللصوص عليه وآخر قدم سكينا كي يذبح من الوريد الى الوريد وفي رأيي المتواضع من اضاع الوطن ليس له الحق بالتحدث عنه.

ممثل 2: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟

البحث عن الحل .. الحل الذي حير الجميع في كيفية الوصول اليه فمنذ بدأ الخليقة ونحن نبحث عن الحل في بعث الحياة لهذ الوطن والنتيجة هواء في شبك بسبب رغبات انية ذاتية بسبب التردد في ولوج القصة وتأكيد الوجود كأحد ابطالها الفاعلين...

ممثل3: أن ننبت كالعشب، أن ننمو للسماء، أن نشق هذا الجفاف الذي يغتالنا ببطء ...

الحل هو ان ننبت كالعشب امر غاية في الخيال وذلك بان ننطلق من ذواتنا وبشكل طبيعي دون تدخل الغير في احداث التغيير المنشود والانطلاق نحو فضاءات ارحب واجمل واوسع وقد وضع الكاتب إصبعا على الجرح او قدما في اول الطريق سلوكا لنتيجة مقبولة داعيا من خلال ذلك ان تنطلق الذوات بوعيها الناضج لاستعادة المبادرة وعدم التعكز على الغير في احداث هذا التغيير لكن وصف الكاتب لهذا التغيير بالعشب فيه بعض المؤاخذة لان هذا العشب سرعان ما يعتريه اليباس ومع اول قدحة يحترق هو ومن عليه وبه وفيه ولو استعاض بعبارة عمود من نور كان ابلغ واجمل .

ممثل1: في طريقنا إلى هنا، فيم كنا نفكر ؟

إنتقالة حادة في مجرى الاحداث تنطلق بشكل عقدة وحبكة وتبرير لخوض غمار معركة درامية اخرى هي في حقيقتها نتيجة لما تم مناقشته انفا ليتم ادخال الجثة في صناعة الحدث.

ممثل2: كنا نفكر أن نكرر الحلم، نحلم دون أن ننحني، نقف منتصبين كنصل سيف ..

هكذا نحن دائما لا نملك الا الحلم في صناعة واقع مغاير يرمم شروخ حياتنا ورغم مجانية الحلم الا ان الطغاة والواقع المرير جعلنا لا نحلم الا بقبورنا ومقولة سخيفة باللفظ الشعبي تترد في اسماعنا(ممنوع اليحلم بس بكبره) ومن خلال هذه الانطلاقة ربما اراد الكاتب ان يلمح الى حقيقة مفادها ان ما ستقرؤونه في المشاهد اللاحقة ايها القراء ما هو الا حلم قد يتحقق او لا يتحقق وهذا ما يسمح لنا ان نترجم التغريب البريشتي بصورة اخرى مغايرة للمألوف ليتواجد هذا التغريب داخل تطهير ارسطي يدعو للصراع داخل نفس القارئ محملا اياه مسؤولية كبرى في توحيد الصور المقتطعة والمتقاطعة وتركيبها من جديد لتنتج صورة اكبر واعمق معنى ودلالة.

يبدأ الحلم لدى الجوقة من خلال هذا المسجى امامهم والذي جلب انتباههم ليدخلوا بنقاش حاد في كشف هوية الجثة ولكن هذه المرة بشكل مباشر معه وكأنهم بحواراتهم السابقة يتوقعون ولادة شخصية معينة امام انظارهم من خلال ذكرهم للانتظار وبعد ان سقط بيدهم من طول مدة الانتظار تحولوا بأنفسهم الى قوة كبيرة تصارع هذا الانتظار وتبعد شبحه المقيت عنهم وهذه القوة الكبيرة هي الحلم والذي رغم بساطته كحدث باعتبار ان بطله جثة وما اكثر الجثث المستلقية بدعة في ازقة المدن وليس بجديد كل ذلك لكن الحقيقة تقول غير ذلك نتيجة للطابع الدرامي المتنامي والاخذ بالاستطالة ليكبر اطار الحدث ليحتوي الانفعال ليشكلا معا صورة واطار يشدان الفكرة من شعرها المترامي كنخيل البصرة الزاحف على وهاد القلوب واغطساها في مغطس الحياة حيث مارس الكاتب بهذا الحلم والحدث والانفعال عملية نقدية للحياة بنيت على الهلوسة الواعية الذكية والتي تعرف اين وضعت قدمها لتنتقل بالأخرى بنفس السياق المتوهج.

ممثل2: هل كان حظه سيئا لدرجة أنه لا يستطيع السير إلا و يتعرض مجددا للشلل ..

يتساءل ممثل2 عن الرجل الميت لاعتقاده انه ليس بميت ربما شاهد امارات جعلته يفكر بهذا المستوى من التفكير فتصوره مشلولا بسبب حظه السيء وتعثره بحجر ما جعله يسقط هذه السقطة الابدية لكن زميله الاخر يجيبه جواب الواثق من ادواته التفسيرية والتأويلية...

ممثل1: لم يكن مشلولا، كان مهووسًا بالحركة، لم يتخذ الليل غطاءً له، و لم يسحب قميص الضباب فوق جسده ليتخفى

ممثل5: لنحترم هذا الذي غادر ونكرمه دون أن نتحدث خارج الحدود

يضع الممثل5 حدا للجدال والتفسيرات والابتعاد عما يؤرق منامهم ويبعث في نفوسهم الالم بان اقترح عليهم دفن هذه الجثة قبل ان تكبر اشعاعاتها التساؤلية فتغرق الارض ومن عليها بكم كالمطر من الاسئلة والتي ربما اجيب عنها بشكل خاطئ وبالتالي سيحدث ما لا يحمد عقباه او بالأحرى شخصية هذا الممثل5 شخصية تخاف من خيالها يبحث عن الدعة والحياد عن كل ما يثير التساؤل لكنه ينسى انه بنفس المركب وسيتعرض لعواصف التغيير بشكل او باخر شاء ام ابى رغم رغبته في عدم المواجهة وقد يكون واحد ممن تلوثت يداه بالحال التي وصلت اليها الجثة لذا يريد ان يخفي جريمته وكم من المجرمين من امثال هذه الشخصية الانانية يعيشون بيننا يقتلون القتيل ويتلقون عزاءه .. ومن هذا الاتجاه انطلقت هذه الحوارات التي اشرت الى تبادل الجميع للاتهامات في ما وصلت اليه هذه الجثة المرمية على الارض وكان الجميع يرمي المسؤولية على غيره متنصلا من تبعاتها القانونية والشرعية والاخلاقية والانسانية.

ممثل4: هل يتذكر أحدكم كيف مات؟

ممثل1: مات كما لم يمت أحد من قبل ..

ممثل5: كان يردد مقطعه بشكل جميل، كان يغني، كان يقف على خشبة المسرح كالأبطال

لجأ الكاتب الى مزدوجات هويتها الثنائية في الاسترخاء والتوتر والاقتراب والابتعاد والكر والفر غايتها التقاط الانفاس ومحطة استراحة لمحارب اجهدته المواجهة المحتدمة مع منح القارئ بعضا من صفاء ذهنٍ لتلقي سيلا اخر من الصفعات المتشحة بكل ما هو محظور ومحذور من الحقائق مصورا اياها كالموجات الجيبية ذات الدوائر النصفية محيلا ايانا بمعية القاري والمتفرج مستقبلا الى ركوب قطار الموت في مدينة العاب النص بالانخفاض والارتفاع مع قلق ورعب كبيرين.

ممثل1: تعلم أنّك ستخرج بعد رفقته حزينًا، كنت تعلم ذلك و أحضرت برفقة أشواقك و أمنياتك الشّاحبة، سكينًا حادة و دسستها بينهم ..

ممثل5: لكنني لم أقتله، هو جاء شاحبًا، كان يرقص ببطء، كان الألم يأكله

ممثل3: عندما عمّقت يدك في جوفه و انتزعت روحه، فيم كنت تفكر ؟

ممثل5: لم أقتله، و لم أحاول أن أقف في وجهه قط، هو جاء مبتلًا بالألم، يمد لسانه للأمام، و يهرب من كل شيء، أعطاني يده

المجموعة: فقطعتها؟

ممثل5: لا، لكنني كنت أمسك بأطراف الكرسي الذي يهتز، كل الأشياء تفقد قيمتها عندما نتركها تهتز لتسقطنا ..

المجموعة: لم تنقذه

ممثل5: حاولت أن أدفع يدي له لكن الكرسي أخذ يهتز بشدة ..

ممثل3: يُقال بأن الغصن الذي غادر الشجرة عاد إليها فأسًا وأسقطها دون أن تسقط في قلبه رحمة عليها...

لذا كان لدى الكثير من هؤلاء الجوقة الرغبة في ان يحترق لو خُير ان يكون شجرة كي لا يصنع منه فأس يقتطع اخته الشجرة الاخرى وهذا ما اسلفنا قوله بوجود حالة من تأنيب الضمير في مغادرة الشجرة الكبيرة المتمثلة بالجثة والعودة اليها كفاس تقتطعها .. حقيقة جعلني الكاتب ابراهيم الحارثي اعوم في بحر من الميتافيزيقيا المتطورة نحو الباتافيزيقيا شكلا ومعنى...

اخيرا يلجأ الجميع الى حل ينهي جدالهم بدفن هذه الجثة والتخلص من تبعاتها لكنهم يصطدمون بالتالي ...

ممثل3: احرص على أخذ تصريح دفن ..

ممثل1: تصريح دفن، سهل، كثير هم الموتى، و المقابر لن تتوقف عن التهام الجثث المتخشبة

ممثل3: متى سنتلقى العزاء ؟؟

ممثل2: بعد أن يتم دفنه ..

ممثل3: ولماذا لم يتم دفنه إلى الآن ؟؟

عودة للعجز وعدم الفاعلية من قبل المجموعة وذلك من خلال عدم الحصول على تصريح للدفن الا اننا يمكن ان نرجعه لسببين الاول قيمة هذه الجثة الاشعاعية بالسميائيات والتي لا يليق بها ان تدفن مختفية تحت طيات نهاية ابدية لأنها خلقت وتكونت في الوجود في الضوء كقمة هرمية تأخذ بالأنظار وتلهب حماس الكونيين في جعلها وسيلة نحو بلوغ الشمس وكما في الآية الكريمة (وابتغوا اليه الوسيلة) ولو انها اختفت من على وجه الارض ستترك فراغا كبيرا لا يمكن ردمه او شغله بكتلة اخرى ..والثاني لرفض اهل الحل والعقد تواجد هذه السيميائيات في امصارهم وبين قواعدهم الشعبية التي لا تفقه ابعد من انوفها وكما قال معاوية ابن ابي سفيان لعلي ابن ابي طالب في حرب صفين سآتيك برجال لا يميزون بين الناقة والجمل كل ذلك لاعتقادهم ان ظلامهم مهدد من قبل كتلة النور المتجلية من بين خيوط كفن هذه الجثة المتيبسة وهذا الخوف لازم جميع الذين اخلدوا للأرض فتراهم يقمعون النور بدفنه ناسين او متناسين ان النور طاقة لو انها شعت في مكان مالا يمكن لها ان تتلاشى او تضمحل او تنتهي فهي باقية بقاء ما ورث عنها من تجلي حتى فيمن استحالت لديه بأشكال اخرى من الطاقة (الطاقة لا تفنى ولا تخلق من عدم).. لله درك ايها الحارثي كم جعلت جلدي يقشعر وانت توجه عتادك الفكري الى اعماق ارواحنا وعقولنا لتنشئ وبقدرة منقطعة النظير هذا الكم الهائل من الصور الجميلة المعبرة.

ما الذي جرى بعد ذلك الدافع الحيوي في حياة الاحياء يطلق دافعا أكثر حيوية من سنخه وجنسه وهويته لا يحيد عن ابجدياته يدفع المجموعة الى الابداع والتطور المتشكل معرفة تقوم على التداعي والتأويل بإيجاد الحلول بعد صراع كبير بين الشخصية المنفردة مع نفسها من جانب وبين الافراد والمجموعة مع المجتمع والقوانين من جانب اخر بانتقالات درامية سريعة ظاهرها النقاش والمحاسبة وباطنها المسؤولية والتحلل منها رغبة بالخلاص

ممثل4: الأرض ضيقة، لم تعد قادرة على بلع جثته

كلام منطقي رغم سعة الارض الا انها تعجز ان تبلع جثة هذا القادم من خلف اسوار الحياة وحقيقتها اما لعظم عديد الجثث التي اجترتها بقيءٍ وابتلاع على مدى سنين رقاد الجثة وهذا الامر لا يخلو من مسؤولية ترمى على الجثة لان سبب عديد هذه الجثث ينبع من درامية الموت الاول لهذه الجثة التي كانت ولا زالت منظلق هذا الموت المجاني اليومي لذا لم يعد هناك شبر يسع جثة بهذا الحجم الكبير والهائل والذي يفوق حجم الارض وهذا الامر يذكرني بسؤال عقائدي هل ممكن ان يضع الله الكون في بيضة.

ممثل5: منذ أن داهمنا الجفاف ونحن نحاول أن نهرب منه لكننا نفشل فنعود له.

ممثل2: ومن هو الغبي الذي لا يفكر في الفرار من الحياة ؟؟

دهشة تحدث لدى المتلقي وهو يمر بعينيه ونصفي مخه على هذه البردية السومرية لعمق الكلمات وفيض صورها مع رنين خاص يجردنا من غبائنا وينتقل بنا الى عوالم لا ترقى اليها سفاسف الحياة.

يحاول أحدهم ان يجفف الجثة حد التلاشي وكأن رضاها واحترامها يكمن في الارتفاع من الارض والاختفاء عن الانظار والاخر يصر على الدفن لنفس الهاجس لأنهم في ذلك يريدون الهرب مجرد الهرب منها لما لها من اشعاعات تجعلهم في صراع مع الواقع المرير والطغاة والقهر الذي أصبح ملازما لهم كخيالهم وهذا ما لا يريدونه لأنه سيفقدهم كل مكتسباتهم الآيلة للاندثار بمجرد قولة (لا)... وفي النهاية يعترف اهل الحل والعقد ومصرحو الدفن بان هذه الجثة غير مشمولة بالدفن لأنها لا تستحق الدفن دون ذكر الاسباب كنوع من الهروب من المواجهة التي لا تقبل الا بزلزلة الارض على من عليها وهنا اتذكر مقولة لاحد الاولياء الصالحين (لو اني تكلمت لماجت الارض باهلها).

ممثل3: يا ناس يا عالم، اشهدوا، هذا الشخص يحاول أن يجعلنا نتجاوز النظام ..

ممثل2: يا أخي تصريح دفن لأمثاله ممنوع

ممثل3: يا أخي النظام واضح، و لن نتجاوز النظام،لا نستطيع دفن هذا الميت .

 

النظام؟ أي نظام هذا؟ بالتأكيد انه النظام الكوني النظام المتناسق الذي لا يبخس الحقائق نظارتها او النظام العالمي الرافض للكونيين..وبعد إطلاق هذه العبارة الكبيرة يجد الجميع أنفسهم امام فكرة كبيرة المح اليها الكاتب

ممثل4: سيبقى ممدودا كجناح نورس، يحلق بقوة صوب السماء، لن يكتفي بالتحليق، سيسافر نحو الشمس، لن يكتفي بالشمس ربما يكون هو الشمس .

نتذكر ان الحوار الاول انطلق من ممثل1 بعبارة

ممثل1: الجفاف يستمر دون أن تأتي غيمة لتنشر الحياة

لينتهي الحوار به وعبارة تؤسس لنظرية الحلول من خلال اعتناق فكر هذه الجثة التي نهضت لتوها وعودتها للحياة التي لم تفارقها لذا كان لزاما ان نتعلم منها فنتماهى معها وبها واليها...

ممثل1: دعونا نكرر البحث عنّا، ربما نجد أنفسنا فيه

الجثة تقف على قدميها، الإضاءة التأكيدية عليه، الممثلين يجتمعون و يتفرقون، يتفرقون و يجتمعون، الجثة تسحب القماش الأبيض، تبتسم، و تغادر أرض المسرح ...

اكتفي بهذا القدر من التحليل لأنني لو تطرقت لكل خبايا النص لانتهت حياتي بمقالة نقدية واحدة بطلها النص المسرحي (دوران) لكن في النهاية اجدني ملزما نفسي والاخرين ان نكتب بهذا المستوى من الانفجارات الفلسفية الرصينة ..

 

كاظم اللامي ............

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة نقدية رائعة ومفيدة.. أتمنى له مزيدا من القراءات لينتفع لها الباحثون والدارسون.

أ. ولاء
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2856 المصادف: 2014-07-01 11:14:46


Share on Myspace