المثقف - قراءات نقدية

ثمّة وجه في الحذاء .. الجمال يبدأ من الأسفل .. قراءة في نصّ "42" لعناق مواسي

basma alshawaliتقصّت الكاتبة الفلسطينية عناق مواسي في كتابها "ساعة رمليّة وثلاث أمنيات" (كتاب نصوص عن دار "راية للنشر حيفا" 2012) جغرافيّة الذات الكاتبة في علاقتها بـ "الأنا"/ المرأة و"الآخر"/ الرّجل في آن ضمن حيّز مجتمعيّ معيّن هو المجتمع العربي الفلسطينيّ وتحديدا مجتمع الأرض المحتلّة، عبر نصوص متنوّعة أجناسيّا، وموضوعاتيّا و"مؤنّثة" تمجّد الحبّ والوصال وترصد ذبذبات اللهفة والحنين لكن في كثير من الذّاتيّة المهيمنة حدّ "النّرجسيّة". بيد أنّها ليست من قبيل التي أودت بنرسيس عاشق وجهه إلى الموت غرقا في مرآته بل قد تجسّدت كنوع من الدّفاع عن الذّات بوساطة اللغة إزاء كلّ أشكال الميز الذّكوريّ ضدّ المرأة في مجتمعاتنا.

وإن كان نصّ "42" دون النّموذج الأمثل لدراسة الملامح الجماليّة والأسلوبيّة والمضمونيّة لهذا الكتاب إلاّ أنّه يكشف جانبا مهمّا في نظرنا من بنية هذه الشخصيّة/ السّاردة من زاوية ثمّ المرأة/ الكاتبة من زاوية ثانية عبر وسيط مكثّف المعنى وهو الحذاء، هذا الحقل الدّلاليّ الشاسع والثريّ بمحمولاته الرّمزيّة والميثيولوجيّة، وبخاصّة في علاقته هو، من حيث أنّه لباس يستر عضوا مؤنّثا هو القدم، بالجدل الدّائر بين الحجب والسّفور، ثمّ في علاقة القدم حاملتِه بالوجه كموضوعين للشّهوة ومقياسين فاصلين في جمال المرأة ومحلّهما معا وكلّ منهما على حدة من الصّراع القديم بين المقدّس والمدنّس.

1- في العتبة:كلّ ما يؤنّث فتنة.

   لا يمكن الدّخول إلي بيت النصّ دون المرور من العتبة حتى وإن كنّا ننوي أن نغضّ دونها عين القراءة. نحتاج ضرورة إلي قدمين للعبور ما دمنا نتحرّك في فضاء "فيزيائيّ" بمعنى ما. لكنّا هنا لن ندخل بيت النصّ كما إلى أيّ نصّ سواه قدما أولى تتبعها الثانية لتحقيق الخطوة الفاصلة بين الدّاخل والخارج. فلا مجال للعدد "1" في هذا النصّ عتبة ومتنا. فالعنوان "42" عدد زوجيّ ذو رقمين زوجيّين مجموعهما ستّة. علينا إذن أن نقوم بقفزة من الخارج إلى العتبة ثمّ منها إلى عمق الفضاء النصّيّ بضمّ القدمين معا.

الحدّ الأدنى في العنوان هو "2": زوج من أحذية يطلب صاحبُه قرينَه فيصيران زوجين و"4" فرادٍ من الأحذية، قد يرتفع عددها إذا حال عليهما حول الحياة الزوّجيّة إلى "6"، أي ثلاثة أزواج أحذية. لنتأمّل الجسد البشريّ، إنّه حديقة وارفة من الأزواج المتناغمة تخلق فيه حالة مدهشة من التّوازن الإيقاعي بصريّا وحركيّا وحسيّا. فالأطراف "4" وبالوجه "6" أزواج (العينان، الوجنتان، الشّفتان، الأذنان). وهي أزواج مؤنّثة كما نلحظ تصير بالضرورة "عورات" إذا سكنت جسد الأنثى فيُنظر إليها بصفتها بؤرا طبيعيّة نشطة للشّهوة تهدّد المجتمع في عفّته، فالـ "أنثويّ شيطانيّ" كما يجزم الرّاهب أوبارتينو في رواية "اسم الوردة " لأمبرتو إيكو. وهو الموقف نفسه في التراث الإسلاميّ الذي استند عليه المتشدّدون في موضعتهم للمرأة قلب الصّراع المحتدم بين الثنائيّ مقدّس/ مدنّس.

كلّ ما يؤنَّث من وجهة النّظر هذه يستوجب التّغطية اتقاء ما يثيره من الفزع لدى الآخر المذكّر، ويستدعي بالتالي "حذاء" ما هو في آن زينة وجُنّة وحجابا يعزل مصادر الفتنة عن العيون ويكبت شهوانيّتها المتفجّرة. ولئن كانت القدمان الأبعد تجذّرا تاريخيّا في الجدل المحتدم بين المقدس والمدنّس، حيث ظلّت أقدام تماثيل الآلهات في الأساطير اليونانية والرومانية مغطّاة دائما حفاظَا على طهارتهنّ (باسكال كينيار/ الجنس والفزع )، فإنّ الوجه اليوم هو بديل القدم قديما ومحلّ التجاذب الحادّ بين السّفور والتغطية ونسبة كلّ منهما إلى الآخر. ففي النّسخة المتشدّدة "ينتعل"الوجه نقابا أسود يغطّيه كلّه إلاّ فتحتين يمرّ منهما الضّوء عبر ستارة شفافة في الغالب لغاية البصر، تماما كما "تنتعل" اليدان قفازين ليأمن الذّكر على نفسه من لمسة عابرة تقع موقع النّظرة الحرام للوجه في المرجعيّة الدّينيّة والقدم في المرجعية الميثيولوجية، لمسة تحرّك ماء الشّهوة النّائمة على أطراف الأنامل فيتمطّى الشّيطان السّاكن باطن الكفّ اللّدن فينتقض الوضوء ويتعرّق الخيال الشّبق ويُستدعى الاستغفار توبةَ، والتّسبيح جُنّةً، والماء طهارةَ. وعلى هذا التبادل الوظَفيّ والدّلالي بين القدم والوجه من جهة وبينهما وباقي الأعضاء المثنّاة المؤنّثة بالجسد الأنثويّ سندخل بيت السّرد قصد البحث أكثر في دلالات الحذاء.

2-      في بيت السّرد:أريني قدمكِ أقل لك من أنتِ.

     يمسح النصّ من عمر السّاردة ثلاث مراحل أساسيّة في علاقتها بالحذاء: الطّفولة وهو المقدّمة، ثمّ سنّ البلوغ ونشأة العقدة، ثمّ مرحلة النّضج العمري والفكريّ حيث الانفراج. ولم تحظ هذه المراحل من المساحة النصّية بالقدر نفسه إذ امتدّت الأولى مدى صفحة ونصف من أصل خمسٍ، فيما نصيب مرحلة الانفراج فقرة من 4 جمل متبوعة بـ 6 نقاط تتابع فيما احتكرت منطقة العقدة (البحث عن حذاء ملائم) الباقي. والملاحظ أنّه لا يكاد يخلو سطر من لفظ الحذاء صراحة أو كناية بما يوجّه وعي القارئ إلى الأسفل حيث القدم، فهو يصادف "حذاء" في 26 مرّة في صيغتي المفرد والجمع و"كعبا عاليا" في 4 مناسبات فضلا عن لفظة "نعال" التي وردت في صيغتها هذه مرّة واحدة. لا وجود لغير الحذاء إذن. ولا حديث إلاّ عنه. هو الوسيلة والغاية والطّريق بينهما، هو الفرح والتّرح، الاستمراريّة في شؤون الحياة اليوميّة أو الاعتكاف في المنزل. بل السّاردة نفسها لا أحد هي دون حذاء، مجرّد "صوت" تتحدّث من خلاله القدم عن سيرتها الذّاتيّة في علاقتها العاطفيّة المتأزّمة مع النّعال. سوف لن نجد أيّ ملمح آخر لها في النص: لا قسمات للوجه، ولا مقاسات للقامة فلا بدانة ولا نحافة، لا طول ولا قصر، لا جمال ولا قبح ولا أيّ من تضاريسها الجسديّة الأخرى، لا أحد هنا غير قدم تبحث لها عن "حذاء يلائمها وتلائمه ". فمن كان به فضول ليعرف المرأة الساردة أكثر فلينظر نحو الأسفل، إلى قدميها فحذاؤها أكثر على ما يبدو من مجرّد حذاء عاديّ.

2-1- الحذاء الوجه أو حين تتحوّل القدم هويّة.

عندما فقد الأمير في قصّة "ساندريلا"، عروسه فجأة جاب البلاد يبحث عن وجهها الفاتن بين أقدام الحسناوات ودليله في البحث فردة من حذائها سقطت منها على درج الهبوط من ذروة الحلم الرّاقص بين ذراعي الأمير إلى حضيض الفقر والعيش الذّليل.

جمال الوجه يبدأ من الأسفل، تقول أسطورة صينيّة، وقد كانت الفتاة في إحدى القبائل القديمة إذا تأهّلت إلى الزّواج تقف خلف حجاب ولا يُرى منها غير قدمها فإذا كانت صغيرة وناعمة دلّت على نعومة صاحبتها وجمال وجهها وعفّتها، فضلا عن أهليّتها للطّاعة والخضوع في بيت الزّوجية. لذلك كانت الطّفلة تُلزم قدمها بحذاء صغير المقاس تثني داخله أصابعها إلى الخلف باستثناء الإبهام لتمنعها من حريّة التمدّد الطبيعية فتتأهلّ بعد سنين معذَّبة لشرط الزّواج الرّئيس: صغر القدم. بيد أنّ قياس"42" لحذاء أنثويّ وفق هذه القاعدة ما هو إلاّ لشابّة قبيحة أو على درجة غير مريحة من الجمال على أقلّ تقدير، وحتى إن اعتمدنا على نظرّية حديثة لـ"سونجا باطا" صاحب محلاّت "باطا" الشّهيرة عالميّا والتي تعتبر الحذاء مفتاحا لشخصيّة الفرد، سنجد أن صاحبة القدم الكبيرة هذه وفضلا عن ضعف حظّها المحتمل من الجمال هي امرأة من طبقة اجتماعيّة بسيطة إن لم نقل فقيرة عرفت في صغرها، وربما ما تزال تعرف إلى حاضر القصّ هذا، حياة الضّنك والبؤس والحفا وما يستتبع ذلك من جراحات الرّوح العميقة معزّزة بمشاعر النّقص والغبن والدوّنيّة.

الاحتمالات تتلاحق يسند بعضها البعض، ونكاد بهذا العرض المختصر نكوّن فكرة عامّة ربما نظنها الأقرب إلى شخصيّة السّاردة ونسبة جمالها الجسديّ، وكَمّ عقدها النّفسيّة، وتدنّي طبقتها الاجتماعيّة. لكنّا مع ذلك "مجبرون"، بحكم واجب القراءة للنهاية من أجل دعم هذه الاحتمالات أو تعديلها أو دحضها، على الدّخول، وبأيّ حذاء شئنا، إلى كلّ غرفة من بيت النصّ هذا.

2-2- الحذاء الحلم، أو لمّا يصير الحذاء ساعي بريد السعادة.

ليس في بدء الحكاية حدث مبتكر: طفلة ككلّ اللاّئي في سنّها تُمْتعها "لعبة الأحذية"، متّخذة من " الكعب العالي جواز سفر إلى عالم سيّدات راقيات" وفيما تتظاهر "بترتيب البيت"، تختلي ساندريلاّ الصّغيرة بنفسها أمام المرآة لتفترش أحذية الضّيفات "لقدميـ(ها) اليافعتين أراضين متعدّدة" محوّلة ذلك إلى "فرصة ذهبيّة لاكتشاف أنواع أخرى من أسرار تختبئ في الأحذية"، هامسة :" يااااااااااه... سعادة كانت تدغدغ أرجلي، إحساس آت من عالم رفيع ذاك الذي يبدأ بالكعب العالي ولا أعرف أين يمكن أن ينتهي".

حالمة: متى ستكبر قدماي لأملأ هذا الفراغ..؟"

هل يعني القول مع شكسبير "نحن منسوجون من السّليلة نفسها التي نسجت منها أحلامنا" أنّ أقدامنا تكبر على قدر أحلامنا؟

أجل، تجيب السّاردة: "كانت أحلامي تكبر، وسنيّ عمري تكبر وأقدامي تكبر.. "

كان المهاتما غاندي يعلم أنّ حذاء ملقى على عواهن الفقر في دروب الشّقاء هو منقذ القدم العارية من بؤس الحفا، و"كاتب" النهاية السعيدة على نحو ما لقصّتها القاسية مع البرد والحرّ ولسع الشّوك ووخز الحصى، فرمى بالفردة الثانية عندما سقطت منه الأولى وهو يصعد القطار. سيختفي غاندي مع الأيّام ويظلّ حذاؤه كمثل ما ظلّ "حذاء" فان غوغ موضوعا للتأمّل الفكريّ والسّجال الفلسفيّ حتى يومنا هذا.

الحذاء "شخص كريم" يمكن للدّهر أن يجود به متى شاء، و"روح" تهفّ على كلّ قدم عارية فتحلم بـ "غاندي ما" يترك لها على قارعة الطّريق نعله ليغيّر شيئا من قدره. الثيمة نفسها تناولها المخرج الإيراني "نيما رؤوفي" في فيلمه القصير جدّا "حذائي" (4دق)، حيث مثّل "الحذاء" جوهر السّعادة القصوى وغاية كلّ المنى المستحيلة بالنّسبة إلى كلّ من الطّفلين الفقير ذي النّعل الرّثّ والغنّي صاحب الحذاء الفاخر.

لكنّا هنا والآن، نحن بصدد حدث مزعج أفسد على الطّفلة زهوها بقدّها المختال على كعب عال. لقد كبرت القدم أكثر ممّا يجب و" تعقّد الأمر فجأة" عندما "رفض الحذاء" قدم السّاردة.

ليست "ساندريلاّ" هذه الطّفلة، كما كنّا ظننّا، إنّما إحدى اللّائي رفضت فردة الحذاء الكريستاليّ أقدامهنّ فانقطع بكلّ منهنّ الحلم بـ "عالم الرّاقيات" في قصر الأمير.

هل نحن بهذا نناقض أنفسنا بوصفنا الحذاء ساعي بريد السّعادة..؟

يبدو حتى اللّحظة هذا صحيحا، إذ على عتبة سنّ البلوغ لم تعد الشّابّة اليافعة تجد كعبا يلائم سنّها الصّغير بقدمين "طويلتين عريضتين". حلّت الخيبة محلّ الحلم. صار الحذاء همّا يوميّا ورحلة تفتيش مضنية "عن ملاذ آمن لأصابعـ(ها) السّائرة على هذه الأرض"، بين المحلاّت "هنا" في قريتها الصّغيرة بدءا ثمّ "هناك" في المدن البعيدة فتظفر مرّة بمرادها وتخيب كثيرا: " كنت أهمل الهمّ طويلا، وأحمله معي أينما أنا.. إلى الشارع، إلى العمل، إلى أيّ مكان.. أفكّر طوال الوقت ماذا سأنتعل؟" تحدّثنا مغتمّة، وتروي كذلك أنّها اضطرّت أن تحبس نفسها في المنزل خجلا من قدمها الكبيرة التي ما انفكّت تزداد كبرا مع تقدّم العمر "حتى أنّ الدّعسات التي كنتُ أتركها على الرّمال كانت واضحة كأسراب بطّ مختال بعد المستنقع"، تقول. لكنّها لا تني تبحث عن كعب عال "يفوق مقاسه مقاس كلّ اللّواتي بالمحلّ.."ولكن يكفي أن تطلب مقاس 41 حتى " تتصوّب نحو(ها) أنظارهنّ باندهاش و(هي) تطلب أحذية بمقاسات غير مألوفة لأقدام سنوات صغيرة في الجيل"، فما بالك وهذا القياس أصغر من قدمها..؟

تحضرنا وبقوّة قصّة "البطّة القبيحة" وهي تترنّح ثقلا بقدميها الكبيرتين آخر سرب فراخ البطّ الرّشيقة فنستذكر كيف كانت تلقى الهزء من إخوتها في الحضانة (نسبة إلى حضن البطّة الأمّ) وتكابد في الطّريق نحو النّهاية، كمثل ما تلقى هذه الصبيّة من "هنّ" في كلّ محلّ للأحذية..؟ كانت:" تتصوّب نحوي أنظارهنّ باندهاش"، تروي.

هل السّاردة فتاة قبيحة فعلا؟

لا نملك أن نجيب بيقين عن هذا السّؤال. والحذاء لم يعد الوجه الجميل لسندريلا ذات القدم المميّزة. لكن، قد نجزم بارتياح كبير إن شئنا، واستنادا إلى النصّ دائما ورغم قدمها الكبيرة هذه، أنّها ليست من طبقة اجتماعيّة متدنّية ولا هي بالفتاة الشّاقية حين طفولتها كما أثبت تقرير "دورة دراسية" عقدت في مؤتمر "قضايا سلوك الإنسان والمجتمع" في مدينة "يوجين الأمريكية" أنّى خلص الدّارسون إلى أنّ " من عاشت طفولة بائسة خالية من التغذية السليمة ومليئة بالتوتّر تصل إلى مرحلة المراهقة بسرعة كبيرة وتكون من علاماتها كبر الجسم واليد والأقدام". بيد أنّا لا نملك أن نحكم على وجهها بالقبح قياسا إلى حجم قدمها. فنحن مع الـ "البطة القبيحة" نعرج إلى ضفّة أخرى من الجمال. فقد كانت هذه البطّة كما نعلم من بيضة مختلفة عن بيض البطّ المعتاد وإن كانت الحاضنة واحدة. فقبحها إذا لم يكن مظهرا ينهض على نقيض الحسن بقدر ما كان ناتجا عن نسبيّة الجمال واختلاف معايير تقديره والحكم عليه لدى مجتمع ما وهو هنا مجتمع البطّ. وستنتظر هذه البطّة وكذا إخوتها في الحضانة المستقبل لكي يبوح بالسّرّ ويحلّ اللّغز. وذات يوم، سترفرف "البطّة القبيحة" بجَعة ورديّة ساحرة تحلّق في السّماء وتترك الأرض للبطّات العاديّات وأجنحتهنّ العاجزة عن حمل أبدانهنّ الثقيلة.

طيّب والسّاردة ذات القدم الكبيرة..؟ أيّ امرأة هي؟ وما السرّ الذي يكتنفه حذاؤها المنشود؟

ماذا لو نلقي نظرة أخرى على فلم "حذائي" لنيما رؤوفي؟

في هذا الفيلم يجلس الطفل الفقير على مقعد بحديقة عموميّة جنب طفل غنيّ. يمعن الأوّل النّظر إلى حذاء الثاني بحسد ظاهر ويتأمّل الثاني وجه جليسه بابتسامة حالمة. يغادر الفقير مقعده منفعلا. يجلس عند شجرة بالجوار متمنيّا وبشدّة أن يكون له حذاء رفيقه. فجأة يتحقّق الحلم ويتبادل الطفلان الأحذية فينطّ الغنيّ في النّعل الرّثيث يلهو بشغف جنونيّ ويجلس الفقير في حذاء الغنيّ مُقعدا على الكرسيّ. إنّها ثنائيّة الظّاهري والحقيقيّ في علاقتهما بوعي "الأنا" بالذّات وبالآخر من جهة وأشكال علائقها بكلّ من الحلم والواقع من جهة ثانية.

كان لابدّ لهذا الطّفل من "آخر" ما ليعرف نفسه، وكان لابدّ للسّاردة من امرأة ما تحثّها أن تجرّب حذاء آخر "يفوق مقاسه كلّ اللواتي في المحلّ" لتكتشف أنّ ما كانت تشعر به من إحراج تحت ضغط مجتمع النّساء الحاضرات بسبب قدمها الكبيرة (مقاس 42) إنّما هو "معيار" آخر لجمالها وبالتالي جمال المرأة عموما: إنّه اِتّساع مساحة "الأنا" التي طالما خنقها الضّيق: ضيق الأفق، والطّريق، والعادات والتّقاليد.. ضيق الأحذية التي تمنع القدم من حريّة السّير، ومن حقّ اختلافها عن السّائد وخروجها عن المقاسات المحدّدة سلفا لأقدام النّساء وإمكاناتهنّ الذّاتيّة وأحلامهنّ في مجتمعات عربية إسلامية ما تزال حتى اليوم تخاف حريّة النّساء فتحظر عليهنّ سماء الحلم المفتوحة وتكفّنهن في حجب المنع الكثيرة: "فهنّ ضيّقات في أحذية واسعة وأنا أخنق وسعي في أحذية ضيّقة"، تقول السّاردة. ولعلّها إذ وجدت لقدمها الكبيرة "الحذاء السّحري" الخاصّ بها ستغادر مقعدها الثّابت في الوجود وتنطلق في دروب الحلم بشغف جنونيّ كطفل "نيما رؤوفي" لتصير ما آلت إليه "البطّة القبيحة"، لتصير يوما ما تريد بعبارة درويش.

 

بسمة الشوالي

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2909 المصادف: 2014-08-23 02:29:38


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5745 المصادف: الاحد 29 - 05 - 2022م