المثقف - قراءات نقدية

قراءة في قصيدة "لماذا أنت صامت!؟.." للشاعر عدنان الصّائغ

في محاكاة السّخرية الإلهيّة من "اللّغو البشريّ.." أو.. هكذا حدّث الشّاعر ربّه...

 

لماذا أنت صامتٌ..!؟ / عدنان الصائغ

بـ

ا

س

م

كَ؛

يتفاوضُ الانبياءُ والرسلُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يحكمُ الخلفاءُ والملوكُ والولاةُ والحكّامُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُفصّلُ الشرائعُ والدساتيرُ والأحكامُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمك؛ تُكتب الألواحُ والأسفارُ والسُورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُصدحُ المزاميرُ والتراتيلُ والأدعيةُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُشادُ المعابدُ والكنائس والجوامعُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمك؛ تُشعلُ الشموعُ والبخورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُقدمُ الأضاحي والنذورُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُجبى الضرائبُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُخاضُ الحروبُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تتصارعُ المِللُ والنِحَلُ والطوائفُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يفسِّرون

ويفتون

أو يكفِّرون

ويفخّخون..

أو يلطمون

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يقْسِمُ الأدعياءُ

وأنتَ صامتٌ!

ويشكّك بك الملحدون

وأنتَ صامتٌ!

ويشتمكَ الغاضبون، ويكفرون بكَ

وأنتَ صامتٌ!

ويستغيثُ بك المرضى والغَرْثى والمنكوبون...

وأنتَ صامتٌ!

وتُنسب اليك الزلازلُ والمجاعاتُ والفيضاناتُ والجفافُ والأوبئةُ

وأنتَ صامتٌ!

.. والخَلْقُ والأرزاقُ والأمطارُ والحظوظُ

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ يُحرّمُ الغناءُ والخمورُ واللحوم

وأنتَ صامتٌ!

وتُحجّبُ النساءُ، وتُرْجَم

وأنتَ صامتٌ!

باسمكَ؛ تُوزّعُ الجنائنُ والحورُ العينُ والولدانُ المخلّدون

وأنتَ صامتٌ!

.. وتسّعرُ جهنم، وسِجِّيل،

ويُسقى الزقّوم

وأنتَ صامتٌ!

صامتٌ

صامـ..

صا..

صـ..

...

(*) ..

 

أتَخَيّلُك يا الهي؛

جالساً...

- بصمتكَ الأزليِّ،

على عرش جلالك المهيب -

محرِّكاً بعصاك؛ المجراتِ

والكائناتِ

والأقدارَ

والمصائرَ

وأنتَ تمسّدُ لحيتَكَ الضوئيةَ، بتؤدّةٍ

غيرَ ملتفتٍ لكلِّ ما ألّفناهُ، واخترعناهُ، وتخيلناهُ، وكتبناه، ورويناه، عنكَ

- عبر آلافِ القرونِ والمجلداتِ والأممِ -...

ساخراً من كلِّ هذا اللغوِ البشريِّ؛..

الذي

لا

يليقُ

بهيولى

إلهٍ

مثلكَ...

 

13 / 4 / 2005 لندن

........................

(*) ...مــــــــــــ[ــــــــــــاذا...

لو كلّمتَ عبادك، يوماً،

يا ربي

لكنْ؛ كيف، بأي الكلمات

ولغاتُ عبادكَ - سبحانكَ - تدري أو لا ندري؛ أشتاتْ

تربو الآن على 6 آلافٍ، بلْ،

وملايين اللهجاتْ ].

 

1) تقديم

في كون اللّغو والصّمت، وتاريخ تعلو فيه أصوات اللاّغين اللاّغطين الصّارخين النّافرين المستنفرين، ووسط عالم أراده مبدعه حكمة فكان فوضى رهيبة، وبين ناس ينحدرون من جنس هو خير الخلق عند بارئه، ومحسود الملائكة والمطرود من الجنّة، متبوعا بقول ربه " انزلوا بعضكم لبعض عدوّ.." فكانوا بإرادته وإرادتهم أعداء.. وبعد قرون من "الصّمت " الإلهيّ، وانقطاع الوحي وغياب آخر الرّسل، وبين حضارات وثقافات وأديان تتنازع اللّه، وترفع ألويته، وتنتسب إليه، وتنسب إليه كلّ أعمالها، وفي قرن ترتسم فيه معالم حروب وصراعات عرقيّة ودينيّة وطائفيّة وحضاريّة، وصار الدّم يهدر ويسفك، والرّؤوس تُقطع باسم اللّه، كان لا بدّ أن يرتفع صوت الشّاعر الصّائغ يستشعر الرّعب وينشد الأمن يأتي من صوت لا يأتي، ولن يأتي، كما ارتفع صوت أبي العلاء منكرا تدنيس المقدّس وتقديس المدنّس:

ولا تطيعنّ قوماً، ما ديانتهُم إلاّ احتيالٌ على أخذ الإتاوات

وإنّما حمّلَ التّوراةَ قارئَها كسبُ الفوائد، لا حبُّ التلاوات

إنّ الشّرائعَ ألقت بيننا إحَناً، وأودعتَنا أفانينَ العداوات

وهل أُبيحت نساءُ القوم عن عُرُضٍ، للعُرب، إلا بأحكام النُبوّات؟

فجاء النّصّ متعدّد العتبات أولاها اسم الشّاعر يحيا ما يحياه قومه من بؤس حضاريّ وروحيّ ودينيّ، وينطلق من وعي بسلطة "اسمه" علما من أعلام الشعر العربي المعاصر، ويتكلّم في زمان (2005) خبت فيه أوهام فكريّة وإيديولوجيّة حكمت العقول ردحا من الزّمان، ونشطت حركات أصوليّة دينيّة لها صوت وصدى في مكان الكتابة (لندن) ..والنّصّ من مجموعة شعريّة هي من أحدث نصوص شاعرنا(2011)، تضمّ أكثر من سبعين نصّا، كان الشّاغل الرّوحيّ / الدّينيّ من الشّواغل البارزة فيها والمندرجة ضمن إحساس حادّ بالغربة، وفي الآن نفسه بالصّفاء في الرّؤية والقدرة على "وصف حالتنا" في جلاء مؤلم.. وهذا النّصّ يتأخّر في ترتيبه ضمن نصوص هذه المجموعة، فلا نجد بعده إلاّ نصّا واحدا (طواف) ويسبقه نصّ في الغرض نفسه (دين) فتتجلّى الرّوح العلائيّة منزّلة في شواغل حديثة، ومحكومة بهاجس المعرفة والسّؤال والحرّيّة والإنسانيّة والجرأة الإيمانيّة التي تتيح لصاحبها كلّ هذا الحبّ وهذه الفطرة ليخاطب ربّه بلا خوف ولا وجل، بلا وسائط ولا وسائل، متجرّدا من كلّ شيء إلاّ من الإيمان به بعيدا وقريبا:

" ما دمنا - بالفِطرة - أُورثنا الدِينْ

ما ذنبي أنْ أُولدَ سنياً أو شيعياً.. مندائياً، ناموسياً، فرّيسياً، صَدَّوقياً، كاثولوكياً، بروتستانتياً، أرثوذكسيا، بوذياً، سيخياً، مارونياً، يزيدياً وبهائياً، وزرادشتياً، أو تاويا.. والخ من ذِكرٍ وتلاوينْ

أو.. وثنيينْ.."

(من نصّ "دين")

وأجدر العتبات بالتّوقّف وأبرزها عتبة العنوان، ندخل منه النّصّ في صيغة استفهاميّة متفجّرة، رفضا وإنكارا ورغبة في معرفة مستعصية...

 

2) العنوان: لماذا أنت صامت؟

يختزل هذا القول الذي اتخذ عنوانا للنص، السياق الوجداني والحضاري والعقائدي والسياسي الذي قيل فيه..فهو في بنيته الاستفهاميّة نصّ لذاته، يمكن أن يكتفي بنفسه.. مثقلا جاء بأحوال المتكلّم ثائرا وحائرا ومتألّما وغريبا وصارخا ولائذا ويائسا وساخطا وضائعا ورافضا وآملا.. كموسى "غَضْبَانَ أَسِفًا.."

وهو باعتباره خطابا ، "كلام" من الأنسان / الشاعر / العاشق لربّه وللإنسانيّة، إلى هذا الرّبّ الذي "سكت" ودخل منذ قرون حالا من "الصّمت" فوجد الإنسان نفسه وحيدا غريبا عاجزا قاصرا عن العيش والتعايش مع بني جنسه في هذا العالم..

وهو استفهام حول الموقف من العالم.. الموقف الإلهيّ الغائب والمطلوب، لأن هذا الإله غائب حاضر، غائب بذاته، حاضر بغيره، مقصى مبعد ليتكلّم عنه بالوكالة والنّيابة.. وهذه المفارقة هي ما يؤلم الشّاعر، فيرفع صوته مستصرخا هذا الإله ليهبّ لإنقاذ الإنسانيّة البائسة..

ويبدو المطلوب استفهاميّا، خروجا عن "الصّمت" بما يختلف عن مقابل هذا الصّمت، وهو الكلام، لأنّ الكلام الإلهيّ كما دُوّن في الكتب المقدّسة، شديد الحضور، وصوت الله بهذا المعنى عال مسموع طاغ بأبواق قويّة جدّا..إلاّ أنّ " الكلام" استجابة لحاجات العالم الرّاهنة، هو الغائب والمطلوب الذي يستشعر الشاعر فراغ العالم منه، فيتساءل ويسائل..

وفي بنية الاستفهام إذن، تعبير عن حاجة وأزمة ومعظلة ومفارقة لها انتشاراتها في متن النّصّ.. وهو شوق وتوق وعتاب الحبيب للحبيب وقد طال غيابه وصمته..فيه شوق موسى إلى وجه ربّه يريد أن ينظر إليه (..قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ.. / الأعراف..143) والشّاعر يريد أن يسمعه ليعرف قلبه الطمأنينة واليقين..

وهو توق إلى الخلاص يأتي من السّماء، لأنّ سبل الخلاص انسدّت في الأرض، وقد طغى فيها "المقدّس" حتّى قتل الإنسان وأبطل الحياة..وفي عمق الشّاعر أنّ هذا الخطاب المقدّس الرّامي إلى توسيع دائرته حتّى يغمر العالم ويتوغّل في أعماق الإنسان ويحكم أدقّ تفاصيله، لا صله له بالإرادة التي ينتسب إليها هذا الخطاب ويستند ويكتسب شرعيّة الدّم..

وبناء على ذلك ينشأ تقابل مرعب بين الفعل السّائد والمقدّم على أنّه فعل إلهيّ أو تحقيق لإرادة إلهيّة، وحقيقة هذه الإرادة.. وهي حقيقة يعتبر الشاعر ضمنيّا أنّها الوجه النّاقض والنّقيض للحقيقة التي يقدّمها المتكلّمون باسم الإله الصّامت...

ومن ناحية أخرى، نلمح في هذه البنية تقابلا بين جرأتين ومقدّسين: جرأة المتكلّمين باسم الله والمستحوذين على إرادته، والمدنّسين لذاته بوعي منهم أو بلا وعي.. وجرأة الشّاعر وهو ينتصر لهذه الذّات الإلهيّة التي يستولي عليها الخطاب الإرهابيّ في العالم، ويلجم صوتها.. وهذا يوجب أن يرتفع صوت الله الحقّ في العالم، ليعاد بناء هذا العالم على قواعد الحبّ والخير والجمال، فتندحر قوى الكراهية والشّرّ والقبح..

 

3) بنية المتن...

يفصل الشّاعر بين جزأين في المتن:

أ‌) جزء أوّل (وهو الأكبر) وهو قائم على بنية ترديديّة ذات خصائص تركيبيّة ودلاليّة واسمة للنّصّ بوصف العالم محكوما بمنطق " الحقّ الإلهيّ"..

ب‌) جزء ثان، تنكسر فيه البنية التّرديديّة الواسمة للجزء الأوّل، ويخصصه الشّاعر لوصف الله تنزيها له عن محنة "الحقّ الإلهيّ" التي تحكم العالم والتّاريخ..

 

أ‌) بنية المتن النصّي (في الجزء الأوّل) مساءلة الله..

وهي بنية قائمة على ثوابت ومتغيّرات:

• باسمك (ثابت) +فعل مبني للمجهول{في الغالب}+ نائب الفاعل {مفاعيل}(متغيّر)

• وأنت صامت : (ثابت)

• البنية التّركيبيّة بشقّيها : الأصلّي (الأفعال) والفرعيّ (الإلصاق: باسمك+ الحال : وأنت صامت) تكسب الخطاب الشّعريّ وحدته العضويّة وتوهّجه الإيقاعيّ الوجدانيّ، فينشأ وينمو استعادة لتلك البنية الثّابتة المتغيّرة، التي تتردّد ولا تتكرّر، وتتوسّع وتنفتح على العالم تاريخا وسياسة ودينا وفكرا وثقافة وطقوسا وأساطير وعادات.. فتقول كل ذلك لتقول وحدة المنطق الذي حكم ويحكم تاريخ الإنسانيّة، وهو منطق الحضور والغياب للصّوت الإلهيّ في العالم..

• هذا "الاقتصاد" التّركيبيّ هو من أدوات الشّعر أو هذا الضّرب من الكتابة الشّعريّة ، وهو يبحث عن قوّة "الأثر" عند التّلقّي، فكلّما تواترت البنية برزت وتكثّفت في وعي المتلقّي، المفارقة التي انبنى عليها هذا النّصّ..

• تنهض البنية التّركيبيّة "المحدودة" والمفتوحة، بوظيفة إيقاعيّة، محاكاة لإيقاع النّفس تنفعل بموضوعها، فتنطلق بلا قيود، في نفس لا ينقطع، فيتحقّق الانسجام بين إيقاع اللّغة وإيقاع النّصّ وإيقاع النّفس، وينشأ إيقاع "داخليّ" خاصّ مختلف عن الإيقاع التّقليديّ باعتباره معطى قبليّا جاهزا..

• من أبرز ما يمكن أن نصادر عليه، بناء على هذه التّماثليّة التركيبيّة والتّرديد الإيقاعيّ والمتغيّر "الثّابت" من حيث الحقل الدّلاليّ الذي تنتمي إليه الأفعال والمفاعيل، أنّ حضور الله في العالم كان أبدا ثابتا لا يتغيّر منذ أدرك الإنسان أو بلغ وعيه الدّينيّ التّوحيد، فاقترن وجوده منذئذ بحضور "الله" باسمه في الكون والكينونة وكلّ ما يكون:

" تفاوض / يحكم / تفصّل / تُكتب / تُصدحُ / تُشادُ / تُشعلُ / تُقدمُ / تُجبى / تُخاضُ / تتصارعُ / يفسِّرون / يفتون / يكفِّرون / يفخّخون / يلطمون / يقسم / يشك / يشتمك / يكفرون / يستغيث / تنسب / يحرّم /

تحجّب / ترجم / توزّع / تسعّر / يسقى / …"

 

• الإنسانيّة .. ودولة الحقّ الإلهيّ ...

بؤرة التوتّر الدّلاليّ في النّصّ هي هذه الفجوة الحادّة العميقة التي يحكيها النّصّ عنوانا ومتنا (تركيبا وإيقاعا) بين البشريّ والإلهيّ في التّاريخ..هذا الذي "يقرؤه" الصائغ شعريّا باعتباره "مصادرة " لله بعنوان "الحقّ الإلهيّ" وإعادة إنتاج لدولة الإنسان المستبدّ وإيهام الإنسانيّة أنّ " الحكم لله" وأنّ الإنسان يقيم " دولة الله" على الأرض..

فللفاعليّة، في إطار هذه الفجوة أو الثّنائيّة (الإلهيّ / االبشريّ) مستويان:

- مستوى النّواة، أو الأصل أو المرجع أو المركز الذي تكتسب منه الشّرعيّة والقداسة والوجوب واللّزوم.. نعني قداسة الفعل ووجوبه إنجازا وقبولا وامتثالا لاستتباعاته ومقتضياته..

- مستوى الهامش أو المحيط أو الامتداد..

وهو هامش دائريّ مفتوح متّسع أبدا مادام الفعل البشريّ باسم الله لا ينقطع، غامرا كلّ شيء..ولذلك جاء الخطاب تعديديّا مفتوحا أيضاومتّسعا متيحا للنّصّ أن ينتشر إلى مالا نهاية، منطلقا من الصّمت منتهيا إليه:

وأنتَ صامتٌ!

صامتٌ

صامـ..

صا..

صـ..

...

 

فالأعمال الإنسانيّة هوامش في الخطاب لمركز ثابت في هذا الخطاب، ثباته في مركز الكون.. منه وبه يكون كلّ شيء..اسمه لا هو..وهو هو اسمه عند من يتكلمون ويفعلون باسمه..واسمه حين تلتصق به الباء (كما يرى النّحاة) يقوم مقام " آلة الفعل (ابن هشام / المغني) لأنّ " الفعل لا يتأتّى على الوجه الأكمل إلاّ بها..(ابن هشام / المغني)...

بيد أنّ هذه المركزيّة الخطابيّة المستندة إلى مركزيّة كونيّة مستندة هي بدورها إلى مركزيّة خطابيّة إيمانيّة مقدّسة، تتهمّش حضورا فعليّا، ليكون الحضور الحقّ للفاعلين الكثر الذين ينتشرون في النّصّ كما ينتشرون في التّاريخ وفي العالم، فارضين سلطانا لا ردّ له أو عليه إلا بالإيمان والتّسليم والخضوع والامتثال..

• تنتمي كلّ الأفعال المنسوبة إلى فاعلين كثر، إلى الحقل الدّلاليّ للحرب، في فهم استعاريّ واسع للحرب باعتبارها فعلا نازعا إلى غاية نهائيّة هي الغلبة والإخضاع وفرض السيادة والهيمنة، فتقترن بوجوه لا نهاية لها من العنف الغامر لكلّ مستويات الوجود:

- عنف نبويّ

- عنف سياسيّ

- عنف تشريعيّ

- عنف خطابيّ

- عنف طقوسيّ

- عنف جبائيّ

- عنف حربيّ

- عنف طائفيّ

- عنف تفسيريّ

- عنف تكفيريّ

- عنف حجاجيّ

- عنف إلحاديّ

- عنف انفعاليّ

- عنف قدريّ

- عنف إفتائيّ

- عنف اجتماعيّ

- عنف فكريّ...

 

ب‌) بنية المتن النصي (في الجزء الثاني): الانتصار لله..

يمثّل هذا الجزء نقلة خطابيّة من المساءلة والمعاتبة والمحاججة إلى الانتصار لله وتنزيهه، بل وتبرير صمته بعد أن كان "مأخذا" عليه، فهذا الصّمت هو عنوان المهابة والجلال والرفعة:

أتَخَيّلُك يا الهي؛

جالساً...

- بصمتكَ الأزليِّ،

على عرش جلالك المهيب –

 

وهو أيضا وجه للتّحكّم والغنى عن الكلام، في صورة طفوليّة أسطوريّة لله "شيخا" كثّ اللّحية، عرشه فوق السّحاب، يدبّر شؤون الأكوان:

محرِّكاً بعصاك؛ المجراتِ

والكائناتِ

والأقدارَ

والمصائرَ

وأنتَ تمسّدُ لحيتَكَ الضوئيةَ، بتؤدّةٍ

والأهمّ من كلّ ذلك هذه اللاّمبالاة الإلهيّة بالفعل الإنسانيّ المؤّسّس على فساد في الرّواية عن الله وخيال واختراع :

 

غيرَ ملتفتٍ لكلِّ ما ألّفناهُ، واخترعناهُ، وتخيلناهُ، وكتبناه، ورويناه، عنكَ

- عبر آلافِ القرونِ والمجلداتِ والأممِ -...

 

ويبلغ هذا الموقف التّنزيهيّ للذّات الإلهيّة ذروته في صورة " علائيّة" ساخرة سخرية منسوبة إلى اللّه المتعالي، بيد أنّها سخرية الشّاعر وهو يختصر تاريخ الأديان في كلمة " اللّغو" وهي في أعمّ معنى لها " السَّقَط وما لا يُعتدّ به من كلام وغيره ولا يُحصَل منه على فائدة ولا على نفع.."..وهذه السّخرية هي جوهر المفارقة التي انبنى عليها النّصّ، وأسّس عليها الشّاعر رؤيته التّنزيهيّة لله، والتباس المقدّس والمدنّس في ما يُنسب إليه، ويعمل باسمه :

ساخراً من كلِّ هذا اللغوِ البشريِّ؛..

الذي

لا

يليقُ

بهيولى

إلهٍ

مثلكَ...

4) "الاستطراد" الشّعريّ...القطيعة الإلهيّة البشريّة...

مثلما أجاب الله موسى قائلا {لن تراني..} أوحى الشّاعر إلينا أنّ الله لن يتكلّم، وما من سبيل للتّواصل اللّغويّ بين العالم والله..وأراد الشّاعر أن "يضيف شيئا" في استطراد طريف "ألحقه بالنّصّ"..ومن يمنعه من ذلك؟؟ فهو حرّ..له أن يختم نصّه ويذيّله بمكان الكتابة و تاريخها(13 / 4 / 2005 لندن) ثمّ يخطر له خاطر عجيب:

 

(*) ...{مــــــــــــــــــــــــاذا...

لو كلّمتَ عبادك، يوماً،

يا ربي...

فيتحقّق المطلوب والمرغوب، ويستجيب الله لحاجة الشّاعر والعالم..إلاّ أنّ هذا الخاطر سرعان ما يتلاشى ويتهاوى واقعا في هوّة الامتناع والاستحالة..لانقسام العباد شعوبا وقبائل وألسنا لا تعدّ..

لكنْ؛ كيف، بأي الكلمات

ولغاتُ عبادكَ - سبحانكَ - تدري أو لا ندري؛ أشتاتْ

تربو الآن على 6 آلافٍ، بلْ،

وملايين اللهجاتْ }.

فهل تعود استحالة التّواصل بين الله والعالم إلى انقسامه إلى أشتات لغويّة أم إلى امتداد فعل الخطيئة من العالم العلويّ إلى العالم السّفليّ وانتشاره واستفحاله باسم الله ذاته..فانصرف ساخرا غضبان لائذا بالصّمت الأبديّ؟

ومن يدري؟! لعلّ في صمته موعظة:

يا واعظي بالصّمتِ! ما لك لا تُلْقـي إلـيّ حديثـكَ اللّـذّا؟

(أبو العلاء)

 

الحبيب بالحاج سالم / تونس

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2948 المصادف: 2014-10-01 23:28:01