المثقف - قراءات نقدية

الثالوث الدلالي في "روائح مقاهي المكسيك"

said bodbozعلى متن هذه الورقة، سنقوم برحلة قراءة سيميائية في رواية "روائح مقاهي المكسيك" للكاتب المغربي عبد الواحد كفيح[1]. وهي (الرواية) التي يمكن القول باختصار أنها تحتفل- على طريقة السارد الخاصة- بـ "عيد" التمزق الأخلاقي والتمزيق الاجتماعي الشامل، حيث تم تطليق مجموعة من الفضائل، والزواج بمجموعة من الرذائل. تختفي القيم الحميدة، وتظهر العادات المقيتة، لتؤسس ثقافة العداء على أنقاض الحب، وهلم انحرافا وانحلالا، مما يعطل نشر التراحم بين العباد في هذه الأرض، ويعرقل الاستجابة للدعاء، إذ يصبح الإنسان بـعيدا عن الرحمان، وقريبا من الشيطان.

قبل إتمام قرائتي الأولى لرواية "روائح مقاهي المكسيك"، لفت انتباهي الرقم ثلاثة، حيث لاحظت أولا بأن هذه الرواية لا تعكس أحداثا خيالية فحسب، أو واقعية محضة، أو مقروؤة، بل هي مزيج من كل ذلك. ومن هنا بدأ النص يأخذ، على هذا النحو، وضعيته الثلاثية، في هذه القراءة، وهي تغوص بي شيئا فشيئا إلى أعماقه. حين نقول "أحداثا واقعية"، فإنما نتحدث عن الذاكرة. ونعني بالأحداث المقروءة مجموعة من التناصات، أو استلهامات سردية تكونت لدى السارد نتيجة قراءته للعديد من الأعمال السردية، "لأن التناص يكون بمثابة اللقاح الذي يكسب الجسم قوة وعافية"[2] وبناءً على ما تقدم، فإن هذه الرواية تقوم على ثلاثة أسس؛ وهي القراءة، والذاكرة، والخيال.

إن القراءة تكتشف، والذاكرة تحفظ، والخيال يمد (ينقل) هذه المعطيات إلى قممها الرمزية والدلالية من خلال الصياغة الفنية والأسلوب الخاصين بالكاتب. إن الخيال هو المحرك الإبداعي للأحداث، سواء من العدم إلى الوجود، أو من الذاكرة إلى النص. ولعل أهم الآليات التي تتلقى بها الذاكرة هذه الأحداث السردية هي "الأذن" و"العين". إذا كان الأمر كذلك، فإنا نستطيع بسهولة أن نميز بين السارد الذي يعتمد أكثر على السمع، والسارد الذي يعتمد على الرؤية. وعلى سبيل المثال: حين نعلم لاحقا بأن سارد هذه الرواية، التي بين أيدينا، يعتمد كثيراً على ركوب القطار ليسافر، ويربط ذلك بالكتابة، فسيتبين لنا بأنه يعتمد على الرؤية أكثر من السمع. وهذا يسمح لنا باستنتاج أن آلية حفظ الأحداث في ذاكرة ساردنا هي العين.

إننا، في هذه الرواية، أمام سارد يخاطبنا من داخل القطار؛ يقرأ علينا رواية بعنوان "أنا والشيبة العاصية؟ أو لمَ لم تنتظريني يا أمي؟". وقد نفاجئ القارئ إذ نقرر، بناء على ما تقدم، أننا، في حقيقة النص، أمام ثلاث روايات متداخلة بشكل رمزي!. ويتم هذا "التثليث" وذاك التداخل في حالة من الوعي تشبه الحلم، لأنها لا تحرك الأحداث (الخطاب) في مسار أفقي للنص (أي من وعي السارد إلى وعي القارئ مباشرة في حالة عادية)، وإنما تحركها في مسار عمودي (من باطن النص إلى سطحه). إن الرواية الأولى تتحدث عن شخص اسمه عبده، وعن تجاربه العادية في عمق البادية المغربية، والزواج (المشكوك في شرعيته) الذي حدث بين هذه التجارب وما عاشه في أروبا بعد أن هاجر إليها، وذلك قبل أن يعود إلى الوطن حيث أصبح يعمل في محطة لتوليد الكهرباء.

الرواية الثانية تتحدث عن سيرة شخص اسمه بوقال واضطراره، بعد أن ضاق ذرعا بالبؤس الذي يعيشه في كنف زوجتي والده، إلى مغادرة البيت متجها إلى "مقهى المكسيك" الذي يديره عجوز اسمه الشيبة العاصية وزوجته التي تدعى العايدية.

الرواية الثالثة تتحدث (بشكل جزئي وشبه استباقي) عن تجارب الشيبة العاصية أثناء مشاركته في حرب الهند الصينية كما سنبين لاحقا. ففي الصفحة 148، ونحن نقترب من نهاية الرواية، نجد فصلا يحمل عنوان "مذكرات الشيبة العاصية". هذا العنوان عاد بنا إلى الوراء، إلى بداية الرواية، حيث وقعت عينا السارد (المسافر)، في محطة القطار، على عنوان "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟". ففي هذه الصفحة، أصبح بإمكاننا أن نقرر بأن أمامنا ثلاث روايات كما قلنا. ومن هنا أيضا أمكننا القول بأن العنوان الرمزي للرواية الثانية التي تتحدث عن سيرة بوقال، هو "لم لم تنتظريني يا أمي؟" على أننا قد صرحنا بأن عنوان "روائح مقاهي المكسيك" يخص الرواية الأولى التي تعكس وجهة نظر السارد عبده وتجاربه داخل وخارج الوطن.

إن عنوان "مذكرات الشيبة العاصية"، لا يخفى عنا بأنه الوجه الثاني للنص الأول من العنوان المركب "أنا والشيبة العاصية...". وفي هذا الفصل يقول السارد: "ذات يوم جمعة، مباشرة بعد صلاة العصر، أسر لي بوعزة السمعلي ولسيف الدين الحلاق (مصاص الدماء) ولبويدية الخياط أنه عثر بين أوراق أرشيفه، حينما كان بصدد تنضيد صناديق عتيقة لديه، في إحدى زوايا منزله، أوراقا ووثائق في غاية الأهمية"[3] أضف إلى ذلك أنه، إذا سلمنا بأن الرواية عبارة عن مزج بين الخيال والذاكرة والقراءة، وإذا سلمنا بأنها تحمل ثلاث روايات على مستوى الإعلان الرمزي، فإنها تنقسم أيضا، على مستوى المتن المباشر، إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين فرعية بمثابة إعلانات ملخصة للمضامين. وهكذا نجد العنوان الأول "العايدية"، يليه الثاني "وفاة الشيبة العاصية"، ويليه الثالث والأخير "مذكرات الشيبة العاصية" !.

بعد إدراكنا لهذا التوجه الثلاثي على المستوى المذكور، كان من السهل أن نلقي نظرة، مرة أخرى، على لوحة الغلاف لهذه الرواية، ونلاحظ بأن عنوانها يتكون من ثلاثة مقاطع، أي "روائح مقاهي المكسيك"، وأن لذلك ارتباطا سحرياً بالشبكة الدلالية التي تحكم النص، ولا يقل في ذلك عن الصورتين الصغيرتين، على تلك اللوحة، لإصدارين سرديين من أعمال الكاتب عبد الواحد كفيح، وهما؛ "رقصة زوربا" و"أنفاس مستقطعه"، وأن هاتين الصورتين تبدوان شبه متداخلتين وكأنهما امتداد رمزي للتداخل الذي تحدثنا عنه بين الروايات الرمزية الثلاث التي تتضمنها هذه الرواية.

إن هذا يقوم على تمثيل باطني لكون الرواية التي بين أيدينا هي الإصدار الثالث لهذا الكاتب. والآن لنتأمل كيف يمكن لهذا الترتيب أن يسير على هذا الإيقاع الثلاثي.

إن الإصدار الأول لعبد الواحد كفيح يحمل عنوان "أنفاس مستقطعة"، ويمكن اعتبار هذا العنوان أحادياً بالمقارنة مع عنوان إصداره الثاني "رقصة زوربا"، لأن هذا الأخير يتكون من شيئين، وهما؛ "الرقصة" و"زوربا"، أي أن هناك مضافا ومضافا إليه. وبناءً على هذا الإيقاع، سوف يأتي الإصدار الثالث بعنوان ثلاثي، وهو؛ "روائح مقاهي المكسيك" ! وبهذا يجوز لنا، وفقا للمنهجية المعتدة في هذه القراءة، أن نستنتج بأن تثليث عنوان هذه الرواية يندرج في إيقاع الثالوث الدلالي.

إننا لا نتعامل هنا مع مفردات النص باعتبارها مجموعة من الصدف شاءت الأقدار أن تجتمع في بياض هذه الأوراق، بل نعتقد أنها بناء دلالي متكامل له قاع وسطح. وبمقدورنا أن نبرهن على ذلك من خلال العديد من الأمثلة. وأن النص الذي بين أيدينا يقوم على استبطان هذا الواقع بشكل رمزي معقد نتمكن من التقاطه كمجموعة من الترسبات اللاشعورية. إنه إيقاع دلالي تنتظم في مساره مختلف التجليات التي يأخذها ما نختزله نحن في مفهوم "الرقم". قد يلوح في أفق النص على هيئة رتبة أو طبقة أو عدد أو كلمة أو جملة الخ.

لأن علاقة الكاتب بالنص الذي يكتبه ليست مجرد علاقة أحادية، ولا يمكن حصرها في نطاق الوعي فقط، وإنما هي علاقة متعددة الوجوه، تنتشر في عدة اتجاهات، ومن هنا يصبح للنص ظل دلالي يختلف في أبعاده عن الأبعاد التي يظهر بها في حلته الخطابية أمام المتلقي. وبذلك نكون أمام لغة باطنية متكاملة تحاول أن تبلغ النص اللاشعوري بهذا الاتجاه الموازي.

 

 

 

لقد قام السارد باختيار شخصية بوعزة السمعلي، لقراءة مذكرات الشيبة العاصية، لأنه كاتب عمومي على مستوى الواقع الافتراضي للنص، لكنه ممثل رمزي لكاتب الرواية أيضا !. فكما يقوم السارد عبده بقراءة رواية "أنا والشيبة العاصية..." داخل القطار، نرى الكاتب العمومي بوعزة السمعلي يقرأ علينا (وعلى بوقال) مذكرات الشيبة العاصية في حانوت الحلاقة الذي يشتغل فيه سيف الدين الحلاق/الحجام. إننا إذن، أمام ثلاث روايات، قرأنا منها اثنتين، وماتزال الثالثة في باطن المجهول، على أننا مبشرون بقراءتها. والمهم أنها حاضرة بعنوانها الرمزي في هذا النص.

من هنا نعود إلى تحليل وتعليل صيغة العنوان التالي: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟" فكما نرى أن هذا العنوان مركب من صيغتي استفهام. وإن لسان حال السائل (السارد) يقول: هل أقص عليكم حكاية الشيبة العاصية أثناء مشاركته في حرب الهند الصينية؟، أم أقص عليكم ما حدث لي مع والدتي التي رحلت وتركتني صغيرا؟.

وكما نستشف من خلال قراءتنا المتأنية للرواية، أنه قرر أن يقص علينا قصة الجواب على السؤال الثاني؛ وهو "قصته مع والدته المتخاذلة"، وإن كان للشيبة العاصية حضور هامشي فيها طبعا. لقد "انبرى بوعزة السمعلي يقرأ علينا داخل حانوت الحلاق ورقة، شهادة، وصية، وثيقة، لست أدري، ربما مذكرات أملاها عليه الشيبة أيام خلواتهم. لا تستعجل عزيزي القارئ، لم تكن هذه الوثيقة، المذكرة، سوى رواية لأحداث وقعت للشيبة أثناء شبابه العاثر الذي قضى جله في حرب الهند الصينية"[4]. وبينما يشق النص طريقه في هذا الاتجاه الثلاثي أمامنا، نلاحظ بأن هذه العناوين تتضمن الإشارات إلى ثلاثة شخوص، وهم؛ بوقال، وأمه الشتوكية، والشيبة العاصية (أنا/أمي/الشيبة !).

إن هذا السارد يتمثل الكتابة(الرحلة) والقراءة (العودة) معا. نصفه سارد والنصف الآخر ناقد. تارة عادل رحيم عطوف، وتارة ظالم ساخر قاس تجاه البطل (بوقال) الذي يقص علينا حكايته. كأنه بذلك يتمثل رحلة باطنية من وإلى ذاته. كأنه يرحل ظالما ويعود عادلا، يرحل ساخرا ويعود رحيما. إنه يرحل عن بوقال ويعود إليه ليتمثل رحيله من سيادة العيد إلى السيدة العايدية. ذات يوم، وهو في محطة القطار الذي سيأخذه إلى مكان عمله، وقعت عيناه على الرواية (الثانية)، حيث يقول:

"وأنا أحجز تذكرة سفري من بهو محطة القطار، استرعى انتباهي عنوان مركب وغريب لهذه الرواية: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي ؟" وليس هذا كل ما عمق حماسي لاقتناء هذه الرواية وشد فضولي فحسب، بل كلمة الناشر كذلك على صفحة الغلاف الأخيرة حيث يقول: منذ أن ترجمت هذه الرواية للإنجليزية ظلت هيلاري كلينتون تتأبطها، بعشق، في زياراتها الرسمية أو غير الرسمية للمغرب"[5].

من هنا ندخل مع السارد في قراءة هذه الرواية (الثانية)، التي تدور حول البطل بوقال، وهو شخصية مدججة بالهزائم والبؤس، يصارع اليتم والفقر والتهميش والعادات والتقاليد صراعاً عميقا وعقيما، كله ألم بلا أمل. يهدر شبابه وزمانه وأعصابه بلا طائل ولا طوئل. تظهر شخصية المسافر (السارد) عبده على أنها ميسورة، نوعا ما، تمسك بزمام الانتصار، بالمقارنة مع شخصية بطلـ (الرواية التي بين يديـ) ـه بوقال الذي يمثل واحدة من أكبر الهزائم الاجتماعية في هذه الرو اية.

بيد أن الرواية لا تتضمن ما يفيد الإشارة إلى رحلة واحدة للسارد (القارئ)، بل تشير إلى أنه تعود أن يقطع هذه المسافة على متن القطار، وفي ذلك تمثيل رمزي لكون الرواية فصلا من فصول الرواية (أو القصة) الكبرى التي تشكل المنجز السردي المحقق والممكن للكاتب. وحتى نوضح هذه النقطة بدقة، لنميز أولا بين "القراءتين"، الأولى هي قراءة الكاتب (السارد) لمجموعة من الأعمال السردية. والثانية هي "قراءة السارد لرواية "أنا والشيبة العاصية..." داخل هذه الرواية (القطار). فالأولى قراءة للنص، والثانية قراءة في النص.

إن الكاتب هو قارئ النص حسب هذا المفهوم، وأن السارد هو القارئ في النص. وبناءً على ذلك، فإن القارئ في النص ذهب (قرأ) عملا سردياً في رحلته إلى العمل (= محطة توليد الكهرباء)، وأن هذا العمل (= الروائي) أثر فيه، ألهمه وحفزه على كتابة (= سرد) رواية "أنا والشيبة العاصية...". إن تأثر قارئ النص بما قرأه خارج رواية "روائح مقاهي المكسيك" يساوي تأثر القارئ داخل النص بما قرأه داخل رواية "أنا والشيبة العاصية...". وإذا كان ذلكم التأثر الخارجي قد دفع قارئ النص لخلق رواية بعنوان"روائح مقاهي المكسيك"، فإن التأثر الداخلي دفع القارئ (السارد) ليقص علينا سيرة البطل بوقال !.

إن من يقرأ هذه الرواية قراءة عابرة، قد يركز على سيرة بوقال دون أن ينتبه إلى سيرة السارد عبده (التي تتخللها بين حين وآخر)، وبذلك قد يتصور بأنها عبارة عن هزيمة واحدة، إلا أن القراءة المتأنية تسمح لنا بملاحظة الإزدواجية التي تقوم عليها في هذا الصدد؛ فهي هزيمة وانتصار في نفس الوقت (إنها تمزيق وترتيق). إن السارد يمثل حالة انتصار، أما بوقال فهو هزيمة نكراء. من هنا نلاحظ خارطة المفارقة؛ حيث انتهى بوقال إلى دفع عربة البؤس في المحطات.."من يراني لأول مرة، قبل أن يتمعن جيدا في هيئتي، يعتقد-بحكم بشرة وجهي الضامر وصلابة جذع هيكلي العظمي-أني مازلت شابا يافعا، وأنا الذي قوست ظهري وحدبته هذه العربة اللعينة، وضربات الغدر وتجارب الزمان البغيض، الذي جعلني رغم أنفي، منذ صغري، أسد فمي بلقمة عيش حارة"، وهكذا فإن "كل محطات السفر شاهدة على مأساتي"[6]. ولكن، في المقابل، يقول السارد عن نفسه:

"أما رحلتي إلى باريس جعلتني أتعلق بكل ما هو جميل من مظاهر الحب والفن والحرية، فطلعت للتو قصيدة حب رائعة للشاعرة سعاد الصباح عن امرأة مغامرة، وحيدة دون رفيق مثلي في باريس. هناك الشطار والعيارون و..إخ تعود مرة أخرى لتغوص في قاموس بداوتك .."[7]. فمن خلال هذه الأمثلة يتبين لنا وجه المفارقة بين الروايتين المتداخلتين، رواية بوقال التي تحتفل بالعيد كميلاد للهزيمة، ورواية عبده التي ترثي لحال بوقال من على ضفة النجاة الأخرى.

يرثي لحاله من خلال نوع من العودة إلى المشترك الثقافي والاجتماعي، وهي العودة التي سنتحدث عن ضرورة مقاومتها. فبينما كان بوقال يتضور بؤسا، كان السارد عبده قد جاب عواصم أروبا الغربية سائحا مستمتعا بحياة الغرب الراقية، لينتهي به المطاف إلى محطة لتوليد الكهرباء. إنها المفارقة التي يمكن أن نطلق عليها عنوان "العيد"، ونحن آخذون بعين الاعتبار أهم ما يتصل به من دقائق الحياة الاجتماعية والنفسية والدينية والاقتصادية.

إن كلمة العيد من الألفاظ النوافذ بين ظاهر النص وباطنه. إن "العيد" هوعبارة عن الجذر التيمي لسيرة (ومسيرة) بوقال الروائية التي انطلقت من البيت إلى مقهى المكسيك، ومن فقدان الأم الحقيقية، إلى اكتساب الأم العايدية، "ففي الوقت الذي يسعد فيه الجميع بأجمل ما في الحياة ألا وهي الأعياد، كنت أنا أتمنى في قرارة نفسي ألا تتكرر وألا تعود"[8]. وكما يعتبر العيد مناسبة للفرح بالنسبة للميسورين، يعتبر مناسبة للقرح بالنسبة للفقراء، لـ " أنها في اعتقادي مناسبة توقظ آلام الفقراء وتبرز تعاسة التعساء وبؤس البؤساءوكآبة الأشقياء"[9].

وبمأ أن بوقال تتوفر فيه كافة هذه الشروط السلبية، فلذلك أصبح "العيد مرآة تظهر، بجلاء فادح، فقر الفقير، ويتم اليتيم."[10] بالنسبة إليه، وهو اليتيم الذي فقد أمه قبل أن يرها، ولا يعرف كيف اختفت أصلا. إنها رحلت، ورحل العيد الحقيقي معها، فيجب ألا يعود هذا العيد المزيف، "لم يكن نصيبي من ملابس العيد إلا مرة واحدة"[11]. وكيف أقبل أن تتكرر هذه المرة التي لا تزدني إلا بؤسا على ما أنا فيه من بؤس، فلقد "دخل يوما أبي وهو يرمي في وجهي بحذاء جلدي كبير جدا وضخم كرأس عجل"[12].

ولعل هذه أفضل حال يمكن أن يصبح عليها بوقال في يوم العيد؛ المناسبة التي تظهره أمام أقرانه كما ولدته أمه، بلا حول ولا حلة. قد تكون الإقامة في البيت ممكنة، رغم كل الإقصاء الذي يعامل به بوقال من طرف زوجتي أبيه، لو ترحل فقط مناسبة العيد إلى غير رجعة. ولكنها للأسف، تـ "عود"، ولذلك لا مناص من الرحيل، ومقاومة هذه الـ "عود"ة. إذا كان من الممكن أن نقهر العيد بالرحيل، فسوف نقهر العودة بالقراءة. أو بعبارة أخرى: إن السرد يمكن أن يكون سلاحا لمواجهة الأحداث المريرة. ولكي لا تـ"عود" هذه الأحداث إلى حياتنا، يجب أن نقرأ هذا (النص) ! وتلك هي "عود"تنا (الطويلة)السليمة التي تقينا من شر ما وقع فيه البطل بوقال.

حين يقرأ (يسرد) علينا رواية (التجارب المريرة) التي عاشها بوقال، فإن السارد ببساطة يمارس فعل الـ"عود"ة إلى عمق البادية والبساطة وحياة العوز والبؤس الذي تعيشه شريحة واسعة من أبناء شعبنا، ولو بشكل مؤقت على الأقل. إنها عودة إلى عمق الهوية اللاشعورية للإنسان المغربي. وهذه القراءة (العودة) تسيطر على السارد لتبدو كأنها الضرورة التي، رغم مقاومتها، تجد طريقا إلى التحقق بين حين وآخر."هكذا تصفحت الكتاب، وتأبطته بعشق ليكون أنيسي وعكاز رحلة العودة الطويلة"[13].

وأنا أقرأ هذا المقطع، أحسست بعيني تميلان نحو كلمة "العودة"، وكأنها مركز الثقل الجاذبي لما يحيط بها من الكلمات، فلماذا حدث ذلك يا ترى؟. وهل هذا سؤالي وحدي أم سؤال السارد قبلي؟. بيد أنه السؤال الذي لم يطرحه السارد، ربما فضلت نسخته الراحلة أن تطرحه النسخة "العائدة" !. على كل حال، فقد تبين لي، فيما بعد، أن تركيزي كقارئ على هذه الكلمة يساوي التبئير السردي الذي قاده المسافر داخل القطار. إنه لقاء بين الصوت والرؤية؛.فبالصوت ركز السارد على "العودة" دون الذهاب، وبالرؤية ركزت أنا على هذه "العودة". لكأني بـ "رقصة زوربا"[14] تذهب، و"روائح مقاهي المكسيك" تعود !.

"إخْ..تعود مرة أخرى إلى بداوتك ألم تنبهر وتتأثر بحضارة باريس؟"[15]. قال هذا الكلام بعدما تساءل ما إذا كان الديك يصيح أيضا في باريس، وهكذا يتخطفه الحوار مع الذات بين الإقدام على الحضارة الغربية والإحجام الذي يعني عودته إلى حضن البداوة المغربية. إن هذه العودة من جنس عادة القراءة أثناء السفر(على متن القطار...) بالنسبة للسارد، فكما عادت به الذاكرة إلى حياة البداوة في قاع المغرب الأقصى، وهو في باريس، كذلك جذبته عادة القراءة أثناء السفر لاقتناء رواية "أنا والشيبة العاصية..." التي تدور حول سيرة بوقال."أنا لست، في الحقيقة، من هواة حمل الحقائب المكدسة بالكتب والمجلات أو الجرائد، كما يفضل بعضهم، أثناء السفر، ولكن، وأنا أحجز تذكرتي من بهو محطة القطار، استرعى انتباهي عنوان مركب وغريب لهذه الرواية: "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟"[16].

وسوف يختار بطله بوقال ليقاوم هذه العودة بطريقته الخاصة. فبينما يبدو السارد كثير الاستسلام لهذه العودة (وفقا للرمزية العميقة التي تجمعها بالقراءة)، نلاحظ أن بوقال يقاومها بشكل صارم وحاسم. وإذا كانت علاقة العودة بالـ قراءة تحتاج إلى بعض التأمل واستجلاء بعض خفايا القرائن السردية، فلا أعتقد أننا بحاجة إلى كل ذلك حتى ندرك وجه العلاقة بين العين والقراءة من جهة أخرى، ولكن ينبغي ألا تختلط علينا الأمور في شأن التمييز بين القراءة، باعتبارها تلقيا لمجموعة من الأحداث المكتوبة، والقراءة باعتبارها تمثيلا رمزيا للتناص الذي سوف يكون مكونا من المكونات السردية للرواية.

وذلك لأن السارد لا يقرأ رواية "الشيبة العاصية..." في الواقع، بل يقرؤها داخل النص. وبناء على ذلك، فإن هذه القراءة تمثيل رمزي لعمل، أو مجموعة من الأعمال السردية التي قرأها الكاتب، والتي استلهم منها بعض الصور السردية التي استطاع بخياله الإبداعي أن يجعلها جزء من النص الذي أبدعه. ويأتي القطار ليمثل المد الخيالي الذي يوصل بين معطيات النص المقروءة، ومعطيات الواقع المحفوظة، ليبث فيها روح الحياة (الحركة) السردية. إذن، فإن القطار تجسيد رمزي للخيال الإبداعي. وإذا كانت درجات التخيل متفاوتة بين روائي وآخر، وبين حالة وأخرى، فإن سارد هذه الرواية يمكن اعتباره في الدرجة "الثالثة" !.

تأمل قوله: " لا أدري من قال: إذا أردت أن تكتب، فعليك أن تسافر في الدرجة الثالثة من القطارات، التي تجوب الأصقاع في كل يوم، حتى تتحقق من نفسك أنك فعلا تخالط الحياة الحقيقية !"[17]. وكما تطورت (انتشرت) سلبية العيد إلى كلمة "العود"ة، التي وجب مقاومتها بالقراءة أثناء رحيل بوقال (ورحلة السارد)، كما تحققت مقاومة العيد ذاته برحيل بوقال وحده (كما سنشير)، كذلك سوف يتطور إلى "دعاء" غير مستجاب، فعلى سبيل المثال، " حينما سألت أمي لم حسن وعمر لهما ملابس جديدة وأنا كل عيد أصبح وأمسي بدونها؟ فردت علي أنهما بقي يقظين ينتظران، دون أن يرف لهما جفن، حلول "سيدنا قدر"ليلة السابع والعشرين من رمضان، ولما ظهر لهما، قالت، طلبا منه ملابس جديدة فاستجاب لمرادهم وأنت رأسك ثقيل، كنت تشخر كحيوان، بات فمك محلولا، يبول فيه الشيطان"[18].

إذن، فإن البطل خانه الطلب، وكما فاتته سعادة العيد، فاته أن يـ "دعو" سيدنا القدر، لأنه تصرف كالحيوان. ففي هذا المقطع، تحاول زوجة أبيه أن توهمه بأن أخويه حسن وعمر أفضل منه بسبب "الدعاء" المستجاب. وكما أصبح العيد مزيفاً، بالنسبة لبوقال، غير مرغوب به، فكذلك نرى أن هذا "الدعاء" مجرد كذبة تحاول زوجة الأب أن تبرر بها الاهتمام الذي يحظى به أخويه غير الشقيقين؛ حسن وعمر، والإهمال الذي يعيشه ربيبها بوقال. وبالتالي، فإن الدعاء (الصوت) لم يُستجب، لذلك لجأ بوقال إلى الكتابة (الحروف)، إذ كان هو "الصبي اليتيم الذي كتب في بحر أسبوع العيد رسالة إلى الله تعالى حتى يبعث له بملابس جديدة يفقأ بها عين الحسود صباح يوم العيد"[19].

إنها العين التي زادها العيد شرا في هذا اليوم المبارك الذي أصبح مشؤوماً بامتياز. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل كان اللحد نفسه أهون على بوقال من العيد، وهو يقول: "كم تمنيت لو تبلعني الارض ولا أواجه الاقران يوم العيد"[20]. لقد انتشر الرفض الذي زرعه العيد في نفس بوقال ليطال النهار ويفضل عليه الليل، ويتمسك بالسهر ليقاوم به الفجر." أنا الذي كنت أسهر طول الليل متمنيا، من كل قلبي، لو يتأخر آذان ومطلع الفجر. بل ألا يطلع فجر يوم العيد أبدا"[21]. وإن الموت أفضل من "عودة" العيد، فـ"كم تمنيت أن يحتضنني الموت أو يمضي العيد إلى غير رجعة"[22].

إذا وصلت الأمور إلى هذا الحد، فلا بد من الرحيل، "وفي غبش الفجر قفزت، منزلقا من فراشي، رغم تعب السهر، وألقيت ساقي للريح مهرولا كالمسعور دون اتجاه، هاربا من مواجهة أجواء العيد التعيس وطقوسه"[23] إنه رحيل من العيد، ورحلة إلى الله في نفس الوقت. "يبتلعني زقاق وتتقيأني أزقة، رافعا بصري ، وكل أملي، بعد أن التبست علي كل السبل، أن أمتطي ظهر غيمة تسبح بي عاليا، توصلني لأبواب السماء المفتوحة. دأبت على ذلك أياما طوالا"[24]. ويبدو أن هذه الخطوة لم تجدِ نفعا، ربما لأن الرقم ثلاثة المشؤوم لـ"لعيد" تدخل بشكل ماكر كالشيطان، فلنلاحظ ماذا يقول السارد بعد ذلك عن علاقته بالله؛ "وأنا أبحث عنه في كل مكان. ولكن كنت أجزم أنني لن أجده إلا في مكان بعييييييد"[25].

فلو لم يكن بـ "عيد"اً إذن لتحقق الحلم !.

إن هذا العيد الذي دفع بوقال للبحث عن الله البـ "عيد" لعله يعطيه ملابس جديدة كي يلبسها في تلك المناسبة، هو الذي سيتطور (عبر الزمان السردي) إلى الأم "العايدية"، بعد أن رحلت الأم الحقيقية وأصبحت بـ "عيد"ة عن بوقال !. وإذا كان لنا أن نأخذ المعطى اللساني في حسبان هذا الاستغوار الباطني للنص، فقد نذكّر بأن هذه الكلمة ثلاثية الأحرف، تتكون من حرفين صامتين، وحرف صائت. وهي العين والمد والدال. على أن المد ثلاثي الحالات بدوره، إذ يظهر في صورة الياء والألف والواو كما هو معروف، على أن ما يجمعها طبعا هو المد الذي به ينتقل الصوت من حرف إلى آخر (كما ينتقل القطار من محطة إلى أخرى).

إن للنص الأدبي عموما بنية عميقة حلمية (إلى جانبة البنية الخطابية) تخضع فيها الكلمات إلى ترابط رمزي يمكن أن يبلغ مستوى مدهش من التماسك. مثلا، عندما نرصد علاقة بين كلمتي "العيد" و"العودة"، فإن هذا لا يعني أننا نكتفي بالجذر الثلاثي (العين والمد والدال)، بل نرصد أيضا ما وراء هذه الحالة، لدرجة أن النسخة الموازية للنص تبدو لنا كالبرق الذي تم التقاطه بآلة التصوير. في قول لسان حال السارد مثلا: "أكره عودة العيد"، لا نرى فقط علاقة "العودة" بـ "العيد" على هذا المستوى، بل نربط ذلك بالشبكة الدلالية العامة لمنطق النص، وهذا يعني أن السارد ببساطة "يرفض العيد نفسه باعتباره عودة إلى أصل من الأصول القديمة" !. على سبيل المثال، يقول شمس الدين الكيلاني أن "الاحتفال أيام العيد بالعودة إلى الأصول، إنما يعبر عن ذروة تلاؤم الحدث الراهن المعاش مع المدلولات الكلية للحدث الأسطوري"[26].

وبناءً على ما تقدم، فإن الروح الثلاثية التي تحرك اللاشعور السردي في هذا النص، تظهر في بعدها اللساني على هيئة ثلاثة أحرف، وهي العين والمد والدال. حيث يتطور الأول إلى "عين" القارئ السارد في القطار (= كما يصورها خياله الإبداعي) التي من خلالها نقرأ (+ نـ [عود] إلى) حكاية البطل بوقال في الماضي. ويتطور الثاني (الذي يسمح للصوت بالامتداد كما يسمح القطار للسارد بالسفر) إلى "المدة السردية" الباطنية بين ضفة الطفولة الأولى حيث البداوة المغربية، وضفة العمر الثانية في مرحلة النضج والحضارة الغربية. أما الثالث، فهو "الدلالة" العميقة لهذا الجذر "الثلاثي" الذي سوف يبدأ انفجاره السردي في "سوق "الثلاثاء الميمة" !، وهو محطة (القطار السردي) لتفجير واحدة من أدق السخريات ضد السلوك اليومي للمحيط الاجتماعي الذي عاش فيه بوقال. "لقد أصبحنا الآن، بعدما قطع القطار مسافة تقارب الأربعين كيلومتراً، في ضواحي المغارير على مشارف سوق الثلاثاء الميمة"[27]. فمن هذا المكان (سوق الثلاثاء) سوف يلتقم القطار مزيدا من الركاب ويصيح أحد القائمين عليه عبر المكبر الصوتي: "رجاء لا تفرطوا في شحن القطار بالحيوانات، حافظوا على مرافق القطار. قطار وأي قطار؟ تحفة آثرية خربة، يتسكع بين محطات وقضبان خربة من مخلفات العهد الاستعماري البائد"[28]. وهكذا يبدأ مسلسل السخرية الذي يشمر فيه السارد على التنكيل الأدبي بالعادات والتقاليد.

وإذا كانت المعاناة الاجتماعية التي تدور حولها الرواية تبدأ من المحن العائلية والأسرية، وعلى وجه الخصوص بين الأم والابن، فسوف يكون الرقم ثلاثة شاهدا على واحدة من أهم المناورات الجنسية اللاشرعية التي سوف يتم ارتكابها (أو محاولة ارتكابها) باسم الأمومة. فـ" في إحدى الليالي الباردة حضر في منتصف شاب أشعث أغبر يبدو على سحناته أنه غريب يقود أمه المسكينة من يدها راجيا مني بمنتهى الأدب واللطف، أن أوفر له ركنا آمينا يأوي إليه هو وأمه"[29].

وطبعا هذه المرأة لم تكن أمه، وإنما أراد أن يستغلها لأغراض شيطانية معروفة، فماذا حدث بعد ذلك؟ يجيبنا السارد: " نقدني درهما أبيض أدخلته إلى غرفة بها ثلاثة غرباء"[30]. وبرابطة من روابط البنية الباطنية للنص، يمكن أن يكون هؤلاء الغرباء الثلاثة هم "عين" السارد، التي سوف تكشف لنا عن حقيقة هذه الضيافة ( !)، و"المد" (القطار؟) الرمزي للأحداث الذي وصل بنا إلى هنا، والدلالة التي عرفنا كيف تسير على ذبذبات هذا التمزق الأخلاقي الذي رفع نسبة الأدرينالين في شرايين النص. وبقدرة قادر ساحر، سوف يشهد هذا الرقم، المشحون بكهرباء الانقلاب الدلالي الذي بدأه "العيد" لينتهي في بيت السيدة العايدية، عقوبة طريفة؛ فحين يتحدث عن ممارسة الجنس مع الحيوانات، يقول السارد: "غير أن المراهقين يصلون متأخرين بعد أن يقضوا وطرهم من عنزات فطومة الصويرية من حوش مجاور للمقهى"[31].

وكتعليق على هذه الأحداث، يستطرد قائلا: "وفي حمأة هذه الظروف العصيبة وتضارب الآراء ألقي القبض على شاب من شباب الضواحي يقود بغلة إلى الأحراش فاعتقل بتهمة السرقة واللصوصية، وحكم عليه بثلاث سنوات حبساً نافذة"[32]. ولقد اتضح بأن هذا الشاب لم يكن سارقا، بل كان ينوي ممارسة الجنس مع البغلة، لا أكثر ولا أقل. ثم امتد الفضح السردي، المقاوم لهذه العادات الاجتماعية المقلوبة، إلى تسليط الضوء على علاقات الوافدين، في مقهى المكسيك، بالحيوانات، إذ يحدثنا السارد عن شخص جاء بثعلب حي "ذات مساء يوم ثلاثاء"[33] لكي يبيعه..الخ. وسوف يكون هذا الرقم شاهدا أيضا على تحرش جنسي فاشل، حيث نجد أنه كما كانت السنوات الثلاث صورة للعقوبة، ستكون ثلاث نساء صورة للردع، فحين حاول المدعو الزيزوار أن يتحرش بخادمته التي انتهت فيما بعد نهاية مأساوية، يقول السارد:

"وهو نفسه من تسبب في إبعادها عن المنزل والمدينة ككل، حينما راودها عن نفسها وأكدت له غير ما مرة أنها ستفشي سر تحرشاته بها، لزوجاته الثلاث"[34]. وحين كان يتحدث عن الخلل الذي شاب مدة حمل الخالدية بالطفل رحال الذي كان يعتقد أنه ابنه، قال بوقال: "كما أنه لا ضير أن يخرج رحال إلى العالم بشهرين أو حتى ثلاثة قبل أوانه"[35]. ليضيف قائلاً: "غادرت العايدية وابنها رحال المكان، وبعد اختفائها مباشرة بثلاثة أيام، وفي صباح متعجرف، داهمتني عصابة من المقدم والشيخ وثلاثة من رجال القوات المساعدة"[36].

وهو يتحدث عن وفاة الشيبة العاصية، قال: "ماعدا العايدية التي ما ظهر على محياها أثر الحزن ولا ذرفت دمعة وبللت عينيها المبللتين أصلا، هي وثلاث نسوة من جاراتها مكثن خارج المنزل"[37]. وهو يتأمل حياته التي تذهب إلى جحيم البؤس هباءً منثورا، يقول: "وما لحظي البئيس يطردني باكرا من دائرة التواقين للعب أدوار ضاربي الحياة بركلة اللامبالات "اضرب الدنيا تزعرط" هؤلاء كلهم أدركوا زمن الأسنان الثالثة"[38]. وقد أكد رفضة لعودة والدته من الخليج بعد اختفائها، يقول: "قلبي غرفة واحدة باذخة أحكمت الخالدية سلطانها عليه ورمت مفاتيحه في الثلث الخالي، وما أظن أن هذه الأمي بقادرة على أن تجد لها فجوة تتسلل من خلالها لتجاويف الغرفة السلطانية"[39]. وحين كان يتحدث عن اختفاء أمه الحقيقية، قال: "لكن من اعتقدت أنها أمي لم تكن هي ودادا زهوا إلا زوجتا أبي"[40].

نستشف من هذا الكلام أن والد بوقال كان له ثلاث زوجات؛ أم بوقال الحقيقية التي اختفت، والأم المزيفة، ودادا زهوة. ويتضح لنا، من خلال قراءة النص، بأنهن أنجبن من هذا الرجل ثلاثة أبناء، وهم؛ بوقال من الشتوكة لخواض التي اختفت، وحسن من أم بوقال المزيفة، وعمر من دادا زهوة. إن الخلفية العميقة لهذا المشهد السردي ذات طابع خيالي. أو، بعبارة أكثر دقة، أقول: إن تحرك القطار (الذي يجسد الخيال بين الذاكرة والقراءة) بالسارد من محطة إلى أخرى، من جهة له علاقة باختفاء والدة بوقال، ومن جهة أخرى له علاقة برحيل بوقال نفسه إلى مقهى المكسيك !.

وإذا كان والد بوقال قد اقترن ذكره بثلاث نساء، فسينتهي بوقال إلى حضن الخالدية التي اقترن ذكرها السيء بثلاثة رجال، وهم عسو العجوز، والشعاوي الغريب، وبوقال البئيس. "لأن الشعاوي الغريب الأطوار، كان يعاشر الخالدية بالنيابة عني وعن عسو البئيس أيضا، أناء الليل وأطراف النهار، ولما أدرك أن ابني هوابنه، غادر إلى غير رجعة"[41]. وأخيرا (كما ذكرنا سابقا) ستعود والدة بوقال من الخليج، لكن، لاحظ أنه سيرفض هذه العودة، كما رفض العيد تماماً، إذ يقول:

"عادت إليّ بعدما عاث شيطان اللذة في جسدها وأفكارها فسادا، وما عادت تلعب مشاعرها وإحساساتها نزوات اللذة والشهوة كأيام زمان"[42]. فيما مضى كان حزينا على اختفائها، خاصة وهو كان يتصور بأنها يمكن أن تكون قد توفيت أثناء ولادته، وبسببه، فـ "هل أنا من تسببت في وفاة أمي؟ ماذا اقترفت في حقك يا أمي؟منذ سنين وأنا أعاود الأسئلة ذاتها فأحاكم نفسي مرارا وتكرارا وأقاضيها وأعذبها وأقلقلها، ثم أضرب أخماسا في أسداس، وأصدر أحكاما قاسية في حقي، بجريرة ضلوع رأسي الكبير، ربما، في وفاة أمي"[43]. أما الآن، وقد انقلب السحر على الحاضر، فلم تعد هناك حاجة إلى عودتها.

"ذات مساء وأنا مطأطئ الرأس أتخبط كالديك في مصيبتي وبلواي أحسست بالسمعلي يجرني من كتفي ويطوقني بذراعه قائلا، وقد علت محياه ابتسامة وقحة وخبيثة: هيا كن كريما ولو لمرة واحدة في حياتك واحمد الله بمناسبة عودة أمك"[44]. لكن هيهات أن يؤثر في قلب بوقال الذي انقلب رأسا على عقب، وهو يقول: "أدركت في قرارة نفسي أن الماكر يتمناها ويتواخاها زوجة له الليل قبل النهار"[45]. وبناءً على ما تقدم، فإن هذه الكلمات التي تشكل الثالوث الدلالي في هذا اللاشعور النصي، كما يرى القارئ، ليست مجرد تصفيف أو تصنيف للحروف، بل إن الأمر يتعلق باستنطاق الأدوار والمواقف والأحداث المفصلية داخل الرواية، وانصبابها التلقائي في هذا الاتجاه التحليلي.

وكما يقاوم "العود"ة، فإن بوقال في صراع مع "العاد"ة أيضاً، وعلى رأسها العيد كما رأينا طبعا. وذلك ابتداءً من حصرها في مفهومها السلبي (انقلاب أخلاقي) حتى يخيل إلينا أنه لا تكاد تنص هذه الرواية على عادة إيجابية. فعلى سبيل المثال، يشمئز من الأيام التي قضاها في المسيد "حيث كان الفقيه يعمد إلى إجلاس التلاميذ بالقرب منه حتى إذا استأنس للبعض منهم ومسح المكان بعينه الزائغتين جر وأقعد أقربهم إليه بين فخذيه"[46]. إنها باختصار؛ عادة الشذوذ الجنسي التي كان الفقيه يحاول ممارستها على الأطفال الذين يحفظون القرآن الكريم على يديه الشريفتين.

"الكل يعرف أن العايدية لها عادة وبيلة في التبول إذ كان يسمع لشرشرتها ضجيج مسموع، مصحوب بزحير وأنين موجع"[47]، إلى آخر الأوصاف التي سددها إلى شخصية العايدية.

وبهذه المناسبة سنشير إلى بعض مظاهر التناص المتعلق بدور هذه الشخصية كواحدة من عجائز النحس اللواتي تحدث عنهن الكاتب في مجموعته القصصية "رقصة زوربا"[48]، والتي أفردنا لها دراسة معمقة ومفصلة[49]. لنقارن المقطع السابق مع ما ورد في قصة "الوحش" من مجموعة "رقصة زوربا"، حيث يقول السارد: "ولكن عجوزنا، تصدر أنينا حزينا حادا وزفرات كسيرة عندما يدافعها البول، ويسمع لشرشرتها ضجيج غريب، هو بمثابة نذير شؤم، يحسب له سكان القرية ألف حساب، فيعدون له العدة، ويتهيؤون لأفظع مصائب الدنيا والآخرة على مضض، كما ينزل الوبال مدرارا على القرية لما تتميز من الغيظ .فأضحى لا أحد يغيظها. وهكذا بفعل توالي المصائب، ارتأى نظر كتيبة من الأشقياء- بل وجدوا أنفسهم، على نحو آخر، مجبرين- للقضاء على القوى الشريرة - إلى اعتراض عجوز النحس واغتصابها جماعيا حتى الموت"[50].

وكما نرى، ونحن نقرأ "روائح مقاهي المكسيك"، أن السيدة العايدية شريرة تماما مثل عجوز النحس التي تم اغتصابها حتى الموت في قصة "الوحش". لنأخذ مثالا آخر، من هذه الرواية، حيث يتحدث السارد عن العايدية قائلا: "يشاع، والعهدة على الرواة، أنها مطروشة من طرف قوى شريرة، استوطنت الشيبة العاصية، وتعاركت-وهي معه على الفراش-ذات ليلة من ليالي رمضان مع جنية تمكنت العجوز الدردبيس- بكل ما تمتاز به من قوى خارقة وخبث ودهاء – في مبارزة تاريخية، أن تطردها للأبد"[51].

لنقارن ذلك، مرة أخرى، بما ورد في قصة الوحش، حيث "تشاءم سكان البلدة من الحلم المشؤوم الذي رواه حسن، صاحب الدكان، عن إحدى جدات جداته التي زارته في المنام وهي تنتحب راجية منه، متوسلة أن يثأر لها ممن اغتصبوها منذ زمن سحيق. يُحكى أن قصتها أدمت القلوب آنذاك، وهي التي زرعت في القرية سحرا وما هو بالسحر ولكن مثل السحر. هي عجوز لا ينصاع المطر لصوتها، وينهمر مدرارا، كما هي الواقعية السحرية، في الغابات الاستوائية"[52].

هنا نجد ما يسمى بـ "التعلق النصي hypertexte"الذي فيه يتحقق التفاعل النصي عبر تعلق نصين ببعضهما أحدهما لاحق وهو النص المتَعلِّق والآخر سابق وهو النص المتعلَّق به"[53]. وبتطبيق هذا المفهوم على النصوص التي بين أيدينا، يمكننا اعتبار المتعلِّق هو "روائح مقاهي المكسيك"، والمتعلق به هو مجموعة "رقصة زوربا"، أو،على وجه التحديد، قصة "الوحش". وهذا يعني أننا بصدد "التفاعل النصي الذاتي" الذي "يجري بين نص الكاتب ونصوصه الخاصة"[54].

إن للتفاعل النصي الذاتي في كتابات عبد الواحد كفيح طبيعةً خاصةً سبق أن تحدثنا عنها تحت عنوان "تناسخ النص"، فهو أقرب إلى نوع من التناسخ، ولا يتسع الآن المجال لتفصيل الحديث حوله، ولكني أريد بهذه الأمثلة أن أدخل بالقارئ إلى مستوى أعمق لدلالة الـ "عودة" التي يكافحها بوقال ذات الوعي وذات اللاوعي. لقد رأينا أنه رفض "عودة" أمه الحقيقية التي تركته طفلاً وذهبت إلى الخليج حيث ارتبطت برجل آخر. وكان رفضه صريحا وعن وعي، لأن عودة الأم ببساطة كانت صريحة (حقيقية)، والآن، أضيف أن الأم العايدية عادت، هي الأخرى، عودة رمزية باطنية من مقبرة "زوربا" إلى "مقاهي المكسيك" !.

وأنا أصل إلى هذه النقطة، تمنيت لو كان القارئ قد قرأ هذه الكتب الثلاثة؛ "روائح مقاهي المكسيك" و"رقصة زوربا" و"تناسخ النص"، لأن ذلك يعني أنه سيفهم جيدا عماذا نتحدث، وكيف، وإلى أين يمكن أن نصل. إن العجوز، التي تم اغتصابها حتى الموت في قصة "الوحش"، قد عادت في صورة (نسخة) العايدية إلى "مقاهي المكسيك"، وهي العودة اللاواعية التي يرفضها بوقال بنعوته اللاذعة. فمن خلال وصفه للدور الشرير الذي تتقاسمه هذه مع تلك، يبدو جليا أن هذه الشخصية واحدة على مستوى النص النموجي لعبد الواحد كفيح. ولو كان لنا أن نعيد ترتيب هذه الأوراق السردية لجعلنا رواية "روائح مقاهي المكسيك" سابقة لقصة "الوحش" على الأقل !

"تعجبت كيف كان بإمكان العايدية-مع أني أعرف أنها مسكونة بالأرواح الشريرة-أن تنشد ابتهالات بكلمات في كامل الفصاحة"[55]. يقول بوقال عن العايدية في سياق سخريته منها: "قد ظلت تنكر مرارا وتكرارا لمن يشكك في ذلك أن عادتها الشهرية انقطعت"[56]. ولا يخفى أن لسان حال السارد يقول بأن هذه العادة قد انتهت بلا شك، وأن كل ما في الأمر أنني أريد أن أتحدث عن المكابرة الفارغة للعايدية وإصرارها على الكذب وتزييف الواقع المرير.

وبهذا تبدو لنا العايدية كشخصية مدافعة عن تلك العادة، بينما يبدو بوقال مقاوما لها ولمجموعة من العادات كما أسلفنا. يقول وهو يصف بيتها الفوضى:"على الجدار علقت صورة لمحمد الخامس في إطار من العرعار المصقول تتصدر البوستيرات : أفيشات بالية، عملاقة،لأفلام موغلة في القدم، يتوسط إحداها محمود المليجي بابتسامته الخبيثة وعماد حمدي بتسريحته المعلومة، تعلوهما ليلى مراد بابتسامتها الشبقية كتب تحتهم بخط أسود عريض دائرة الطباشير القوقازية، وعلى الجدار المقابل علقت لوحة قرآنية مازالت آيتها الكريمة ماثلة في ذاكرتي "فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم"[57].

وهو يتحدث عن جدران العايدية شاحنا هذه الصور بالدلالات، جعل هذه الآية القرآنية في الجدار المقابل وكأنها تعكس مشروع بوقال الذي أجبرته الأقدار على أن يعمل نادلا في مقهى المكسيك الذي تشرف عليه العايدية. ليس من الممتنع أن تكون هذه اللوحة معلقة فعلا على جدار من الجدران الحقيقية، ولكن من المؤكد أن توظيفها في النص ليس مجرد تعليق (على جدار الواقع)، بل هو موجه في إطار البرنامج السردي سعيا لتشعيب البنية الدلالية للنص. وقس على ذلك في شأن أسماء الشخوص، التي وإن كان لها وجود حقيقي في الواقع، فإن إدراجها في النص السردي خاضع لنفس البرنامج. فما زالت هذه الآية "ماثلة في ذاكرة" بوقال، مادامت تعبر عما في نفسه تجاه المحيط الساخط والمسخوط عنه.

إن قراءة هذه الرواية في ضوء استجلاء ما تقوم عليه من "التفاعل النصي الذاتي"، تعطينا فرصة لإدراك بأن شخصية العايدية تعود إلى حياة "مقاهي المكسيك" السردية لكي تقيم زواجا "عدا"ئـياً مع الشيبة العاصية. وإن هذا الزواج من جنس الحياة السردية الباطنية لبوقال، وهي السيرة التي لا يعيشها تماما كما هو مفروض في الواقع، يملأ أدوارا مجهرية في عالم القيم بغية إعادة تشكيلها السردية. ولكي نبسط هذه النقطة، لنذكر القارئ بأن المفروض في الزواج أن يكون إعلانا للحب بين الرجل والمرأة.

لنأخذ بعض الأمثلة عن الطريقة التي يتعامل بها كل من العايدية والشيبة العاصية مع بعضهما، ففي حديثه عن الشيبة العاصية يقول السارد: "وأحزر أنه كلما مر من أمام العايدية كانت تكيل له في نفسها السباب"[58]. وليس هذا فقط، بل كانت تفشي حتى أسراره الخطيرة، وهو بدوره لم يقصر في التعبير عن كامل عدائه لزوجته العايدية، إذ يكفي أنه أقدم على اغتصاب ابنتها الخالدية ! "كما أسرت لي بسر خطير لايخطر على بال عاقل: قالت لي أن عجوز النحس الشيبة العاصية هو من اغتصب الخالدية وأفقدها بكارتها في ليلة ليلاء لتفر في يوم أسود لا تنبح فيه كلاب"[59]. وهكذا قام بتهجير ابنتها بعد اغتصابها، كما تقوم هي بإفشاء أسراره، وأخيرا سوف تفرح لموته وتقوم بتزويج الخالدية لخادمها بوقال، وهو الزواج الذي لن يسجل إلا مزيدا من المتاعب.

"قبل أن يموت الشيباني، كانت العايدية قد حضرت مستلزمات الجنازة قبل الأوان. اقتنت الحنوط والكفن ودقت طبول الموت بوقت طويل. وكما لو أن الموت في كمشة يدها، بل وكأنها تستعجل موته على أحر من الحر"[60]. وماذا يقول الشيبة العاصية لبوقال عن زوجته العايدية وهو في السجن؟ لقد"حذرني من اصطحابها مخافة إصابتي بعدوى السل الذي استوطنها"[61]. وبهذا تكون العايدية قد بلغت رسالة العودة والعداء والعدوى معاً. هكذا يتناسل البؤس بين هؤلاء المنبوذين الذين يشكلون المحيط الاجتماعي لبوقال في هذه الرواية. "وفي حوار بدت فيه العايدية متكتمة، أفضت لي بسر يخص زوجها الشيبة العاصية، أن له بنتا من علاقة غير شرعية"[62].

يبدو أن هذا الشيبة العاصية أطلق العنان لفساده المبين، وهو يوزع اغتصاباته ذات اليمين وذات الشمال. على أن العايدية لم تكن أقل منه فسادا، وإقداما على الخيانة الزوجية حتى وهي عجوز. فبعد أن قضيا ليلة في الضريح أثناء طريقهما إلى الخالدية، اقترحت العايدية على بوقال أن يتبادلا بعض الحكايات، وفي هذا السياق يقول: "لما حان دوري حكيت لها بكل أمانة وأنا مضطجع أعد وأحصي نجوم السماء، أمام باب الضريح الذي كانت هي بداخله مع البواب (عاهدتها أن أضيف هذا إلى زوادة أسراري وأصرها صرا. أسرار دفينة وأحقاد متقيحة، ضاق بها صدري الطاعن في الهشاشة والضعف)"[63].

وكما نعتبر العايدية "عائدة" من مقبرة "الوحش" إلى حياة "روائح مقاهي المكسيك"، عبر جسر التناص الذاتي، يمكننا اعتبار شخصية الخالدية أيضا من هذه الكائنات السردية. لقد قلنا في تحليل قصة "الموت الذي مرق بين نحر الفجر وضفة النهر"[64]"أن اسم "خلود" أطلقه السارد على الأنثى، من التؤمين، وأن اسم "خالد" قد أطلقه على الذكر. صحيح أن النص، على مستواه السطحي، لا يحمل التصريح بأن خلودا هي التي أنجبت خالدا ! ولكن، على مستوى البنية العميقة، يمكن القول بأن هذا الاشتقاق يشير إلى عملية الولادة، وأن الانحراف الدلالي، الناجم عن عملية التوليد التي تمتد من عمق النص إلى سطحه، يساوي الانحراف المعكوس الذي يقوم على انتفاء الولادة البيولوجية بين خالد وخلود !."[65].

والآن، نقول بأن زوجة بوقال "الخالدية" يشار من خلال اسمها ودورها إلى نوع من النسبة من خلال حرف "الياء"، فهي إذن منسوبة إلى "خالد"، وأن هذه النسبة تقوم على رمزية أن رواية "روائح مقاهي المكسيك" مثلاً لن تكون قطيعة مع النصوص الماضية للكاتب ("رقصة زوربا" على الأقل)، فإذن هي منسوبة إليها. لقد رأينا بأن الرضيعين؛ "خالد" و"خلود" لم يموتا في تلك القصة، بل انتهيا إلى المجهول بعد أن غرقت أمهما في النهر. والآن، ها هي الخالدية (الرواية) تواصل (اشتقاقها) السردي (التناص الذاتي) من القصص السابقة (خالد)، وها هي تنفلت من زوجها بوقال بعد أن ضحت من أجله، أو ضحى من أجلها، عبثاً !.

لنعد قليلا إلى الوراء؛ يبتعد البطل "بوقال" عن بحر"العيد"، ويقترب من بر "العايدية". وتعود هذه الأخيرة من مقبرة "زوربا" إلى "مقاهي المكسيك". وتخلد "الخالدية" في أبدية السرد المخاتل (الخيانة الزوجية)، بعد ذلك، لتواصل اختفاءاتها السردية وتجر معها الفضول إلى حيث يتعين عليه أن يتحول إلى تشويق ذات رواية قادمة ! بل إن شخصية الخالدية يمكن أن تتقمصها الروح الرمزية للرواية أو القصة ذاتها. ولكي نبين هذه المسألة أكثر، لنتذكر بأن والدها (زوج العايدية السابق للشيبة العاصية) كان اسمه "رحال".

"غير أنه، ومع مرور الأيام، وميلاد ابننا رحال-والذي أصرت على أن تعطيه اسم والدها-بدأت الخالدية تشدد عليّ الخناق وتحد من مساحة عملي"[66]. وسوف نجد أن رحال (الجد) كان زوجا ثريا للعايدية؛ فلقد "حكت لي أن ابنتها الخالدية، هي ابنة من زوج ثري سابق، تزوجت به في زمن بعيد"[67]. إن للرحيل والرحلة حضورا جوهريا في هذه الرواية. وإن وضع الكلمات المشيرة إليهما تحت المجهر يسمح لنا باستجلاء مجموعة من خفايا النص. إن رحال (الجد) ليس سوى "الثراء" المقابل لـ"البؤس" الذي يتشخص في رحال (الحفيد). إنه تضاد فرعي ينحدر من علاقة التضاد الأصيل القائم بين السارد عبده والبطل بوقال. ثم لاحظ أنه، كما تصور بوقال الله تعالى "في مكان بعيييد"، كذلك يبدو أن رمز الثراء هذا المدعو رحال تزوجت به العايدية "في زمن بعيد" !. (بُعد الرحمة = بُعد الثراء). والآن، لنحاول إعادة التمثيل اللغوي لهذه العلاقة، ونقول على سبيل التوضيح:

"رحال العايدية"، أو "عايدية رحال". فكما تُعتبر (تُعرب) الـ "رحلة" مضافاً إلى "العودة" بإظهار، تتم إضافة "رحال" إلى "العايدية" بإضمار، وعلى النحو التالي: "زوج العايدية" !. لقد اضطر بوقال، كما رأينا سالفا، إلى "الرحيل" من بيت والده. ووجدنا أن السبب المباشر لهذا الرحيل يتمثل في "العيد" بالذات. فبسبب الـ "ع ي د" كان على بوقال أن يـ"و دع" مسقط رأسه. وهكذا تحول الـ "عيد" إلى و"داع"، وتحول وداع بوقال إلى عودة السارد من سفره، بعد أن تحولت الأفراح إلى أقراح بالنسبة لبوقال.

بيد أن "رحيل" بوقال هو الزوج الباطني لـ "رحلة" السارد. وها نحن أمام "رحلة العودة" كمقابل ظاهري لـ"رحيل العيد" !. لنغوص قليلا في بنية السيكولوجيا السردية لعلاقة هؤلاء الشخوص بأحداث الرواية. إذا بدا لنا "رحيل العيد" على هيئة إضافة (تركيبا) في الظاهر، فيمكن أن يكون مجرورا (تفكيكا) في الباطن. أو، بعبارة أخرى، يمكن أن يكون رحيلا ذا حدين؛. فهو "رحيل العيد"، أي أن "العيد" ودع طبيعته التي تتمثل في الشعور بالفرح، ورحل بالبطل بوقال إلى الشعور بالقرح. وهذا رحيل باطني من موقف إلى موقف آخر. وهو أيضا "رحيل [من] العيد"، وهنا تحيل كلمة الرحيل على البطل، أي رحيل فيزيائي من مكان إلى مكان آخر. وعلى غرار المركب الإضافي "رحال العايدية"، يمكن اعتبار السارد "رحال العودة" !. وذلك من خلال الجمع بين دوره داخل القطار ومنطوقه "رحلة العودة الطويلة...". وهنا نجد أنفسنا أمام التقارب الصوتي الواضح بين "رحال العايدية" و"رحال العودة" على مستوى العمق الدلالي.

وكما افترضنا وجود علاقة رمزية بين العيد والعايدية، نفترض أن هناك علاقة موازية بين شخصية "رحال" و"السارد" (راكب القطار). وفي الواقع، قد لا يخلو "اقتناء" الرواية في المحطة من التمثل اللاشعوري لـ"الزواج" (= اقتناء المرأة). ومن أجل التعمق في هذا الموضوع، أحيل القارئ على دراسة لي بعنوان "بين الجنس الأدبي والجنس الآدمي"[68]. ولي دراسة أخرى بعنوان "سيميائية السارد المفارق"[69] يمكن أن تساعد كثيرا على فهم النظرية التي أستند إليها في مقاربة النص السردي على هذا النحو.

لقد تحدثت سابقا عن علاقة "المخاتلة السردية" بـ "الخيانة الزوجية"[70]. وبناءً على ذلك، فإن "القراءة السردية" التي قام بها السارد عبده في القطار، تقوم على تمثيل لاشعوري لزواج العايدية برحال، وإنجاب الخالدية !. وبناء على ذلك، فإننا أمام تمثيل مجهري أخر بين الرحالين؛ الجد والحفيد. وهو تمثيل (تناسخ نصي) أيضا لعلاقة السارد بالبطل بوقال، إذ نعتبر السارد هو الجد السردي للبطل بوقال، لأنه هو الذي يقرأ علينا (يسرد) الرواية التي تحمل عنوان "أنا والشبية العاصية؟..." (كلا، بل "لمَ لمْ تنتظريني يا أمي؟" !) التي نعتبرها (بناءً على نفس المنهجية) بمثابة الأم السردية (المباشرة) لبوقال، مع العلم أن هناك رواية له غير مباشرة (= الجدة السردية؟) أيضا تتمثل فيما يحمل عنوان "روائح مقاهي المكسيك" !.

"إذا كان السارد عبده يقرأ (يسرد) لنا سيرة بوقال، فإن هذا الأخير يسرد علينا سيرة الشيبة العاصية. وبالتالي، فإذا كانت رواية "أنا والشيبة العاصية؟ أو لم لم تنتظريني يا أمي؟" متضمَّنة داخل رواية "روائح مقاهي المكسيك"، فإن رواية (مذكرة) الشيبة العاصية متضمنة داخل رواية "أنا والشيبة العاصية؟...". لقد جعلنا، في هذه الدراسة، "الذاكرة" واحدة من الأسس التي يقوم عليها النص ليأخذ وجهته نحو الثالوث الدلالي . والآن سنضيف أن بوقال، كما رفض عودة أمه، يجب أن يرفض الذكريات الماضية التي باتت تسبب له الحزن أيضا، وبالتالي؛ يجب أن يدخل في نوع من الصراع مع "الذاكرة" نفسها. تأمل قوله: "كم تمنيت أن تسيح الذكريات وألا يعلق كل ذلك بذاكرتي. كم هي عنيدة ذاكرتي، تأبى أن تنسى"[71].

هذا مثال على موقفه تجاه الذاكرة والذكريات، التي يحاول التغلب عليها "ولكنها تأتي، رغم أنفي، مزدحمة توقظ نار الأسى بدواخلي"[72]. إذا كان الأمر كما نرى، فإن "القراءة" سوف تنخرط في هذا الثالوث من باب مقاومة الذاكرة نفسها ! لنتذكر كلام السارد في بداية النص حيث يقول: "هكذا تصفحت الكتاب، وتأبطته بعشق ليكون أنيسي وعكاز رحلة العودة الطويلة"[73]. إذا كان هذا المقطع مثلا يتضمن إشارة إلى "عشق القراءة"، فإن هذه "العودة" تظهر لنا في بعدها الزماني والمكاني معاً؛ إنها عودة عبر المكان من وجهة نظر السارد (المسافر) داخل القطار (= البعد الأفقي للنص). ولكنها عودة عبر الزمان أيضا من وجهة نظر القارئ (الدارس) لـ حضور الخيال (= البعد العمودي). عودة من الماضي، من الذاكرة.

إن التمزق الأخلاقي، الذي تتحدث عنه الرواية، أدى إلى تمزيق اجتماعي مبين. فعلى سبيل المثال؛ كما نجد بوقال ربيبا لدادا زهوة وأمه الباطلة بعد اختفاء والدته الحقيقية، كذلك نجد رحال (الحفيد) الذي كان من المفروض أن يكون ابنَه مع زوجته الخالدية، اتضح بأنه من صلب المدعو الشايعي الذي اختفت معه، كما اختفت من حياة زوجها عسو وظهرت في حياة بوقال. وهذه الخالدية نفسها كانت ربيبة للشيبة العاصية الذي اغتصبها وقام بتهجيرها فيما بعد، لأن العايدية أنجبتها من السيد رحال (الجد) الذي رحل مبكرا عن الحياة والنص معاً. وكذلك المامونية ابنة الشيبة غير الشرعية التي كانت تعمل عند شخص يدعى الزيزوار، كانت، بشكل أو بآخر، ربيبة للعايدية، وهلم تمزيقاً وتطليقا وتربيبا وترميلا.

إذا كان الأمر يتعلق فعلاً بتمزق أخلاقي وتمزيق اجتماعي، فإن مجتمعا كهذا يحتاج إلى "خياط". وهذا هو الدور الرمزي للسيد المكي بويدية في هذا النص ! فهو يمكن اعتباره نقيضا لسيف الدين الحلاق/الحجام. قبل أن نعرض نماذج من سلوك المكي الخياط، نشير إلى أن سيف الدين الحجام قطعة من الجحيم بالنسبة لبوقال، نظرا للدور الذي لعبه أولا كحجام في فجر طفولة بوقال، وبالضبط أثناء عملية ختانه. وسواء كان قاطع قلفته سيف الدين ذاته أو حجام آخر أصبح في زمن كان، فإن التشرير الذي يتحدث به بوقال عن الحجام في هذا النص واحد يتجسد كله في شخصية سيف الدين.

يعلن بوقال عن موقفه تجاه الحجام عموماً حيث يقول: "لن أنسى، ماحييت، هذا الشرير الأول"[74]. ويوم الختان الأسود "ألقوني أرضا، كتفني على إثرها والدي وقدمني، في جو من الانتقام العدواني، طازجا، أبول في سروالي من الهلع، إلى الحجام، الذي كان ساعتها مدججا بكل عدة وعتاد الفتك والتدمير. يشهر في وجهي، مقصا عملاقا لجز الصوف..."[75]. لكأن سيف الدين هذا يجب أن يبدو أطول من كل سكاكين الدنيا. "ولولا الألطاف الإلهية لكان قد استأصله من جذوره، وبقيت سلعة بائرة، كاسدة، في سوق المخانيث"[76]. يبدو أن "عادة" الختان هذه ليست إلا ستاراً تخفتي وراءه غريزة التدمير الذي يتجلى في عملية الإخصاء.

إن هذا الختان أقرب إلى مشروع تخنيث. لكأن سيف الدين (الذي يحمل مشعل الحجام العدواني) لا يقوم بعمله كحجام عادي ذي نية صادقة في تقديم مساعدة لهذا الجنس البشري، بل يحركه شيء آخر؛ إنه، في الواقع، يحاول أن يهلك الحرث والنسل معا. يحاول أن يستعجل الانقراض البشري عن طريق استئصال العضو التناسلي.

ربما لأنه سيف الدين المسلط على رقبة الدنيا؛ السيف الذي تم استلاله من عالم الغيب ليذبح عالم الشهادة في أقرب فرصة ممكنة. ذلكم هو الحجام في هذه الرواية الذي له "عينان يتطاير منهما شرر الحقد، حسبته يومها سيقتلني. ارتمى علي مهددا متوعدا وأنا أصرخ ملأ حنجرتي"[77]. وبالإضافة إلى مهنة الحجامة والحلاقة، فإن لسيف الدين مهنةً أخرى تتلخص في الفضح والنميمة وتعقب أعراض الناس وتفاصيل أسرارهم، حيث "بدأ يسرد على مسامعي-دون أن أطلب منه ذلك- قصة غريبة. قال إن الشيبة العاصية له قصة فظيعة مع ربيبته"[78]، فهو تارة يفضح الشيبة العاصية وتارة يفضح العايدية، حيث يقص حكاية اقترافاتها لبوقال، فقد"أضاف الحلاق، وهو يبصق لعابه على المرآة ويمسحها بقطعة من جريدة قديمة، بأن العايدية على حد علمه، كانت تنتقي من الشبان-البدويين منهم خاصة-أشدهم قوة، وأصلبهم عودا وعدة وعتادا"[79].

ويواصل نبشه في أسرارها، إذ "لم يقف تأفف الحلاق عند هذا الحد، بل أضاف أنها تسببت في إفساد قبيلة من الشباب، في عمر أحفادها، اعتادت أن توزع عليهم ثروتها مقابل سويعات اللذة"[80]. وحين يجتمع هذا الجمع حول الشيبة العاصية بمناسبة وفاته، لا يكف سيف الدين الحلاق عن تسديد الضربات الكلامية الموجعة أحيانا، ولكن، في المقابل، نجد المكي الخياط يحاول إعادته إلى رشده.

و"عندها حول الحلاق مجرى الحديث متسائلا عن سر غياب العايدية، فتنحنح الخياط بويدية مرة أخرى مومئا إليه بعدم الخوض فيما لا يعنيه. "[81]. لاحظ سلوك سيف الدين الحلاق، ولاحظ سلوك الخياط في المقابل، وسيتبين لك أن الحلاق يقود مشروع التمزيق الاجتماعي (قطع الأوردة الاجتماعية ومص الدماء)، وأن الخياط يقود مشروع الخياطة الاجتماعية (رتق وتضميد الجراح) من جهة أخرى. "وبعد صمت قصير، عاد الحلاق للانفجار ثانية مرددا: العايدية تلك الداهية هي التي بعثت به إلى السجن، وهي التي أسرت به للبوليس السنة الفارطة، وكشفت لهم الكثير مما يستره الشيبة عنا وحتى عن نفسه"[82]. وفي المقابل "نهره الخياط معارضا: لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تسدد العايدية مثل هذه الضربات الغادرة في ظهر زوجها"[83].

حين تحدث بوقال عن احتضار الشيبة العاصية، قال:"طلب مني-متلعثما وكأني به يجر أشتات كلماته من جوفه جرا- أن أستر عرض فتاة، لا إقامة لها ولا عنوان، وتدعى المامونية"[84]. وكما سبقت بنا الإشارة إلى ذلك، أن هذه الفتاة هي ابنة غير شرعية للشيبة. حين قال هذا الأخير ما قال، "جرني الحلاق إليه بمنتهى الهدوء، وهمس في أذني قائلا: لا تنشغل بأمره ولا تهتم بما قال لك، إنه يهذي"[85]. هنا يبدو الحلاق كالشيطان، يوسوس في أذن بوقال. فما هو إلا سيف من سيوف الشر المسلولة، ولذلك بالضبط يحمل اسم "سيف الدين" في هذا النص، فما أكثر الشرور التي يتم ارتكابها باسم الدين "والحلاق يهم بالاندفاع ليحشر أنفه في حديث ديني، لا يعرف فصله ولا مفصله. ينهره الخياط بعصبية ويخرس لسانه"[86].

والخلاصة أن "سيف الدين الحلاق، أو بالأحرى الحجام، رجل شرس، يغلب عليه طابع العنف الذي استمده طيلة حياته من قلع الأضراس والأسنان بلا شفقة ولا رحمة، لأنه كان يعتاش على ألم الأخرين" [87]. حين عادت والدة بوقال من الخليج، "حاولت جاهدة، هي والخياط بويدية، بتوسلاتهما، أن أغفرلها"[88]. هنا يظهر جليا الدور الرمزي للخياط. وهكذا يتضح لنا بأن هؤلاء الشخوص لا يحملون أسماءً بريئة في النص، بل إن لها انخراطاً دلاليا منسجما مع أدوارهم، وإن كان لهم وجود حقيقي في الواقع، فإن إدراجهم في النص خاضع للغة السرد الفنية، وأن هذا يعني أنها تحمل دلالات متعددة. فإذا كان سيف الدين الحلاق من أبرز الشخصيات التمزيقية، فإن المكي بويدية من أبرز الخياطين الأخلاقين والاجتماعيين، وأن هذه الخياطة تقابل ذاك التمزيق في عمق النص، أي أننا أمام صراع بين التمزيق والترتيق.

 

....................

[1] عبد الواحد كفيح: روائح مقاهي المكسيك، رواية، مطبعة سليكي أخوين- طنجة/المغرب. الطبعة الأولى 2014.

[2] د.محمد عبد الرضا شياع: الخلفية الإسبانية والشعر العربي المعاصر، الطبعة الأولى 2013، ص 53. وانظر؛ عبد الواحد لؤلؤة: التناص مع الشعر الغربي، مجلة الوحدة، س.7، ع.82-83/1991، ص 15.

[3] روائح مقاهي المكسيك ، ص 148.

[4] المرجع السابق، ص 148.

[5] المرجع السابق 9.

[6] المرجع السابق، ص 7.

[7] المرجع السابق، ص68.

[8] المرجع السابق، ص 16.

[9] المرجع السابق، ص 16.

[10] المرجع السابق، ص 16.

[11] المرجع السابق، ص 16.

[12] المرجع السابق، ص 16.

[13] المرجع السابق، ص 9.

[14] عبد الواحد كفيح: رقصة زوربا، مجموعة قصصية، الطبعة الأولى سنة 2010، منشورات وزارة الثقافة.

[15] روائح مقاهي المكسيك، ص 69.

[16] المرجع السابق، ص 9.

[17] المرجع السابق، ص5.

[18] المرجع السابق، ص 18-19.

[19] المرجع السابق، ص 18.

[20] المرجع السابق، ص 18.

[21] المرجع السابق، ص 18.

[22] المرجع السابق، ص 18.

[23] المرجع السابق، ص 19.

[24] المرجع السابق، ص 19.

[25] المرجع السابق، ص 20.

[26] شمس الدين الكيلاني: من العود الأبدي إلى الوعي التاريخي، الطبعة الأولى 1998 دار الكنوز الأدبية، بيروت-لبنان، ص16.

[27] روائح مقاهي المكسيك ،ص 59.

[28] المرجع السابق، ص 60.

[29] المرجع السابق، ص 37.

[30] المرجع السابق، ص 37.

[31] المرجع السابق، ص 37.

[32] المرجع السابق، ص 37.

[33] المرجع السابق، ص 38.

[34] المرجع السابق، ص 75 -76.

[35] المرجع السابق، ص 135.

[36] المرجع السابق، ص 135.

[37] المرجع السابق، ص 124-125.

[38] المرجع السابق، ص 104.

[39] المرجع السابق، ص 142.

[40] المرجع السابق، ص 10.

[41] المرجع السابق، ص 135.

[42] المرجع السابق، ص 142.

[43] المرجع السابق، ص 20.

[44] المرجع السابق، ص 145.

[45] المرجع السابق، ص 146.

[46] المرجع السابق، ص 70.

[47] المرجع السابق، ص 48.

[48] عبد الواحد كفيح: رقصة زوربا، ص20.

[49] سعيد بودبوز: تناسخ النص، مخطوط مازال غير مطبوع، وهو موجود عند المؤلف.

[50] سعيد بودبوز: المرجع السابق.

[51] روائح مقاهي المكسيك، ص 47-48.

[52] رقصة زوربا، ص20.

[53] روائح مقاهي المكسيك، ص63.

[54] "وقد كتب عن ذلك الدكتور محمد عبد الرضا شياع "بين بعض نصوص البياتي: فيديريكو غارثيا لوركا وعبد الوهاب البياتي: دراسة في التناص، م.س، ص :197. انظر كتابه " الخلفية الإسبانية والشعر العربي المعاصر" ص67.

[55] روائح مقاهي المكسيك، ص 75.

[56] المرجع السابق، ص 49.

[57] المرجع السابق، ص 50.

[58] المرجع السابق، ص 41.

[59] المرجع السابق، ص 77.

[60] المرجع السابق، ص 121.

[61] المرجع السابق، ص 116.

[62] المرجع السابق، ص 80.

[63] المرجع السابق، ص 77.

[64] رقصة زوربا، ص 32.

[65] سعيد بودبوز: المرجع السابق.

[66] المرجع السابق، ص 130.

[67] المرجع السابق، ص 77.

[68]سعيد بودبوز: بين الجنس الآدمي والجنس الآدمي، دراسة نقدية منشورة على الأنترنت.

[69] سعيد بودبوز: سيميائية السارد المفارق، دراسة نقدية حول قصة "عنترة يحرص الطواحين الهوائية" التي تتضمنها مجموعة "رقصة زوربا" للقاص عبد الواحد كفيح، ستنشر قريبا في مجلة "الرؤى" الليبية.

[70] المرجع السابق.

[71] روائح مقاهي المكسيك ، ص 13.

[72] المرجع السابق، ص 13.

[73] المرجع السابق، ص 9.

[74] المرجع السابق، ص 12.

[75] المرجع السابق، ص 11.

[76] المرجع السابق، ص 11.

[77] المرجع السابق، ص 11.

[78] المرجع السابق، ص 113.

[79] المرجع السابق، ص 116.

[80] المرجع السابق، ص 115.

[81] المرجع السابق، ص115.

[82] المرجع السابق، ص 120.

[83 المرجع السابق، ص 121.

[84 المرجع السابق، ص 119.

[85 المرجع السابق، ص 119.

[86] المرجع السابق، ص 119.

[87] المرجع السابق، ص 112.

[88] المرجع السابق، ص 140.

***

 

https://www.facebook.com/Saidbz

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2948 المصادف: 2014-10-01 23:31:07


Share on Myspace