المثقف - قراءات نقدية

قراءة في نصّ "مشوار" لسعيد عقل

مشوار الوجود والحبّ

بين الصّدق والكذب .. .

 

•النّصّ

مين قال حاكيتو و حاكاني عا درب مدرستي

كانت عم تشتي و لولا وقفت رنخت فستاني

 

و شو هم كنا صغار

و مشوار رافقتو أنا

مشوار

 

و قالوا شلحلي ورد عا تختي

و شباكنا بيعلا

 

و شو عرفو أيا تختي أنا

و أيا تخت أختي؟

 

بيلفقوا أخبار

و مشوار يا عيوني مرق

مشوار

 

و قالوا غمرني مرتين و شد

شوف الكذب لوين

 

مرا منيح اتنين؟

و لا ردتو إيدي و لا هو أرتد

 

شو بيفضحو ا أسرار

و مشوار شفتو و ما رجع

مشوار

 

كذبوا مين بيقول كذبوا مين

كذبوا مين بيقول كذبوا مين

 

امبارح بنومي بصرت

اني عازندو طرت

و الأرض مفروشة كلا ياسمين

 

إن صح الحلم شو صار؟

و مشوار جينا عالدني

مشوار

 

• القراءة:

رافقتني هذه القصيدة / الأغنية، رضيعا هادئا وصبيّا صامتا وفتى عاشقا وكهلا متأمّلا .. وكانت ولا تزال واقعة في نفسي موقع السّحر، فأسمعها كما لو أنّها تُنشد الآن وهنا .. فهي من ذاك الشعر الذي لا يقدُم، فلا يكون من أثر للزمن فيه إلا من حيث هو لحظة ظهور (1960) ينفصل بعدها ليكون نصّا فوق التّاريخ والزّمان، فيرحل ويسافر، ويدخل ثقافات ويجوب آفاقا، وتتوارثه أجيال، وهو كما هو، شعر حيّ نابض بلحظة الميلاد الأولى .. ولم أكن أعلم، ولعلي لن أعلم، أيكون مأتى السحر القول الشعري أم الصوت الذي ينشده أم كليهما؟

فقد "شكّلت "مشوار" بداية لسلسلة أغان باللغة المحكية" .. (عن ملحق النهار الثقافي – جريدة النهار البيروتية) وبداية التعاون الإبداعي بين الأخوين وعقل، وهو يعقل منزلتهما ومنزلة صوتها وما فيهما وفيه من تفرّد وقدرة على قول الشعر على وجه آخر، غير كونه مقروء، حبرا على ورق .. والغناء وجه من وجوه إعادة الكتابة والتأويل (لأنّ الأداء الصّوتي إنتاج للمعنى ..) غير المتحقّق في نصّ يكون ترجمانا لما وَجد المؤوِّل في النص المؤوَّل ..

ولئن كان السّحر الفيروزي حاصلا حتى لو غنّت محيّية "مسا الخير .. " فإنّ ذاك السّحر يجرى مجرى آخر في المسامع والأفئدة حين يكون إنشادا لنص كتبه شاعر فذّ مثل سعيد عقل ..

وبالنّظر في هذا النّصّ العجيب تجده يغريك بمداخل ومكامن مختلفة ومتساوية في القيمة الفنّيّة والدّلاليّة .. إلاّ أنّ ما رأيناه جوهرا شعريّا جامعا هو هذه "اللّحظويّة" في تصوّر الوجود يجد معناه في الحبّ، وتكون فيه وبه قصّته .. فلا معنى لمشوار الوجود إلا في كونه مشوار حبّ .. عابر، باق، لحظويّ، أبديّ .. كالصّبا .. كيوم ماطر ..

 

1) المشوار : اللّحظة الباقية في الذّاكرة ..

المشوار في معناه العامّ هو " المسافة يقطعها الإنسان .. الحركة القصيرة المحدودة في المكان والزّمان .. وهو (في النّصّ) اختزال سرديّ /وجوديّ لحركة لها إطاران :إطار للقول تنهض من خلاله "أنثى" تسترجع مستذكرة قصّة هي قصّة حبّ قديمة ماضية عابرة ماثلة حاضرة بالسّرد وفي الذّاكرة .. فيكون الحاضر زمنا للحكي الشّعريّ استعادة ومحاكاة للمشوار المنقضي والمتحوّل صورا محفوظة في ، ترسم بريشة الشاعر/القاصّ .. وإذ تتجلّى اللّحظويّة في الدّلالة المعجميّة لكلمة مشوار، فهي منتشرة لحظات ولمحات ملتبسة بالزّمان والمكان وحركة "الشخصيات" فيهما.

 

ويمكن اختصار هذا في مشيرات أساسيّة في هذا النص هي:

• الضّمائر:وهي ثلاثة : أنا / هو / هم .. وتمثّل المثلث التقليديّ في قصة الحبّ : العاشق والمعشوق والعاذل(الجمع) ..

• المكان:درب مدرستي .. وهو طريق

• الزّمان: الماضي(كنّا صغار .. كانت عم تشتّي ..)

فتنحصر اللّحظويّة عمريّا (كنّا صغار ..) ومكانيّا (درب مدرستي ..) وفعليّا (حاكاني وحاكيتو ..) ليتأكّد اختزال الوجود في رؤية الشّاعر لحظة حبّ خاطفة عابرة حلما أو كحلم .. واقعة أو غير مواقعة .. واقعة في فجوة ما بين الواقع والحلم، وبين الصّدق والكذب .. وبين ما يجوز وما لا يجوز .. وما يقال وما لا يقال .. وما يخجل وما لا يخجل .. بين الفضيحة والحقّ .. ولنقل بين الفضيلة والرّذيلة ..

هكذا يوسّع عقل مدى لحظويّته فيصهر فيها الوجود والمجتمع والآخر والأنا والتّاريخ والمطلق والحب والأخلاق والشباب والتّمرّد .. وما هذا التّعدّد الدّلاليّ والانفتاح النّصّي على عوالم وأبعاد مختلفة متفاعلة إلاّ مظهر من مظاهر عبقريّة هذا الشّاعر وقدرته على قول "الكلّ" في لحظة، وصهر الكون في لفظة .. في مشوار .. .

 

2) مشوار كان .. ولم يكن .. .

هو مشوار خاصّ، لا يحكى أو لا يُعلن ولا يُروى، كما كانت قصص العشّاق وأسماء المعشوقات لا تُعلن بل تُحفظ وتُصان، ومن أعلن وروى وأنشد، شذّ وكشف وفضح وافتضح .. لذلك يتصدّر النّص الاستفهام :

 

مين قال حاكيتو وحاكاني .. .؟

وهو استفهام محوريّ يختصر الصّحبة في "الحكي" لا غير، وينفي أن يكون قد اقتصر على ذلك، في وعي الآخرين .. أولئك الذين لا يصدّقون أنّ اللّقاء كان حديثا وهمسا لا غير .. فلا بدّ أنّ " أشياء" أخرى قد وقعت، وإن لم تقع فإنّ الخيال يوقعها، والرّواية تختلقها، والمجالس والمسارّات تحتاجها، لتكون "الحكاية" مدهشة غريبة فاضحة .. ومجرّد الحكي لا ينشئ حكاية جديرة بالمتابعة ..

 

3) قولهم .. وقولي ...

يتنامى النّصّ في "حجاج شعريّ" تقابليّ تورد فيه المتكلّمة "روايتهم" ثمّ تفنّدها كاشفة الخلل في بنائها:

 

و قالوا شلحلي ورد عا تختي .. .

فيبدو الآخرون ممتلكين لقدرة عجيبة على "تلفيق" القصص الجميلة بتفاصيل رقيقة لطيفة .. يبتدعها خيالهم الجماعيّ المولع بقصص الغرام، تؤلّف وتروى وتستلذّ .. ويُراد بها شرّا، وتقع في نفوسهم موقعا حسنا، وإن لم تكن، ولم يكن من الممكن أن تكون، لأنّ معطيات الواقع والحسّ تمنعها:

 

و شباكنا بيعلا

و شو عرفو أيا تختي أنا؟

و أيا تخت أختي؟

ويوسّع عقل دلالة " تلفيق الأخبار" فيتجاوز الفعل مجرّد الاختلاق والادّعاء قصد "تشويه السّمعة" إلى الخلق والإبداع والإبانة عن حسّ شعريّ سرديّ منتج لأجمل الحكايات .. وأجمل الحكايات تلفيق أخبار:

بيلفقوا أخبار .. .

ويرتدّ الخبر إلى محتواه "الحقيقيّ" أو ما تريد المتكلّمة أن تقنعنا بأنّه ما كان حقّا وقصرا:

و مشوار يا عيوني

مرق مشوار ..

 

4) أقصى الكذب .. .أجمله ..

ويمضي النّصّ في تناميه رواية عن رواية عن رواية .. الشاعر عن المتكلّمة أو بصوتها عن "الآخرين" أو العذّل والوشاة المهرة في تتبّع العشّاق وتسقّط أخبارهم :

 

و قالوا غمرني مرتين و شد

وليس من العسير تبيّن النّسق "الاختلاقيّ" المتصاعد من الكلام ،كما تزعم المتكلّمة ، إلى رمي الورود على سرير الحبيبة، فإلى الضمّ الشّديد!! وفي هذا ما فيه من نزوع إلى الذّهاب بالقصّة إلى أقاصيها والكشف عن دقائقها وتفاصيلها " المثيرة" ..

ولكنّ محاجاجة المتكلّمة للعواذّل في هذا الطّور من النّصّ تأتي على وجه مختلف، فنراها تنكر في البداية مستنكرة مكذّبة مستغربة:

شوف الكذب لوين ..

ثمّ "تفاجئنا" باعتراف صريح طريف، فتقرّ بالفعل وتنكر تواتره :

مرا منيح .. اتنين؟

وتمضي في "شجاعة" حاكية ما وجدته في ذلك من لذّة لأنّها لم تصدّ ولم تمنع أو تمتنع :

و لا ردّتو إيدي و لا هو ارتد

فتكذّب وتصدّق، وتحاجج في صدق ولطف وطرافة وجرأة، وتتجاوز منطق الإنكار إلى منطق الإقرار، ويدسّ عقل في صوت " شخصيته" موقفا من الحبّ لا ينزّله منزلة الجرم أو الذّنب بل منزلة الفعل الجميل اللّذيذ الذي ينبغي أن يؤتى بلا خشية أو رقابة أو حساب .. وهو قبل هذا وبعده، ممّا ليس لأحد أن يكشفه أو يتدخّل فيه لأنّه من صميم الحياة الخاصّة:

شو بيفضحو ا أسرار ..

 

وتعود بعد التّفصيل والرّدّ إلى الاختزال والتّجريد، فلم يكن الأمر سوى "مسافة لقاء" لم يتجدّد، لكنّه يسكن الذّاكرة أبدا:

و مشوار شفتو

و ما رجع

مشوار .. .

فينضح القول حنينا وبكاء، للزّمن المنقضي أبدا حاملا "الصّغر" والحبّ بلا رجعة ولا تجدّد، لتكون السّلوى في الذّكرى واستعادة الصّور ..

 

5) من الواقع إلى الحلم .. من الكذب إلى الصّدق .. .

تحصل النّقلة البنيويّة النّوعيّة في هذا النّصّ في هذا المقطع الأخير، وهي نقلة متعدّدة المستويات، ممّا يمكن اختزاله في ما يأتي:

• نقلة من التّكذيب المطلق إلى التّصديق المطلق، وتتوسّط ذلك منزلة بين التّكذيب والتّصديق :

 

 

أ) بيلفقوا أخبار .. .

ب) شوف الكذب لوين ..

ج) كذبوا مين بيقول كذبوا؟

مين؟

• نقلة من الواقع إلى الحلم .. ومن الواقعيّ إلى العجيب :

وفيها نجد ما "يفسّر" الحركة السّابقة، أي لعبة التّكذيب والتّصديق، وتتحدّد ملامح "الهندسة" الشّعريّة في هذا النّصّ الذي لا يمكن أن يكون تواردا عفويّا بسيطا للصّور، ففيه كلّ مقوّمات البناء والصّنعة و"استراتيجيا" الكتابة ..

ففي منطق "الحقيقة" لم يحصل شيء ممّا يشيعه العذّل، وحصل كلّ شيء ممّا يقولونه ، بل حصل أكثر منه وأبعد وأغرب وأجمل .. ففي ردّ فعل يتفاعل فيه الواقع والحلم وتتداخل قوانينهما، تنكر المتكلّمة وتستلذّ ما تنكر، وتقرّ ما لم يحصل كأنّه قد حصل، فيلتبس الواقع بالحلم، ويتحرّك الخيال الفرديّ والجماعيّ ليبني على معطى بسيط (مشوار رافقتو أنا مشوار ..) قصّة تروى وتنتشر، ويلتقي الطّرفان (المتكلمة وعواذلها) في لعبة الواقع والخيال أو الواقع والحلم .. فها هي "تصالحهم" وتقرّ إقرارا قاطعا أنّهم لم يكذبوا، بعد أن كذّبتهم واستنكرت وشنّعت وجرّمت من قال وتحدّث، فلفّق وكذب واختلق .. .ونلمس في هذا "التّركيب" وجها بارزا من وجوه العبقريّة الشّعريّة لسعيد عقل وهو يتجاوز التّعبير عن العواطف البسيطة أو "المواقف الطّلليّة" السّاذجة، فيكتب الذّات الإنسانيّة في كلّيتها وتركيبها الباطنيّ العميق، في بناء شعريّ أنيق صارم دقيق باهر شامل غامر .. فإذا الكون في لحظة .. في مشوار .. في حلم :

امبارح بنومي بصرت

اني عازندو طرت .. .

فيتيح الحلم بناء علم متعال جميل مفارق للواقع البشع النّافي للحبّ وإن أحبّه قصص سمر وأسرار .. فتنتفي الأرض ويختفي العواذل، فتصبح كونا ياسمينيّا عطرا، يعبق حبّا ونقاء وعشقا وجمالا :

و الأرض مفروشة كلاّ ياسمين ..

ويتمّ ذلك بكلّ الوعي بأنّ الحلم هو الملاذ والمهرب من عالم يمنع الحبّ، فيرتفع الصّوت سائلا متسائلا مستغربا ساخطا :

إن صح الحلم شو صار؟

وينغلق النّصّ بانفتاح وجوديّ، هو أعجب ما في هذا النّصّ، وأعظم أمارات امتلاك عقل لأدوات صناعته، وأكثر ما يدلّ على عمق نظرته للحبّ وللحياة ومنزلة الإنسان في الكون .. فنراه يختصر الوجود في لحظة .. في مشوار محدود، فيتساءل : لماذا لا نجعل مشوار الوجود مشوار حبّ؟؟ أليس في ذلك ما يكسبه بعض المعنى؟؟ ..

 

ومشوار جينا عالدني .. .

ويرتفع صوتها بالكلمة (مشوار ...) في آخر الاغنية ويمتد،ّ ويظلّ صداه متردّدا متباعدا متلاشيا .. كما يتلاشى مشوار الحبّ .. ومشوار الوجود .. .

مشوار

مشوار

مشوار .. .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2977 المصادف: 2014-10-30 13:29:23


Share on Myspace