المثقف - قراءات نقدية

حسين عبد اللطيف ونيرودا في شرنقة القصيدة .. قراءة في كتاب (التساؤلات والإجابات)

haidar abdullradaعندما نقرأ كتاب (التساؤلات) لبابلونيرودا الشعري والذي جاءنا بالمقابل منه أسلوب (الإجابات) للشاعر الراحل حسين عبد اللطيف ليقع المشروع ضمن حدود المسايرة التقاربية ما بين صيغة الدخول وحكاية الخطاب المعالج من لدن الراحل حسين عبد اللطيف رحمه الله .. والقارىء لهذه التساؤلات التصورية من قبل نيرودا، لعله يذهب برؤيته الى أقصى نقطة اللامشروط الاحتوائي الكامن في حوارية ونصية توليد الكشف الشعري وتحديداته الإنطباعية والتأملية .

أما الحال في شكل أجوبة حسين عبد اللطيف فنلمس منها نقطة التفاعل أحيانا والتقاطع أحيانا أخرى إزاء مهيمنات تساؤلات نيرودا الذاتية، وكأنها ناتجة عن بنيات أحتمالية ما ولكنها في تعاملاتها الأساس مع أسئلة الأول تبدو شكلا متجاوز وغير مطابق لماهية حسابات صنيع السؤال التكويني لدى نيرودا .. من هنا سوف ندخل مجال دراسة هذه المحاورة بين فضاء نيرودا وبين فضاء حسين عبد اللطيف، وقد حاول فيها الشاعر حسين عبد اللطيف معالجة نصية نيرودا المتساءلة في أفق من جمالية التجاوب واللاتجاوب أحينا ..

و يمكن لنا قبل الشروع في مفاصل دراسة المقال أن نتساءل :

هل يمكن لنا التوفيق بين أدوات أسئلة نيرودا وبين نصية و خطاب التدليل لدى حسين عبد اللطيف؟ عندما طالعنا بعض من أجزاء تلك التقابلية الجارية بين سؤال نيرودا و إجابة حسين عبد اللطيف، لاحظنا بوضوح مدى التفارقية و الانسجام في مديات الأثر الجمالي والاسلوبي والرؤيوي ما بين الخطين، إذ أننا عاينا بأن نيرودا يتهكم أمرا ما، والثاني راح يشرع بفراسة قرائن نصية تبدو غير متواصلة قطعا مع المقصدية المشتركة ما بين الوضعين . هنا لعلنا نصل في الحقيقة الى مفهوم من الاختلافية والبعدية ما بين النصين، شريطة أن لا يتعارض الأمر حتى يبدو مرفوضا بقرائن التدليل والاستدلال قرائيا .

 

من بنية الانفصال الى دال المعنى

أن القارىء لمجموعة (التساؤلات) حتما سوف يعاين رسم حدود إطار نصية المساءلة والتساؤل في حركتهما الاستفهامية الوجودية، حيث النهايات موضوعة أحتياجية مؤثرة لخواص صنيع مجموعة متتاليات مترابطة إزاء مواصلة ثيمية وتبعية ما . ففي قصيدة (ربما علقت بسنارتها سمكة) شاهدنا هذه المقاطع من النص .

لماذا لا تحلق الطائرات     (نيرودا: التساؤلات)

العملاقة مع أطفالها؟

أي طائر أصفر

يملأ عشه بالليمون؟

لماذا لا يدربون المروحيات

على جني العسل من أشعة الشمس

أين ترك البدر

كيس طحينه الليلة؟

أذا مت، ولم أعلم بموتي،

فمن أسأل عن الوقت؟

 

يثير نص نيرودا منطلقات مؤولة في ظرفيات نسبية في التجانس الشعري والتأويلي، إلا أن محددات ومؤشرات الصورة الدالة في وحدات المقاطع لبثت تؤشر نحو معلقنات طرائق رسم الأحكام الفاصحة في زمن متداولات خاصة من خلاصة الإجرائية الخطابية الرابطة وحدود تطلعات المؤشر الخطاطي الكامن في دليل رؤية النص . وتبعا لهذا الأمر وجدنا صور شعرية الهايكو للشاعر حسين عبد اللطيف قد جاءت مقابل كيفيا لمعادلات وتأويلات تلك المقاطع الشعرية من قصيدة نيرودا، وبذات التوجه لتلتحم من خلالها آليات الوصول الى حكمية الأعتماد الدلالي العام :

لامجال ..         (حسين عبد اللطيف :الإجابات)

السماء محتشدة

تعج بالملائكة والطيور

هنا، على ذيول الطواويس

تنتشر دكاكين

لبيع الفوانيس الملونة .

من أين للسان الحديد تذوق

للعسل !

في أحلام الجياع

أو في ملجأ الأيتام

يجدر بنا معاينة المقدرة والانجاز من جهة حسين عبد اللطيف ومنذ بداية علاقة مقدمة قصيدته الإجابية لمقاطع نص نيرودا، خصوصا وأن شعرية نيرودا كان من الصعب الاحاطة بمؤولاتها ودلالاتها أحيانا، ولكننا بمرورنا على مجازية شعرية مقاطع عبد اللطيف المدرجة بجانب قصيدة نيرودا، أتضح لنا شكل ودليل الذهن الشعري المقايس لدى عبد اللطيف . وإذا فكرنا من جهة مقاربة أبجدية المساءلة و الإجابة الواقعة بين النصين، لعلنا سوف نلاحظ مجالية الأدلة والدلالة الكامنة بين الخطين : (نيرودا : لماذا لا تحلق الطائرات العملاقة مع أطفالها .. أي طائر أصفر يملأ عشه بالليمون / حسين عبد اللطيف : لا مجال .. السماء محتشدة تعج بالملائكة والطيور .. هنا على ذيول الطواويس تنتشر دكاكين لبيع الفوانيس الملونة) بين أفق المساءلة والإجابة هنا تكمن ثمة تحقيقات ممكنة من سيرورة علاقة الموضوعة و المشار إليه وحاضنة التدليل خاصة في مواطن علاقة (المجرد / العيان) أن أول شيء يقوم به حسين عبد اللطيف هو الرد حول مساءلات نيرودا الأولى من قصيدته (لماذا لا تحلق الطائرات) فيما وجدنا بالمقابل حدود علاقة نص عبد اللطيف وهو يواصل صوته الدلالي بقوله (لامجال) ثم الى إقراره التشخيصي بأن (السماء محتشدة) ثم الى (تعج بالملائكة والطيور) فيقدم بهذه الدوال لقصيدة نيرودا ثمة فكرة تتصل بملابسات ومؤولات الأولانية من واقعة صورة ودليل (النتيجة المحينة) والمشتركة ما بين (الذات / الدليل / المؤول / الحال) ولو نظرنا الى باقي مقاطع قصيدة نيرودا لوجدنا في الحال ثمة حركية متوالية وداخلية ما بين أسطر محفوظية المعنى المشترك وبين شعرية التلاقي الأفقي في النصين : (نيرودا : إذا مت ولم أعلم بموتي فمن أسأل عن الوقت / حسين عبد اللطيف : أسأل ديدان الأرض) فالتصور الشعري في حدود هذه الذاكرة التقابلية أصبح مفروغا منه لجهة العلاقة ما بين المستوى التصوري وبين خطاطة المدلول وشكلية تمفصلات ملفوظية أفق محددات الأختلافية في مظاهر الأدراك التصوري وأنتاجه، وصولا الى بنية مشتركة ومتعاونة وجاذبة من كلا الطرفين أي السؤال والجواب .

قل لي هل الوردة عارية،     (نيرودا : التساؤلات)

أم فستانها الوحيد ؟

لماذا تخفي الأشجار .

روعة الجذور ؟

من يصغي لندم

السيارة الجارية

* * * *

فستان من الشيفون الشفيف (حسين عبد اللطيف : الإجابات)

ولكن بألوان قوس قزح

في بلد آمالي

لا توجد

أطلاقا

شجر

من أجل أصدقائي قاطبة

أربي زهيرات الأسف .

 

التماثلات بين الانطباع والانتقائية

من الأهمية بوجه ما أن ندرك بأن جميع تساؤلات نيرودا ما هي ألا حركية أفعال إيحائية ما يغلفها موقف الذات المستحالة في موجة مقترحات التساؤلية في بنية القصيدة رمزا وقناعا . فعلى سبيل المثال تواجهنا دلالة جملة (قل لي هل الوردة عارية ؟) فهذه الخصيصة بدورها أخذت تدعم محمولات المؤشر الرمزي لضرورة قراءة مفترضة ما لواقعة معينة، حيث تنتهي حجتها الرمزية بما راح يقدمه حسين عبد اللطيف من إجابات : (فستان من الشيفون الشفيف) بالإضافة الى هذا أخذ الشاعر عبد اللطيف يعول على توالد رؤية الأشياء بأمكانية التغلب على تلفيقية و شكوكية نيرودا التوهيمية (و لكن بألوان قوس قزح) أن الدافع من وراء توكيدية عبد الللطيف هنا على مصدرية الوردة العارية كان مبعثها التحديد الكلي لموقف أمكانية مركب ومعطيات مساءلة الشك بالأفتراض والإتساع في هامشية إحتمال مضمرية الترميز، كما أن الواقع الحال في أحداث وصورة الجملة الاستفهامية لنيرودا لم تكن ألا بدواعي التفاوض مع (الرمز / الشك / السؤال) . لعل حسين عبد اللطيف لم يكن يكترث ألا في حدود حركية موقف الإجابة من لديه بصورة أخذت تتعدى أختلافية الإطار التبريري لزمن المنتج الإجابي لديه . وتبعا لهذا صرنا نشاهد تساؤلات نيرودا وإجابات حسين عبد اللطيف محض تفسيرات استعدادية في دائرة إفرادية مقصودة لأبعاد متعددة وإحادية في آن واحد : (السؤال = إجابة = إضافة = شكلين = علاقة = ارتباط = مقصدية جدلية = إحتمال = خارج أو داخل = حالات كيفية) بهذه الترسيمة تتضح لنا علاقة التساؤلات مع فضاء الإجابات وهي في تقدم دائري بطيء، وقد يتبين لنا أحيانا بأن ليس هناك أدنى خلاصة أو نتيجة ما بين السؤال والجواب، فقط ورود مقصدية النفس والقلب والروح، المندرجة في قاموس الأصلاح اللفظي .

هل من شيء أشد حزنا       (نيرودا : التساؤلات)

من قطار يقف تحت المطر .

* * *

 

كل ما أسمع الوقوق يغني (حسين عبد اللطيف : الإجابات)

تطفح روحي

بالدموع

 

أن عملية دائرة الدليل في جملة الأفعال المقصدية الكامنة في مقاطع النصين تلوحان الى أظهارية نصية تتصل وحدود المدار والمعلم والأفق والمختزل، بيد أننا صرنا نستنتج من وراءها حجم التمثيل الدلالي وهو ينحو في جسد ممارسة سننية موفقة، فعللا سبيل المثال نشاهد ما قاله نيرودا في مدار مقاطع قصيدته (هل من شيء أشد حزنا) بل قد لا يكون حضور كل الاحزان بصورة متساوية إلا بوجوب اداة وظيفتها التجسيدية حينا، إلا أنه يباشر قوله لاحقا (من قطار يقف تحت المطر) أن آلية المعطى المقصدي هنا، يبدو من جهة ما عبارة عن سيناريو بلا حكاية، خصوصا وأن المدار المؤول فيها هو الحزن والمدار الثاني في المقطع كان مبثوث بمحمل (قطار + مطر) وتبعا لهذا فأن الانتقائية الجارية في المقاطع عائدة الى هيئة دليل القطار و ليس الى دينامية محورية رمز الحزن . ولكن لربما الأمر أضحى معكوسا بموجز (المنتج المتبدي) وليس بموجز ذاكرة المدار العلائقية الموزعة في عضوية دوال النص و مسمياته، حيث بهذا الأمر وجدنا حسين عبد اللطيف يقدم (الوقوق يغني) على جملة (تطفح روحي) أي بمعنى ما الأمر سوف يبدو واضحا داخل هذه الترسيمة (تطفح = روحي = قطار = يقف = حزنا = الدليل = المشكل للسؤال = محفوظ أيقوني = تجسيد جانبي عابر) وتوؤل صورة هذه المقاطع من زمن التساؤلات والاجابات نحو مرحلة المزامنة المحتملة إزاء نتيجة أنحلال الأدلة العلائقية ما بين النصين .

 

تعليق القراءة

لقد حاول الشاعر الحبيب حسين عبد اللطيف في كتاب التساؤلات والإجابات والتي قامت بترجمتها وإعدادها الأستاذة (سحر أحمد) شاكرين لها جهودها الطيبة والكبيرة . صرف النظر عن الكثير من العلاقات الدلالية الواقعة ما بين النصين، بدليل أن هناك فسحات هائلة من مشروطية اللااستعداد الواضح في تحديد إطلاقية المقصود الشفروي من قبل نص نيرودا، كما وهناك تصورات مخالفة في التداخل والتعالق ما بين الفكرة والاتجاه والمحور ..

غير أننا في الواقع وجدنا بعض من مواطن أجزاء الإجابات التابعة لحسين عبد اللطيف وهي في الحقيقة تفوق وتتفوق على متتاليات وجماليات خطاب قصيدة نيرودا نفسه . وبهذا الصدد لا ننكر ما قاله الشاعر حسين عبد اللطيف في طي فقرات مقدمته لكتاب التساؤلات والإجابات مثل هذا الكلام الكبير : (وصلني إقتراح من السيدة المترجمة يرشحني شاعرا ــ هكذا أرتأت هي ــ للإجابة على تساؤلات نيرودا الواردة في كتابه هذا والذي ترجمته هي على أن تكون الإجابات أختيارا من متوالية الهايكو أي بما يتناسب منها ــ أتفاقا أو عرضا ــ ليشكل إجابة أو ردا على تساؤلات نيرودا بوصفنا شاعرين الأول يسأل والثاني يجيب .. وإزاء ذلك لم أكن أملك ردا مقنعا تماما ولكن أيضا لم أملك جوابا شبيها بالأعتذار وصرف النظر .. بل بقيت معلقا أفكر حتى أجد تعديلا وأن كان طفيفا لأجريه على الأقتراح .. والبعض من هذه التساؤلات انكارية ليست بحاجة أساسا أو بالمرة الى إجابات وذلك لأنها تحمل إجاباتها في نفسها وبعضها الآخر مبهم ومستغلق لا يعرف القصد منه أو إشكالي ملتبس بل عبثي وتساؤلات ثانية غائمة وغامضة ومراوغة ..) من الأهمية أن ندرك هنا وفي وجه ملموس من الحقيقة والكشف، من أن مشروعية نيرودا الواردة في قلب صفحات ذلك الكتاب، ما هي إلا دينامية متعددة الأوجه والمزاجية حيث نراها قابعة في سراديب حالات الشاعر نيرودا الخاصة و التي أخذت بدورها أهتماما خاصا بصلات إيماءات

النفس والذاتية المزاجية في مكونات الخطاب الشعري، الذي رأيناه من هنا وهناك يتجلى في ريعان إقدامه نحو ذاتية وصوت المبدع مع قوله وفضاءه .

الرواح والمجىء

كبندول الساعة

ما أن قال : الجبال

خيام الله التي نصبها على الأرض

حتى أدخل فئة الشعراء .

أنحو باللائمة على نفسي

لأن الشحاذ خرج من بيتي

خالي الوفاض .

تحت النجوم

الزارعون يذرون

و الليالي تحصدهم .

أنهم من مدرسة النبي سليمان .

بالسير الى الخلف

أو بالنكوص على الأعقاب . (حسين عبد اللطيف الإجابات)

يتصل مستوى الإجابة هنا ضمن سطوح وآفاق معلول متشاكل الألوان والأدلة والحجج الفعلية المقصودة .أن شاعرنا المبدع الراحل (حسين عبد اللطيف) ضوءا وحيدا في ليلة الظلام الشعري الذي واجهنا بعد رحيله المرير عن مدينتنا المنسية . فلهذا الشاعر دليلا مفردا موجودا ومؤشرا على وجوده الشعري المتين والعملاق، وذلك لأن خياله في كتابة القصيدة يتعدى حضورية المتن الانساقي اللفظي، حيث وجدنا ه يختلف عن بقية أقرانه الشعراء في البصرة .. فوداعا لك مبدعنا الكبير حسين عبد اللطيف .. فأسمك ظل يزهو رغم غياب شخصك المر في سماء من علو أمجادك الشعرية الباهرة في نظر عقول كل أرباب الكتابة الشعرية والنقدية والأدبية في العراق والوطن العربي .

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2987 المصادف: 2014-11-09 04:34:28


Share on Myspace