المثقف - قراءات نقدية

صباح الأنباري: من صراع الطبقات إلى صراع الأضداد

saleh alrazukبعد مسرح الخيال العلمي والمسرحيات الصامتة دخل صباح الأنباري لمضمار المونودراما.

وإذا كانت لدي تحفظات جادة على اسم النوع، هذا لا يمنع أنه أصبح اسما معروفا له هويته ورواده مثل القصة الجديدة التي كتبها يوسف الصائغ أو الرواية الجديدة بالصيغة التي قدمتها لنا مارغريت دوراس.

فهذه الأشكال الأدبية هي مجرد تنويعات وإعادة ترتيب لعلاقة الزمان بالمكان بالشخصيات أو أشكال النوع.

ولكن بعيدا عن هذه المماحكات السخيفة تنقسم مونودرامات الأنباري لثلاثة أنواع:

التاريخية والتي أؤكد أنها لا تتعامل مع الماضي ولا الحاضر كمجموعة من الأحداث المتعاقبة التي تحمل شيئا من العظات والدروس (لو استعرنا من ابن خلدون عنوان مقدمته المشهورة) ولكن التي تعيد النظر بالمواقف والحالات النفسية وبصيغة الماضي. وكلنا يعلم مبررات ذلك في مجتمع عشوائي يعاني من غياب الوظيفة التربوية للفن واستبدالها بالبروباغاندا والرقابة.

وأعتقد أن استعمال التاريخ في هذه الحالة يخدم هدفين: الاختصار لأننا نشترك بهذه المعارف. فالمونودراما تحتاج مثل القصة القصيرة للتكثيف والإيجاز. ولإسقاط الأفكار بطريقة رموزية تضعنا خارج طائلة المحاسبة. ويمكن أن تجد دليلا على فوبيا السلطة في كتابات الأنباري عن محي الدين زنكنة، رفيقه في القلق والمعاناة وأستاذه في أصول التأليف والإخراج.

النوع الثاني هو المونودراما الاجتماعية. وتبدو لي وكأنها تشبه قصة من قصص الحداثة التي ظهرت للوجود لدينا ابتداء من عام 1960. أو ما أسميه بالعادة حزام الستينات (وهو مصطلح مراحل مشتق أصلا من تسميات تخص المكان). فبطل المسرحية يخبرنا عما يدور في رأسه (كما هو الحال في المونولوجات أو تيار الشعور) ويتبرع أيضا بإنارة ما لا نعرفه من تفاصيل وأحداث مجالها يتعدى خشبة المسرح.

ويمكن أن تجد حالات مماثلة عند كتاب لهم سوابق في القصة الطليعية أمثال كافكا (في مسرحيته اليتيمة: في مستعمرة العقوبات) ووليد إخلاصي في مجموعته ( سبعة أصوات خشنة) والتي لا يسميها مونودراما ولكن مجموعة مسرحيات من مشهد واحد.

وبهذا الخصوص يطيب لي أن أنوه أيضا بإضافات خالد الصاوي التي تقترب شيئا فشيئا من حدود النوع. فهو في كل كتاباته يخترع صيغة للمهادنة. وبتعبير آخر إنه يدخل في دائرة المتحولات الفنية (manipulated)، بحيث أن العلاقة بين البداية والنهاية هي الفجوة. وفي هذا الفراغ الغامض تتحول الكلمة إلى إشارة. وكأننا نعود بالفن القهقرى. من لغة التجريدات إلى لغة الصور. من المرموز إلى المادة التي تقف خلفه وتقدم له المعنى والحكمة والضرورة. وفي تاريخ المسرح الحديث تجربة فريدة من نوعها في هذا الخصوص هي (أدوار نسائية ) لداريو فو. والتي يتواطأ فيها على تجسيم النص على الخشبة الكاتب والممثل. ضمن إطار من كوميديا الموقف (كما ورد في المقدمة – ص 8)(1). فهي كوميديا تدخل تحت سياسة: شر الأمور ما يضحك. إنها مواقف تراجيدية تؤلم المشاهد وتدعوه للسخرية من ردود أفعال غروتسكية ( ص 8) يؤديها الممثل المضطرب بسبب العزلة والانكشاف. وربما ليس بالصدفة أن يعزف فو على نغمتين:

- السخرية من مشاهد حياة رتيبة ومتكررة لا يمكن ملاحظتها بالنشاط البصري ولكن بالتكهن والشك ( لأنها مجرد حياة متخيلة وتدور في الذهن والفراغ النفسي).

- والحوار بين ذكورة وأنوثة. ففكرة النص لـ "فو" أما الأداء فهو لزوجته رامية. وغالبا تستطيع أن تفترض أن الديالوج الضمني يضيف للنص حبكة غير مادية. ويمكنني هنا أن أتخيل رامية تمثل وفو يكتب. بنفس الطريقة التي أعاد بها فرويد تفسير مسرحية أوديب. لقد حولها من حبكة لأسطورة.

***

وهناك سوابق أخرى في التحويل. مثلا تحويل مسرحيات شكسبير إلى أفلام.

أو تحويل قصص غوغول لمونودراما. من ينسى تجربة الراحل فواز الساجر في الثمانينات في مسرحيته (يوميات مجنون) والتي أداها على المسرح الفنان أسعد فضة. وهنا أجد أن التواطؤ بين الكلام والحركة هو العرض المسرحي.

فقد اعتمد المخرج على استبدال النص بالأفكار المجردة. بينما أضاف الممثل لها الكلام والإشارة.

ويجب أن لا يغيب عن الذهن في هذه المناسبة اقتران كتابة هذا الشكل من المونودراما مع القصة التي لا تلتزم بالحبكة المعروفة وتقفز مباشرة بعد التمهيد الموجز إلى نقطة التنوير (أو الخاتمة المفتوحة على الاحتمالات من الداخل).

وأجد أن هذه هي فحوى النص المسرحي القصير عند صباح الأنباري. فهو يتألف من شريط مضغوط وأحداث قليلة مع تفاصيل عن النشاط النفسي والحياة الذهنية لبطل المسرحية.

ومن نافلة القول أن تخصيص المسرحية بفصل واحد وشخصية منفردة يأتي في إطار سياسة التهيئة التي وصلت للمنطقة في مطلع الستينات. وذلك ضمن استراتيجية التحول بالأفكار، من أسلوب الارتباط لأسلوب الاكتفاء. أو من الانتماء واليقظة إلى اللاإنتماء والانطواء على الذات والهموم الشخصية. ويكفي أن تقارن حجم القصة قبل الستينات بحجمها بعده. فقد كانت تتراوح بحدود ٥٠٠٠-٦٠٠٠ كلمة وأصبحت بين ١٠٠٠-٢٠٠٠ كلمة. وربما ترافق ذلك مع الاستعاضة عن التوسع الأفقي بالتوسع العمودي.

وبعبارة أوضح من استراتيجية تعدد الخيارات والانفتاح على طبيعة الذات الوطنية إلى استراتيجية الاكتفاء بالذات.

أما النوع الثالث والأخير فهو ما يسميه بالمونودراما التعاقبية. وتتألف المسرحية هنا من عدة أجزاء، كل جزء مشهد له علاقة بما قبله. بمعنى أن الشخصية تختلف. ولكن الأحداث تبقى كما هي.

عموما يعتقد الفنان فاروق صبري أن هناك ثلاثة خطوط متمايزة في التعاقب كما يلي:

1- ممثلان إثنان وحكاية واحدة.

2- ممثل واحد وحكايات مختلفة.

3- ممثلان كل منهما يتخصص بحكاية(2).

وفي كل ما سبق لا يوجد أكثر من مشهدين. أو حبكة يتخللها منعطف من النوع الذي تسميه البويطيقا (الحركة المرتدةreversal).

ولأنه حسب معرفتي لم يسبق لأحد أن كتب في هذا النوع ( بالأحرى تحت النوع) قبل الأنباري لا يمكنني توضيح فكرتي إلا بالمقارنة مع رواية (السفينة) لجبرا أو حتى مع رواية (الصخب والعنف) لفوكنر.

فهذا الأسلوب لا يبتعد كثيرا عن رواية الأصوات. باعتبار أن كل شخصية تدلي بدلوها لاستكمال صورة ما جرى فعلا.

لذلك إن الاختلاف يكون في المكان وليس في الشخصيات والأحداث. فالمونودراما تفترض دائما تحديد مساحة حركة الشخصيات لكنها لا تفرض قيدا على الفترة أو الحقبة.

وأنت دائما تجد الشخصيات في رواية الأصوات تضيء الحدث من خارجه إلى أن تكتمل الصورة.

وهو ما يفعله صباح الأنباري بالضبط. ولنضرب على ذلك مثالا بمونودراما (القاص والقناص) (3) والتي تتألف من لوحتين. في الأولى يتكلم القاص عن وجهة نظره عما يجري حوله، لا سيما الاضطرابات الدامية في مدينة لا يسميها، ويمكن أن تكون أية ميتروبول عالم ثالثي..

وفي الثانية يتكلم القناص، العكس النوعي للشخصية السابقة.

ومن نافلة القول أن نقول إن عنصر الدراما هنا مزدوج، أو أنه مركب. ويتحرك على محورين: عمودي يغطي الحالة النفسية لكل شخص على حدة، وأفقي يكشف عن التناقض في المصالح بين الشخصيات.

بتعبير آخر لكل شخصية صوت يلقي ضوءا على ما يجري من تطورات.

إنما لا يزال هناك فرق جوهري مع رواية الأصوات.

فالروايات، المذكورة سابقا، لا تستنزف الشخصية الواحدة. بمعنى أنها لا تجبرها على الإفضاء بكل ما لديها وتترك شيئا للتكهنات ولخيال القارئ.

ويجري تداول للأحداث وللشخصيات مع فراغات غامضة لا نعرف عنها شيئا. بينما لا تترك لنا مسرحيات الأنباري شيئا نفكر به. لأن الشخصيات تتعاون على إنارة الأحداث دون توسيع دائرتها.

وربما ليس الأنباري وحده في هذا المجال. فنجيب محفوظ في (المرايا) و(ميرامار) فعل ذلك. ولم يترك لقرائه أي لغز لينشغلوا به.

كانت شخصياته تكاملية وكل شخصية تتابع مع بنيتها النفسية أو نشاط الموضوع دون أي اهتمام بالذات، مع أنه هو المسؤول عن مجال العواطف والمشاعر وليس الحقائق فقط.

وهذا يتركنا أمام شخصيات مكشوفة ونمطية أو أمام حامل لمحمول.

بعبارة أخرى أمام شخصيات موظفة لتوضيح نفس الفكرة وليس لمضاعفتها.

ولا أعلم هل تحسب هذه الخصلة كصفة أو ميزة للأنباري ومحفوظ، وهل سيحاول الأنباري في المستقبل القريب الالتفاف حول هذه الظاهرة كما فعل نجيب محفوظ في أهم رواياته المتأخرة وهي نوفيلا ( العائش في الحقيقة) والتي تحول فيها أسلوب الأصوات لنوع من الإيقاع، بحيث كل صوت يعبر عن مشاهداته ويعرب عن انطباعاته في نفس الوقت، بمعنى أنه يرى ويشعر. وينشط على جهتين: المجال العام والفضاء النفسي الخاص.

إنه تحول من الأسلوب التعبيري للانطباعي. من المحاكاة لإعادة البناء. فكلنا يعلم أن الانطباعات لا تغني الأحداث ولكن تغني وجهات النظر. وهكذا يتحول النص من تراكم وقائع إلى توسيع شخصيات.

ولو تابعنا مع هذه الفكرة أرى أن التعاقبيات عند الأنباري ليست تعاقبيات بالضبط بل هي مسرحية تتألف من فصول، وكل فصل يفسر الذي سبقه. وبمزيد من التحديد يعاكسه، وكأنه يقدم لنا الأطروحة ثم نقيض الأطروحة وضمن برنامج يكشف عن جدلية الواقع أو جدل الأنماط.

ويكفي أن تنظر لبطل كل لوحة لتفهم ماذا أقصد: فالقاص يقابله عكسه النوعي وهو القناص. والقتيل في مسرحيته ( القتيل والقاتلة)** يقابله عكسه وهو القاتل. وحتى في (أسئلة الجلاد والضحية)*** نشاهد عدة صفوف من التقابلات، العاقل أمام غير العاقل، والسجين بحضرة السجان، وأخيرا الإنسان الضعيف المستسلم لأقداره بمواجهة الرعب الناجم عن آلة التعذيب، وبنفس الجو القوطي الأسود المشحون بالخوف والسادية الذي تجده في مسرحية كافكا (في مستعمرة العقوبات).

إن الفرق بين ما يكتبه وما يفترضه هو مثل الفرق بين رواية الأحداث ورواية الشخصيات. أو مثل الفرق بين القصص الواقعية وقصص التحليل النفسي.

غير أن مبدأ التعاقب ليس جامدا. وقد يتفرع عنه مونودراما تناوبية. بحيث يتألف العرض من عدة مشاهد يتناوب عليها ممثل وحكايته أو وجهة نظره.

ولايوجد في ذهني مثال جاهز من المسرح. ولكن أذكر رواية (الجنرال) لـ "ألان سيليتو". وهي إحدى رواياته المتأخرة التي كتبها بعد فترة تجفيف الينابيع أو نضوب المصادر. حينما تراجعت المشاكل الاجتماعية للطبقة العاملة إلى خلفية الشمهد وحلت محلها إشكاليات التحول والاستقرار. ومنها العجز والشيخوخة. ورهاب الموت. وعقد التثبيت والنكوص. مع مسائل وجودية هامة كالسعادة والدفء النفسي ودور الأسطورة في ترميم الواقع.

في هذه الرواية نجد حركتين على التناوب. تضيء إحداهما لتنطفئ الأخرى. الأولى تتابع الحياة النفسية لجنرال يقود كتيبة على الجبهة. والثانية تختص بمتاعب وهموم عازف بيانو في فرقة متنقلة.

إن مثل هذه البنية التي تنظر للفضاء الإنساني من زاوية صراع الغرائز الأساسية أو ديالكتيك الحب والموت، تبدو إعادة كتابة وتفسير للطقوس التموزية. وإلى حد ما إعادة قراءة لدورة الفصول في الطبيعة بعد اختزالها لفكرة الدراما: المبكي والمضحك أو الملهاة والمأساة.

وعلى ما أعتقد يعتمد الأنباري على إمكانيات الممثل. ويركز على الصوت والأداء. بمعنى أنه يبتعد ما أمكن عن الإكسسوارات والماكياجات كالأقنعة والأصبغة ويضع كامل ثقته في العنصر البشري أو الحامل لفكرة الدراما.

و إنه (كما قال بوريس سوتشكوف) بهذا الأسلوب هو ينظر للإنسان من فوق مشاكل عصره. ويفسر الأشخاص من ضمن الطابع التاريخي لفكرة المأساة دون الاهتمام بالدواعي ( ص 83). بمعنى أنه يفكك الحادثة ويحولها إلى ظاهرة.

وكما قال سوتشكوف أيضا في معرض حديثه عن تريسترام شاندي: إنه يؤكد على تصوره للعالم الذاتي لتصوير الفضاء الداخلي لشخصياته (ص 85). ففكرة المسرح عند الأنباري غالبا هي ترميز وإسقاط. أو أنها سوء تفاهم مع الظواهر الموضوعية. فهي تنظر للحياة من حيث هي فكرة مجردة أو إمكانيات.

وبصيغة أوضح يمكن القول: إن التناوب عنده يفيد تعميق المقارنة والتقابل بين لأساسيات حياتنا المعقدة والمتشابكة. مثلا إذا كان الحب غريزة تساعدنا على التطوير والبناء. يمكن أن يتحول في حالة التأجيل القسري لنوع من التخريب والموت البطيء والتدريجي. وهذا يكفل للمونودراما تداول المفهوم الواحد يأشكاله المتعاكسة. وهكذا لا يكون الإلغاء بالضد النوعي ولكن بالسياق والتفسير ووجهات النظر. وهو ما يسميه نجم والي باسم ديمقراطية النوع. ويقدم الأمثلة من عالم نجيب محفوظ الذي لا يروج لفكرته وإنما يكتفي بعرضها (سواء في القصة أو المسرح). وذلك من خلال أسلوبين لا يحيد عنهما: تعدد الأصوات. والخلود للصمت.

ومن خلال الكلام هو يعبر عن الضمير الحي لشعور الأمة. ولك بالصمت يحتج على القمع وفرض الرأي(6).

على أية حال إن الأسماء والتصنيفات لا علاقة لها بمعايير الجودة، وهذه المونودرامات الجديدة التي يقدمها الأنباري تغني تجربته المتميزة في الدراما والتي لا أشك لحظة أن أفضل شيء فيها هو جرأتها على خطوط العزل. فهو يقدم لنا فرضيات متعاكسة ومتحولة تبدل نظرتنا الجدانوفية السابقة عن صراع الطبقات إلى نظرة جدلية أوسع وهي صراع الأضداد.

 

..................

1- أدوار نسائية. داريو فو وفرانكا رامية. الترجمة عن الإنكليزية لرانية قاسم. دمشق. 2002.

2- مشروع المونودراما التعاقبية. فاروق صبري. موقع الفرجة الإلكتروني.

3- منشورة في جريدة العالم. أعداد 1068 و1069 . عام 2014.

4- قيد النشر. المصدر مراسلات شخصية.

5- منشورة في جريدة العالم أعداد 1074 و1075 و1076. أعداد عام 2014.

6- عن نجيب محفوظ مرة أخرى. جريدة المستقبل. الأحد 21 أيلول 2014 - العدد 5157 - صفحة 12.

كانون الثاني 2015

 

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3053 المصادف: 2015-01-14 09:16:31


Share on Myspace