المثقف - قراءات نقدية

عزف منفرد .. قراءة لمجموعة (للمرايا نبش آخر) للقاصة وجدان الخشاب

wejdan alkashabكل الاشياء قيلت وليس هناك ما يقال أمام ركامات هائلة من الجمل الوصفية المتراصة التي تحوم حول مضمون ، تمضي في زحمة طيف متتابع ومتناغم يتناسب مع حجم وجود الالم، غصات، أنّـات، عتاب، ندم، وألم، وفي هذا الزمان المطلق اللامتناهي لنصوص مفتوحة بسحرها الخاص المعتمد على اعتمال العبارة المرصوفة بالشحنات غير المفرغة، لذا جاء هذا التراكم الكمي الهائل من فتات وشظايا المرايا بحيث يتعذر على أحد-إن وجد افتراضاً-

أن يرى صورة واضحة المعالم لذات فيها الخشاب تبحث عن ذاتها بشكل جلي وواضح خارج النصوص الكامنة داخل محارات تقادم الزمن على تجارب احساسها ، عزف منفرد في الألم بدءاً من من طفولة مغمسة في هواجس حزن مزمن مضن مغلف بالعنفوان والكبرياء...

في النبش الآخر للمرايا نحن أمام نصوص شعرية تضج باتجاه تصاعد ثيمة الحدث فيها بمضامين فيها تهويمات تستلب الاتجاهات، تحورها وتحيدها حتى تتجه نحو مسارات العصب الحي النافر الذي تؤرقه قصدية الانتقاء، هذا المغلف بالمتراكم من الصراعات الحادة المحتدمة حد النخاع " الشوارع عطشى/ الاجساد عطاش " و"العشب يعرى ويعطش ويتضامن معي مختنقا " كأني به يقول لنا " من انا عندما يبدأ الجوع الحار فجأة بالغليان؟ جائع ... جائع ... جائع " . وفي مجموعتها القصصية تحيلنا وجدان الى عوالم مسكونة بالواقع حينا والغربة أحايين كثيرة لأنّـها مستلة عن فعل وليس بردود الافعال، وتكشف فيها أقنعة النص بلذته محولة ايقاع لغة المضمون الى مضمون مضاف مركز لما تحتمله من تأويلات ودلالات ايحائية جاءت لتؤطر شخوص المجموعة بتوليفة جمعها لا يعني تضادها، بل هي جملة مضامين استرجاعية لا مجال للحدس في إحداها.

وجدان الخشاب ارغمت على ارتكاب التعرف على الاشياء المعروفة حد تقمص الاشياء والنفاذ فيها، ولم تكن حيادية بين المعرفة والقصد، ولكنها فككت فيها ما هو اشكالي وفق منظور زاوي متقاطع مع المحور الأساس الذي يعمل باتجاهين عمودي وأُفقي للأنا والاخر فيها " آن لك ان تغافل الاكفان وان تقتل الصمت الغائم في موجة بكاء " .

وعلى مستوى السرد يشتركان معا بكون الذات هي الراوي الذي يكون طارئا يحاول أن يفسد ما يجري من خلال اعادة ترتيب الشخوص والاحداث حتى تصدق حضورها من خلال (المؤلف الضمني) الذي ينتمي اليه النص، فهو المؤلف الواقعي للعمل الادبي. ومجموعة وجدان حوت أغلب مدارس الشعر من الرمزية / الواقعية / السريالية / التعبيرية .. وهي مزيج من نضج براكين الغضب والاحتباس، الطيبة والغيرة، اللعنة واستمراء الثأر، وهذا الطيف الواسع الأُفق يكاد يخلو من أبطال وشخوص .. فالبطل غائب مهزوم يُـحاكم ، ويُتهم ، وتفقأ عينيه، مطارد معتذر عن حضور لغياب في القيم والأخلاق أحيانا.. ومهزوم منفي في أحايين كثيرة، كما تعقل فيها الاحالات التبادلية والرمز الإيحائي: العصب/ الانسان/ الرجل / الاغفاء/ نوع من الهروب الواعي/ اللاواعي، بوصفه بدائل عن يقظة الحلم، مليء بالكوابيس والهلع الذي يكبر ليستحيل حقيقة.

في قصة (الكاهنة تؤثر) ستراتيجيات مختزلة ومقتصدة، وهذا ما خدم المضمون، هي تريد اجتراح لغة أُخرى غير الكلام المألوف للاتصال بموضوعه، وثمة تأكيد على قيمة استباق موضوعات تخدم تشخيص النهايات، ولا يمكن انتزاع تعريف من الخشاب خارج أسوار لغة الشعر التي تُشكّل إطاراً كثيفاً يحفّ قراءة أية قصة، وفي أعمالها نلاحظ التوحد في المطلق النهائي لأواصر الملحمة.. نلمح في النصوص صرخات تأتي من أعماق الروح " لقاء يدندن للنهار " "تغفو خضرة عينيه"، كما نلاحظ الأنسنة " مـدَّ الجسد عينيه الخضراوين " أحلاماً ونبؤات تستيقظ من مكامن غائرة " . أمّا (نبشا لارقامهم) فمليئة بالصورة:

الرقم -1-

- أنسنة : " الاشجار تفر من رذاذ المطر " " ترتدي عباءة من ذعر "

-الثورة الداخلية لصراع مرير: "امرأة تمزق الجراح التي لا تندمل" .

-مخاطبة المجهول : الرحيل هاجسنا "

-انسنة الرحيل : الرحيل أرض بوار لها انياب واظفار

الرقم -2-

-تكرار مفردة ( العصب): / تمد عصبها الى مدارها البدئي/ من يرصد عصبها النازف...

-تكرار مفردة الاغفاء : / ليغفو بين صخور الشاطئ / يغفو بروتيوس وتغفو معه النبؤة.. اللحظات القادمات .

يلاحظ في هذه النماذج صورة وصفية عالية التركيز .

 

الرقم -3 -

-أنسنة: / القمر غادر مبتلا لينكسر في زاوية ما /

-حالات ذاتية صرفة: / من يمنح جسدي نسخة اخرى تواجه وجعي /

-الاغفاء: / ينحني ليغفو بين بقايا جثتي /

وفي (له دائما) تتكرر مفردة الركام، مثلها مثل الانسنة/ النظرة والذاكرة تبصقان الاشياء، ويحضر الاغفاء أيضاً / النظرة تغفو.. أحياناً يتثاءب فيدفع الاحلام الى اغفاء.

طارق الشبلي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3057 المصادف: 2015-01-18 00:53:40