المثقف - قراءات نقدية

هاجس الزمن في نص (حبي الخالد) لنهلة حوراني

يشكل هاجس الزمن والخوف من التغير الذي يحدثه في شكل الحبيب الفكرة الأساسية التي تتشرب روح النص وتساهم في بنائه لتصل الذروة في السطر الأخير الذي يعبر عن الخلود بصيغة ما: "وستحبني للأبد".

يتكون النص من ثلاثة مقاطع وكأنها تشير إلى مراحل العمر الثلاثة: الطفولة والشباب والشيخوخة. ويبدو أن اقتناص لحظات الجمال وتثبيتها كصورة خالدة للحبيب أو الحبيبة كي تعاند الزمن وتطمح للخلود هو الهاجس الأول لكاتبة النص أو الحبيبة التي لا يهتم بها الحبيب المنشود:

 

أنا سأرحل ..

فأنت أجمل من أن أشتاق إليك

ولا أجدك..

أجمل من أن أحبك

ولا تراقصني

أجمل من أن أشد خصري

فلا تلتفت

أجمل من أن أحلم بك

ولا تحلم بي

أجمل من أن أزرع لك الليمون

فتنكر العبير..

لذا سأرحل

معي صورة وبضع أحرف حب..

لذا ستظل جميلا..

وماذا أريد

غير حبيب جميل؟!

وسأظل أحبك

وتطغى صورة الحبيب-الحلم في المقطع الأول من النص لأن الحبيب لا يبدو مكترثا بما توفره الحبيبة أو تستعرضه كي تلفت انتباهه. ومع ذلك فالحبيبة تكتفي بأنها اقتنصت تلك اللحظات الجميلة عن بعد على الرغم من عزمها على الرحيل لأن محاولاتها في اجتذاب الحبيب لم تفلح. وكانت أكثر ما يهم الحبيبة أن تحتفظ بصورة جميلة للحبيب "وبضع أحرف حب".

أنا سأرحل..

سأحمل الحب الأول جمرا..

وأحفظ الأغنية الأولى سحرا..

وأكتفي باللقاءات الأولى..

بعد غياب الدهشة

يشيخ الحب..

وأنا أريد دهشة لا تشيخ..

فأنت أجمل من أن تقول "أحبك"

ولا أندهش من الفتنة

في المقطع الثاني تتوضح طبيعة العلاقة العاطفية بين الطرفين ولكن الحبيبة تصر على الرحيل كي تحتفظ بسحر "الحب الأول" ودهشة "اللقاءات الأولى" وجمال "الأغنية الأولى". وتبدوثنائية الدهشة-الإعتياد تقابل ثنائية الشباب- الشيخوخة في هذا المقطع من النص متمثلة بانحياز الحبيبة للجانب الأيمن من هاتين الثنائيتين والذي يمثل الدهشة-الشباب. وكي تحتفظ الحبيبة بالدهشة-الشباب تؤثر الافتراق والإنتقال إلى مساحة الحلم لتنشد الخلود أو بكلمات أخرى الإبتعاد عن الواقع الذي يفترض النقيضين إلى الخيال الذي يرسم جانبا أحاديا مبنيا على أساس الجمال بصورته المطلقة.

أنا سأرحل..

اذكرني كما شهرزاد ليلة العرس..

كحبيبة تخبرك باسمها لأول مرة..

كطفلة لا تكبر تتهجى حروف اسمك كل صباح

فتسقيها اللبن

وتشرب من عينيها العسل

سأرحل كي تذكرنى جميلة

فأنا أجمل من أن تذكرني

ولا تراني جميلة

وستحبني للأبد

وفي المقطع الثالث يصل النص ذروته بناءا وفكرة. فعلى الرغم من اختلاف التسلسل الزمني لمراحل العمر في العودة إلى مرحلة الطفولة في المقطع الأخير إلا أن تلك العودة يمكن تبريرها لارتباطها بالمعنى الذي يريد النص إيصاله. فطفولة الأشياء هي الذروة بالنسبة للحبيبة حيث تتمنى أن تكون "طفلة لا تكبر تتهجى حروف اسمك كل صباح " و "حبيبة تخبرك باسمها لأول مرة". ولكن الصورة الأعمق جمالا هي صورة " شهرزاد ليلة العرس" والتي توحي ببكارة الأشياء حيث تمثل العروس (ليلة الدخلة) بدهشتها ومخاوفها التي تتمنى أي عروس باحتفاظها بتلك الصورة الجميلة للأبد. وما تقتنصه الحبيبة من هذه الصورة هو ما يثير الدهشة حقا. فالعروس الشهرزادية هنا لا يهمها الموت في اليوم التالي لليلة العرس بل أن كل ما يهمها هو الحفاظ على الصورة الجميلة لتلك الليلة وتثبيتها في الذاكرة كصورة لا يطالها تأثير الزمن. وقد استعاضت الحبيبة عن الموت في اليوم التالي بفكرة الرحيل عن الحبيب ولو أن الرحيل يوحي بفكرة الموت أيضا.

اعتمدت كاتبة النص في بنائها له على تسلسل الفكرة وأهملت تسلسل الزمن لأن الزمن أساسا هو العدو الضمني للحبيبة. فجاء ذكر الشيخوخة في المقطع الثاني الذي يمثل مرحلة الشباب بينما ذكرت الطفولة في المقطع الثالث الذي يمثل مرحلة الشيخوخة. لكن التماهي بين هذه المراحل الثلاث يشكل أيضا ميزة للنص باعتبار أن الإنسان يمثل كتلة واحدة ورمزا واحدا متكاملا في شتى مراحله.

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3092 المصادف: 2015-02-22 11:47:05


Share on Myspace