المثقف - قراءات نقدية

الاغتراب في شعر صدام فهد الاسدي

يعد الاغتراب ظاهرة إنسانية (يمكن تتبعها منذُ ظهور المجتمع البدائي ترجع الى اسباب كثيرة تنتج عنها حالات الاغتراب)(1) وقد تكون الاسباب (مكانية الانتقال من بلد الى بلد او من مكان الى مكان، او سبب زماني وهو سبب اضطراب الاحوال السياسية والاجتماعية والثقافية... الخ او بسبب ديني حين يشعر الشاعر بغربتهِ في هذا الوجود كالزهاد والمتصوفة الذين يتحدثون عن غربتهم في هذهِ الدُنيا)(2).

ولم يرد في معاجم اللغة العربية الا كلمة (غَرُب) حيث تدل (على البعد عن الوطن يُقال: غريب الدار، ومن هذا الباب غروب الشمس)(3).

اما الاغتراب فلم يرد في معاجم اللغة العربية فيمُكن القول إنه مصطلح حديث فنعْتي بهِ عندما يكون الانسان في وطنه ولم يخرج منهُ، وهذهِ الظاهرة لها اسباب (سياسية دينية، زمانية، روحية... الخ) ونجد هذه الظاهرة (ظاهرة الاغتراب) عند الشاعر الأسدي.

 

أولاً:- ماهية الأغتراب

تتحدد دلالة الاغتراب فيما يأتي:-

الأغتراب في اللغة:-

وردت كلمة (غَرُبُ) لتدل على معنى الذهاب والتنحي عن الناس)(4) وقيل الغربة البُعد عن الوطن يُقال غريب الدار ومن هذا الباب غروب الشمس)(5).

الاغتراب في الاصطلاح:-

كثر الباحثون الذين درسوا ظاهرة الاغتراب اذ تعددت مجالاته والعلوم التي اختضنتهُ. وقد اختلفت معانيه حتى وصل الى حدّ التناقض (وقيل كُل مُتباعد غريب وعلى هذا قول الرسول (صلى الله عليهِ وآله وسلم): (بدأ الاسلام غريباً وسيعود غريباً) وقيل العُلماء غُرباء لقلتهم قيما بين الجهّال)(6).

كما ان الازمات الاجتماعية تعمد الى زيادة حدّة الاغتراب عن المجتمع (فالأزمات التي يمر بها المجتمع قد تُريد الضغوط الحياتية للفرد مما يؤثر ذلك على بعض اهدافهِ الحياتية التي خطط لها في وقت مضى اذ يصعب عليه بلوغها مما يُعرضه لأحباط وعدم الرضا عن حياتهِ كما ان غياب مصادر الاسناد الاجتماعي، اثناء تلك الازمات من المُمكن ان يبعث على الاغتراب ولعل من الاسباب الاخرى الباعثة على الاغتراب ضعف الإندماج بين الفئات على مراكز القوة والسلطة في المجتمع)(7).        وهُناك ابعاد كثيرة للغربة، وهي الغربة النفسية والاجتماعية والفكرية والمكانية، ويمكن تحديد مفهوم الاغتراب إجزائياً ... (بأنه اضطراب نفسي ينشأ من نبرات الشاعر التي يمرّ بها مع نفسه ومع الأخرين ولا تتصف بالتواصل والرضا ويُصاحبها العزلة والاحساس بالتمرد والرفض والتشاؤم الامر الذي يؤدي بهِ الى الاستسلام، والابتعاد عن الاهل والأوطان)(8).

 

ثانياً: مظاهر الاغتراب في الشعر العربي – قديماً وحديثاً –

1- عروه بن الورد:

شاعر جاهلي (عاش الغربة النفسية حين فضّل والده اخيه الكبير عليه فضلاً عن نظرة الناس الدونيه له وصراعه مع نفسه من جهة نسبهِ لامهِ واخواله وكذلك زوجته اللائمة على كرمهِ ومساعدتهِ للفقراء وامتهان الصعلكة لمساعدتهم وليس من اجل الحاجة للمال)(9).

فقال:- وما بي من عارٍ إخالُ علمتهُ    سوى ان اخوالي – اذا نسبوا – نهد

 

وهكذا عاش الشاعر عروة بن الورد (الاغتراب الذاتي عن التمركز حول الذات والنظرة الشاتمة للحياة)(10).

 

2- كعب بن زهير:-

شاعر اسلامي في بداية الاسلام (بقي على الشرك وأخذ يهجو اخاه والرسول ويشيّب بشاعر المُسلمين، فأهدر النبي دمه فضاقت عليه الارض(11) فعاش الشاعر إغتراباً نفسياً لخوفه من القتل وعدم التمسك بتعاليم الدين الاسلامي فهو جديد العهد بالدين ومبادئه)(12).      فضاقت عليه الارض فعزم ان يستأمن الى رسول الله (صلى الله عليه واله وسلم) فأنشد على على الرسول قصيدته اللامية المشهورة المُسماه بـ(البردة) وعبّر من خلالها عن غربته النفسية والروحية والتي قال فيها:-

يا ويحها من خلة لو انها صدقت                ما وعدت اولو ان النصح مقبولُ

لكنها خلة قد بسطت من دمعها          فجحٌ وولـــــعُ واخـــــلاقُ وتبــــــديل

فلا يغزنــــــك ما منت وما وعدت               إن الامانـــــــــــي والاحلام تضليلُ

وهناك نجد الشاعر كعب بن زُهير تعرض للاغتراب من عقائده الروحية وعانى من الانفصال عن القيم الروحية والاخلاقية التي يخلقها التفاعل مع الناس ومع الذات(13).

 

3- المُتنبي:-

شاعر عبّاسي (شعر الاغتراب منذ ولادته اذ مات والداه وهو صغير السن مما سبب اغترابه النفسي)(14) وعندما كبر وشب شعر بالغربة الزمانية اذ ذاق مرارة الوحشة والغربة والجوع بعصره الألم بعد ما رأى نفسه وهو صاحب الهمّة والعبقرية فيرى مهانة بين أُناس ساقتهم حظوظهم الى اعتلاء المناصب والتحكم في رقاب الناس)(15).

فنعرض الى اغتراب نفسي وفكري انعكس جلياً في شعره)(16)

اذ قال:-   ما مقامي بأرض نخلة إلا            كمقام المســـــــــــــيح بين اليهودِ

..............

أنا في أمّة تداركها اللّــــ                   ـــــــه غريبٌ كصالح في ثمودِ(17)

فهو يُشبّه غربته في قوم لا تجانس بينه وبينهم بغربة صالح (ع) الذي كان يعيش بين قوم لا يرون رأيه وهم ثمود(18).

 

4- ابن حمديس الصقلّي:-

شاعر اندلسي كان الموت والخوف من المجهول يهددان حياته ويجعلانها الماً وعذاباً، فرحل كثير من الاندلس من اوطانهم وتركوا ديارهم وفارقوا اهلهم واحباءهم الى غير رجعة)(19) وكان ابن حمديس احدهم، فالتجربة الفاشلة للشعراء في غربتهم والمعاناة التي لا قوها جعل غيرهم يصمّون أذانهم عن دعوات الرحيل ولا يعيرونها اهتماماً، فالذين تغرّبوا ودربوا الحياة داخل الوطن هم الذين يحذرونهم من هذا الرحيل على نحو ما نجدهُ في شعر ابن حمديس)(20) محذراً من الغربة:

إيّاك يوماً ان تُجرب غربةً               فلن يستجيز العقل تجربة السمِّ

وقال في شعر الشوق الى صقلية:-

ذكـــــــــــــــــرتُ صـــــقليِّـــة والاســـــــــى            يُهيــــــــج للنفس تــــذكــــارهـــــا

ومنزلـــــــةً للتصـــــــــــابي خلـــــــــــــــت             وكان بنو الظـــــــــرف عُمّارُها

................

ولــــــولا ملوحـــــــــــــــة مـــــاء البكـــــــا              حســـــــــــبت دموعي انهارها

ضحكت ابن عشرون من صَــــبوةٍ              بكيت ابن ســــــتين أوزارها(21)

5- الجواهري:

يعد الجواهري احد شعراء العصر الحديث (غرقت حياته بعدم الاستقرار وكثرت التنقلات من مكان لأخر داخل بلاده وخارجها كان يعيش حالات التمرد والثورة والاحتجاج على الواقع المؤلم ساعياً للتخلص من مظاهر التخلف والخضوع داعياً الى الحرية والمشاركة الإجتماعية لهموم الناس وتطلعاتهم والتضحية من اجلهم بغية النهوض بواقعهم نحو الافضل وقد اختار البحر الطويل ليستوعب بها كُل تلك المشاعر والاحاسيس التي جسدها في ابياته)(22) ومنها قصيدته بعنوان (شكوى وآمال)(23):-

اعاتب فيك الدهر لو كان يسمع                   واشكو الليالي لو لشكواي تســمع

اكلُّ زمانـــــــي قبـــــلُ هـــــــــمُّ ولوعـــة                وكل نصــــيبي مــــنك قلـــــــب مروَّع

ولي زفرة لا يوســـــعُ القلب ردّها               وكيف ندرٍ ما يخفي الفؤاد المُلّوعَ

وعليه يتجلى الاغتراب النفسي والفكري لدى الجواهري (الذي كان بحياته قوة ردّ فعل يجمع بين التمرد والثورة وهو وسيلة دفاعية للتخلص من الشعور بالإحباط والعزلة التي كانت بينه وبين المجتمع)(24)

ومن خلال عرضنا لهذا الموجز للغربة والاغتراب في العصور الادبية المختلفة يتبين لنا ان الاغتراب او الغربة ظاهرة إنسانية ذات جذور تأريخية وتمثل الحياة السياسية والإجتماعية والثقافية والاقتصادية... الخ، التي مرّ بها الشاعر خلال تجاربه في الحياة، ومازالت موجودة سواء في الشعر او تتمثل في حياة الانسان غير الشاعر.

ولكن الشاعر يعبر عن الاغتراب في شعرهِ ومن بين الشعراء الذي أحسوا بالاغتراب في بلادهم شاعرنا صدام فهد الاسدي وستكون الدراسة خاصّة في شعرهِ.

 

الاغتراب في شعر صدام فهد الاسدي

يشكل الاغتراب في شعر الاسدي اثراً عميقاً في ذاته فعكسها في شعره اذ ان الاغتراب عندهُ اغتراب نفسي وليس مكاني (بعيد عن الوطن) بل الاغتراب صادر من نفس الشاعر حيث جسد اغترابه الروحي في قولهِ:-

يا غربة الروح بل يا غربة البدن          كيف الخلاص لنا من محنة الزمن؟

صبرتُ خمسين عاماً حاملاً كفني         والروح ما مرة مرت على سكني(25)

إذاً فالأسدي ما اغترب بعيداً عن وطنهِ بل داخل وطنه عاش اكثر معاناة وغربة وهذهِ المعاني جسدها في قصيدتهِ السابقة حيث وصف في البيتين اغترابه النفسي وذكر مُدّة هذا الاغتراب خمسين عاماً. وان استقراء المصادر اللغوية المتعلقة بمعنى الغربة توضح ارتباطها بمفهوم البُعد عن الوطن كما رأينا ذلك في المبحث الاول. ويظهر بأنها تختلف عن الاغتراب، فالغربة تكون خارج الوطن للشاعر (النوى والبُعد والعدّة و(اغتراب) نزح عن الوطن)(26).        اما الاغتراب فهو داخل الوطن وهو (الظاهرة الاجتماعية الأكثر قسوة في حياة الانسان والمجتمع وهي ظاهرة معقدة لا تقتصر على البُعد الاقتصادي او الاجتماعي او النفسي، إنما هي حصيلة تفاعل هذهِ الجوانب في إطار غياب العدالة، وسطوة كل ما هو مادي وغير إنساني)(27).

والاغتراب ظاهرة واضحة في شعر الاسدي وهذا الاغتراب هو اغتراب نفسي داخل الشاعر، وسنرى ذلك من خلال تقسيم هذا المبحث الى:- (اغتراب الشاعر مع اسمه، واغتراب الشاعر في السجن، والاغتراب الزماني، والاغتراب النفسي).

 

أولاً:- اغتراب الشاعر مع اسمه

فاسم الشاعر كما نعلم هو (صدام) وقد عانى بسببه شاعرنا لأنه يشابه لأسم (صدام حسين) الرئيس العراقي الذي عانى منهُ كُل مواطن عراقي والأسديّ احدهم حُرِم من ان يُشارك في المربد والمهرجانات الشعرية التي تُقام سواء في داخل او خارج العراق، فقد ذكر الدكتور قصي الشيخ عسكر في كتابه (من تنومتي يطلع القمر) فقال:- (لابُدَ ان أذكر للقارئ الكريم عن العلاقة الاخوية والثقافية القديمة التي كانت بيني وبين الدكتور (الاسدي) ... ويومها لم يكن الاسم بُسبب اي إشكال، أن صدام ولد عام 1953 اي قبل معرفة الناس بحزب البعث وصدام حسين وقبل صعود ذلك الحزب الى السلطة بسنوات طويلة ولابُد ان اذكر ذلك لأن قضية الاسم تُذكرني بحادثتين طريفتين: الاولى انني تكلمت مع احد المراكز الثقافية في اوربا لكي يستدعوا صديقي (أبا آعيان) وهذه كنيته وهم اي اصحاب المركز الثقافي معجبون بشعرهِ وابحاثهِ ولكنهم قالوا لي بصراحة ان الاسم يُحرجهم، والحادثة الثانية يوم سألتني أكاديمية معروفة ان كنتُ اذكر استاذاً لكي يستدعوه فوقفت قضية الاسم حائلاً في الموضوع)(28).

وكذلك شاعرنا يمدح الامام الحسين (ع) في شعره ولهُ قصائد في رثائهِ ويذكر فضائل اهل البيت (عليهم السلام) في شعرهِ وكان يُحاربه النظام البائد بشتى الطرق وحتى السجن في بعض الأحيان وإصدار الاوامر بنقلهِ من مكان عملهِ الى مكان اخر فما كان من شاعرنا إلا ان يذكر بعض القصائد التي يقول فيها ان اختيار أبيه لأسمه هو جريمة بخد ذاتها فيقول في (المقطع الرابع) من قصيدتهِ (بعيداً عن حرائق النفاق)(29):-

جريمتي انّ أبي يختار اسمي هكذا في مطلع الخمسين.

صدام سماني ابي وكم أُعاني اليوم منهُ ادخل الستين.

في وقت صدام أُعاني من معاثر الظلاّم.

كم شطبوا اسمي من المربد والاعلام.

فمن خلال هذا المقطع من القصيدة ترى ان الشاعر يرى ان اسمه صدام هو جريمة لأن ابيه اختار هذا الاسم لهُ. وكم عانى منهُ في وقت النظام البائد من معاثر الظلام الذين يرتقبون كُل خطوة يخطوها او اي كلمة يقولها، وكم شطبوا اسمه إذا إراد ان يُشارك في المربد او في الاعلام. ولهذا السبب فعند الشاعر اغتراب نفسي.

ويذكر الشاعر معاناته بسبب اسمه في قصيدة أُخرى وهي (موسيقى بائسة جداً)(30) المقطع الثالث حيث يقول فيها:-

الحُلم روحي بين الخوف وبين الصحو / وبين الصمت من الايام

اكبرُ جرم/ قدمتُ الى عائلتي/ اسمي محذوف من صحف الاوهام

ويقول الشاعر في المقطع الرابع من نفس القصيدة:

أنت البائس يا حظي / من سّماك بهذا الاسم / رويداً كيف عبرت من السجل المدني عام الخميس

زمن القحط / وجوع الناس / ووحدك ترفل في ثوب الارقام

فنلحظ ان الشاعر يندب حظهُ لأنهُ (سُميّ بهذا الاسم)، ويسأل كيف عبر اسمه من السجل المدتي. ومن خلال هذهِ الابيات والقصائد نرى ان الشاعر عبّر عن المعاناة التي عاناها في الزمن البائد وظُلم بسبب اسمه على الرغم من ان اسمه سابق لأسم صدام حسين، ولكن شاعرنا يبقى شامخاً كالجبال ولا يؤثر اسمهُ في عقل الانسان العاقل العالم الذي يُفرق بين الجاهل والمُثقف.

 

ثانياً:- اغتراب الشاعر في السجن

السجن في حياة الشاعر المغترب وجه أخر عن الانسان العادي فشاعرنا عانى الاغتراب في كُل شيء حتى وهو في العراق فقد سجنه النظام البائد لأنهُ كان يقول القصائد في مدح رثاء اهل البيت (عليهم السلام) فكما هو معروف فهو شاعر اهل البيت (عليهم السلام) (ومن مُعاناته انهُ حُرم من التقديم للدراسات العُليا (الماجستير) في بادئ الامر على الرغم انهُ كان الاول على دُفعته فقد حصل على شهادة البكالوريوس كُلية التربية في 1/1984م. وحُرم من التقديم بها لِمدّة 12 سنة لأنهُ كما يقول ليس بعثياً)(31).

وقد قام بالتدريس في المدارس المتوسطة ومع هذا لم يتركه النظام البائد بحالهِ بل قام بإصدار اوامر بنقله من القرنة الى شط العرب ثم الى معهد المُعلمين في البصرة ومع هذا فقد تعرف على الكثير من اساتذة هُناك.

(ومع ذلك فقد كافح للوصول الى الدراسات العليا وفي سنة 2001م اكمل دراسة الدكتوراه وحصل على الشهادة في كلية الأداب جامعة الكوفة، وحصل على شهادته مُساعد في سنة 2005م، وحصل على الاستاذية واستاذ سنة 2013(32).

ويذكر الشاعر السجن في شعره فهو يقول في قصيتدِ (الشوك المُدمى)(33) المقطع الخامس.

ما اطيب العيش الذي اشعل فيه شمعتي

ولن اخاف السجن والحذر؟؟

يا ليتني حجر؟

تمر فيه الريح والبروق والخطر؟

احتطب الوقد الذي يلبسني حرارة الشجر؟

مازال غابي تائهاً..

مازالت بعد ثورة أُصافح الغجر؟

الظلم مات بائساً؟؟

والخوف بات تائهاً وحلمي انكسر؟

الوعي ظل غائباً وجهلنا انتشر؟

الحال صار زورقاً يسحبه التتر؟

تبقى هُنا الماضي على إسقاطهِ

سقط متاع ليس يُعتبر؟

فالشاعر هُنا يصور حالهُ انهُ لن يخاف السجن ويتمنى لو انهُ حجر الذي يمرّ فيه الريح والبرق والمطر ولكن لا يؤثر فيه شيء. (والسجن يُزيد من مرارة الاغتراب وقسوة الزمن والشعور بالضعة والمهانة ويعاني السجين من عزلة المكان وقسوة السجّان والتطلع الى الانطلاق والغربة)(34).

ففي قصيدة اخرى نرى الشاعر يُعبر عن متعهِ من التعبير عمّا في نفسهِ فيقول في قصيدة (غربة الشاعر)(35):

ولستُ أعُبر حد النطق في شـــفتي               لو كنتُ انطق فالسّـجان يمنعنـــــــي

ما قلتُ كــــــلا لأن الفقر يذبحنــــــــي          لو هبت الريح هذا الثوب يفضحني

السجن داري فأين اليوم اجنحتي؟              إن طرتُ شــــــبراً فتلك الدار تسجنني

ففي هذهِ القصيدة يُعبر الشاعر عن قيود السجن والسجّان لهُ من ان ينطق ولو كلمة واحدة وحرف واحد ويُعبر عن فقره ويقول بأنه قال للنظام البائد (كلا) ليس لأن الفقر يذبحه بل لأن المال ليس مُقدر لهُ وهو كما يقول في البيت (يكرهني). ويُعبر عن الاغتراب النفسي فيقول بأنه حتى لو طار فالسجن سيبقى دارهُ اي مهما يكن فهو داخل الوطن مغترب وهذا الاغتراب نفسي وفي وقت لا يعطيه الناس ولو قليلاً من حقه عليهم وهو انه منهم ومن حقهِ عليهم ان يساعدوه ولو قليلاً حتى لو بالكلام على الاقل. (وقد سُجن اكثر من مرّة ففي سنة 1972 سجنهُ البكر في التنومة وفي سنة 1979 في سجن ابو غريب وفي سنة 1984 سُجن بأمر من صدام حسين في البصرة وفي سنة 1991 سُجن في البصرة وهذا كُله لأنهُ يقول القصائد في حق اهل البيت (عليهم السلام) وأخر مرّة سجنهُ احد الرفاق ورماه بعد ذلك امام تمثال عدنان خيرالله)(36). والسبب في سجنهِ اخر مرّة لانهُ قرأ قصيدة عن الإمام الكاظم (ع) في (25) رجب ذكرى استشهاد سيدنا ومولانا الامام الكاظم (ع) (أبان الحرب على العراق عام 1998م هيمنت الطائرات الامريكية على بغداد وكان المهرجان الشعري في جامعة البصرة، اشترك فيه تسعة شعراء القوا قصائدهم التي جاملوا بها السلطة آنذاك وبحضور احد اعضاء القيادة في البصرة، وعندما القى الشاعر صدام فهد الاسدي قصيدته بعنوان يا كاظم الغيظ قررت الحماية نزوله من المنصة ولم ينزل وصارت عاصفة من التصفيق (كما يقول) يشهد لها اهل البصرة، وقد علق الشاعر فائق الخالدي في اذاعة البصرة عندما نقل مقطع من القصيدة (لقد فجر الاسدي قنبلة كاظمية اليوم)(37) وقد قرأها في مهرجان الجامعة (كلية القانون).

(وفي مدخل القصيدة، يقول: (كانت عيونكم خائفة على بغداد وانا عيوني خائفة على الكاظم (ع) من القصف الجوي وللكاظم ربُّ يحميه، وستظل حمامات الكاظم ترفرف بسلام، قال الامام علي (ع) واصفاً مشاهد القيامة: (ويأتي المختمون) قالوا (يا أبا الحسن ومن المختمون؟ قال: من قبّلوا باب حفيدي الكاظم (ع) بقبلة على بابه البسهم الله خاتماً يوم القيامة) وإذا نسيت البصرة جميع مواقفي هل تنسى هذه القصيدة؟؟؟ لقد قرأتها امام (400) من الحضور وتناقلها الكثيرون واليوم أُسجلها لمحبي أهل البيت (عليهم السلام)، وقال في مطلع قصيدة يا كاظم الغيظ)(38):-

وقصــــــفت بغداد بقصـــــــفك ناقماً            لكــــــن محالاً ان تمس الكاظـــــما

فاذا رميت ضريحــــه برصاصـــــــة           ردّ الرصاص الى عروشك هادما

قبل الأُناس تجمعــــت فـــــي بابـــهِ              من كثرة التقبيل صـــــــارت خاتما

كـــــم هدفّ الطـــــيار رام ضريحــــه          فيراه بحراً فــــــي التجـــــــرد عائما

هل تقدر الايام تمســــــح شــــــــــارة           او تقدر الاجيال تذبـــــــح حاتما

حصر الهدى في دار عزلا سيدي                فأمتد في عين المكارم اســـــهما

 

ومن خلال هذهِ الابيات وبسببها سُجن الاسدي اخر مرّة سنة 1989 وعانى من الظلم والاستبداد ما عاناه. فالسجين يُعاني قسوة الحياة خلف الاسوار الحديدية وتحت وطأة القيد والسوط ولا يملك من نفسه سوى الكلمة التي يُعبر عن ازمنة الاغتراب وانكساره الذاتي)(39). وحينما يدرك الانسان نهايته عبارة عن واقع مرير ضاقت بهِ سُبل التفكير الضائعة ترحم النفس بهواجس الهموم الثقيلة وتستسلم للحرمان الحقيقي في حياة السجين البائسة، فحياته جزء من حالة الجفاء والجدب الذي يُحيط بالوجود وليحطمه)(40).

ففي قصيدته (عندما يبكي الخطر)(41) في المقطع الثاني:-

لا ثرثرة في حي الفقراء غير البوح بلون الخبز والبحث عن الماء المالح

................

وتدلت دمعة طفل حاف في سوق الايتام

وذبلت وردة جوري في بستان قرب النهرين

النهران بعيدان يصولان يجولان في الارض التركية من سورية

حتى القرنة لكن يلتقيان والمالح

من خمسة الاف من السنوات لا يُمحى من تلك البصمات

لكن الحلاج يخاف يجمع الجثث الشيعية كي يبني بيتاً من اضلاع الفقراء

من صلوا وقالوا في الاذان علياً آه ما اقسى الانسان لما يُمسك

سوط الجلادين يراه خفيفاً ولما يضرب فيه يراه ثقيلاً

وآه ما اطول ليل المسجونين بلا ذنب في زمن الحرية.

ففي هذه القصيدة يصور الشاعر حال الناس الفقراء في ذلك الوقت الذي لا يتكلمون الا بلقمة العيش وهي الخبز والبحث عن الماء واي ماء انه الماء المالح، وهذا يدل على الفقر الذي يعيشون فيه ثم يصور الطفل اليتيم الحافي القدمين الذي تكون الدمعة دائماً على خدهِ، ثم يصور النهرين هما (دجلة والفرات) كيف يجريان من تركيا الى سوريا ثم يلتقيان في القرنة والماء المالح يبقى اثرهُ فيهما وفيه اشارة الى شدة الحياة ومصاعبها. وبعدها يصور الشاعر الحلاج (النظام) فيقول ان سبب سجنه لأنه شيعي وان كُل من يذكر في الصلاة الامام عليّ (ع) ايما يقول: (أشهد ان علياً ولي الله) فمصيره في زمن الجلادين الجلد بالسوط وهذا السوط عندما يحملهُ الجلاد خفيفاً ولكن بإستمرار الضرب فيه يراه ثقيلاً فكيف حال من يُجلد بهِ، ثم يتحسر ويقول: ما اطول ليل المسجونين وهم بلا ذنب في زمن ينبغي ان تكون الحرية فيه موجودة.        وإذا كانت ابوب السجن هي الخطوة الاولى للتحرر من القيود القاسية فإنما تُخفي خلفها مصيراً مجهولاً بتطلع الشاعر ان يدرك مغزاه وحقيقته)(42)، فقال في قصيدته (أحلام الرجم بالغيب)(43)، المقطع الرابع:-

الحرية ليست بالدم كانت في سبعينيات القرن الحادي والعشرين

كان الموت طريقاً امام الناس المسجونين

وكانت كلمات الشاعر تذبح بالسكين

وماتت الآف الشبان بلا ذنب من اجل خلود الطاغين

وظلت حواء بلا زوج تبحث في اعقاب الطين

يقول الشاعر بأن الحرية ليست بالقتال والدم والموت، بل كانت في قرن الواحد والعشرين كلمات الشاعر هي التي تُعبر عن الحرية وتطالب بها، وما كان من الطغاة إلا ان يُحاربوا الشبان الذين يُطالبون بالحرية، والطغاة يقتلون هؤلاء الشبان من اجلِ خلود وبقاء الطاغين، ومن نتائج المطالبة بالحرية هو ان تكون المرأة ارملة بلا زوج يعيلها ويهتم بها فيسيطر الفقر عليها. وفي القصيدة نفسها (المقطع الخامس)(44) يقول:-

احترق الان واحترق الامس واحترق المستقبل ابحث عن كهف يؤويني من تلك الازمان

هل من احد ينقذني من سيف الجلاد؟؟؟ ويرفع عن قلمي القيد من السكرات

خمسون مرت اكتبُ شعراً ما جدوى صوتي وتموت الاصوات

أحسبُ في ذاكرتي الامس السياب وابا فرات

احسب سعدياً كيف يُغادر وطني والان يعيش على الحسرات

فالشاعر يشكو ان لا وجود لحرية الاقلام ولا وجود لحرية الصوت ويشكو الاغتراب في الماضي والحاضر وحتى المستقبل بحيث انه يبحث حتى لو عن كهف يأويه من هذه الازمان – ويسأل هل من احد ينقذه من سيف الظلام ويرفع القيد من قلمه ويجعله يكتُب شعره بحريه. ويقول مرّ خمسون عاماً من عمرهِ وهو يكتب الشعر ولا جدوى تُذكر وحتى اصوات الشعراء المُغتربين (السيّاب والجواهري، وسعدي يوسف (شاعر بصري) ماتت أصواتهم وعاشوا مُغتربين خارج الوطن وحتى الذين داخل الوطن عاشوا اغتراباً نفسياً والذين غادروا الوطن (العراق) يعيشون على الحسرات لأنهم يعنّون لهُ.

وفي نهاية المطاف اي نهاية ايام السجن بسبب القضاء على الطاغية يقول في قصيدة (الف حجر على جبهة الماء)(45) المقطع الثالث:-

لعــنتُ السياسة في موطني، كرهتُ انتمائي لهذا النزيف

ولكني حين سمعتُ نهاية هذا البليد الحقود

تحزمت بالصبرُ حدّ العروق

 

حيث ترى الشاعر يكره السياسة ويلعنها، ويكره انتمائه للذي يحصل في العراق، ولكن حينما سمع نهاية الطاغية عاد صبره وتحزم بهِ بواسطة الشعر، فالشعر وسيلهُ الوحيدة للتعبير عمّا في داخله. وبهذا يعد السجن من العوامل المُهمة في ولادة ظاهرة الحرمان والاغتراب في شعر الاسدي (فالألم الذي يقبع في وجدان الشاعر المُغترب هو الألم الذي يسكن اعماق الشاعر المُغترب)(46). ولقد كان شعر الاسدي صورة الالم الذي تُعانيه النفس بين حاله الخضوع والبؤس تارة والسخط والتمرد تارة أُخرى ومشاعره في السجن من الم وضجر والابواب مُغلقة وقسوة الحراس بحيث وصل في خلاصة الامر الى البؤس والحزن.

ثالثاً:- اغتراب الشاعر مع الزمان

ان شاعرنا عانى الاغتراب في زمان لا يُقدر الانسان المثقف الذي يطمع ان يكون شيء افضل مما هو عليه (فهو يُفضل الموت في وطنه على مغادرته)(47).

والاغتراب الزماني غالباً ما يكون داخل الوطن ونتج عن هذا الاغتراب (ضياع مكانة الشاعر او المُثقف بشكل عام، فالغربة الحقيقية ليست في البعد عن الأوطان، وانما ان تكون غريباً في وطنك بين اهلك، واسرتك، حين لا تجد من هو شبيه لك وتحاور من يُماثلك)(48). فترى الشاعر في قصيدة (الشوك المُدمى) المقطع الثاني يقول:-

أيام كان الحُبّ سيفاً من دمِ

أيام كان العشق مثل العندمِ...؟

ففي هذه القصيدة يرمز الشاعر للقانون في زمن النظام البائد، ويشبههُ بالعضلام: نبات احمر عندما يسحقهُ الانسان تصبح رجلهُ مبتله من قطرات هذا النبات.     ويريد الشاعر ترك المأساة والحنين للوطن من خلال مخاطبته للزمن يطلب منهُ الصبر كما في قوله في قصيدة (محاجر الغسق)(49).

قفْ يا صديقي شامخاً

هل ندفن الماضي بلا انين

ونترك المأساة والحنين

ونرضع الصبر من السنين

فنجد الشاعر يحن للماضي الجميل (وهذا العالم الماضي الجميل نحنُ إليه دائماً لأنه يُمثل العصر الذهبي والنقاء والطهر وهي صورة نقية موروثة في نفس الانسان نجدها حتى عن فكرة الانسان حول المُقدس فكان الشاعر في هذه القصيدة يُعارض اغتراب الحاضر بنقاء الماضي)(50). (وقد فُسر الزمان اساس الوجود وصار الوجود احد المفاهيم الاساسية للزمان، والشعر ولادة رؤيا فنية يكون الانسان (الشاعر) خالقها وبما ان الشاعر (المُتميز الاحساس) موجود زماني يحي الزمان ويعيش فيه.

ويقول الشاعر في قصيدة (تدعيات الرمح)(51) المقطع الثاني:-

هذا زمان مثل كل الازمنة

السيف فيه ساكت

الحق فيه غاضب

حيث يصور الشاعر الزمان ويقول بأنهُ لا يتغير بل يبقى مثل كل الازمنة التي مضت فالسيف لا يتحرك لُيدافع عن المظلومين والحق بالرغم من انهُ غاضب ولكن لا يتحقق في هذا الزمان. كما ان العذاب والشقاء اخذ من الشاعر مأخذه، فيقول في قصيدة (مُكابدات ايوب العراقي)(52)

وخمسون مرَّت اعلك الصبر مُجبراً      أُضاعف في هذا العذاب شرائي

أُفصل من صبري لأيوب ضحكةً         وحسبي هُنا مني استقرَّ شقائي

فأستقر في هذهِ القصيدة في خلد الاسدي (ان الحياة لم تُنصفهُ يوماً بعد مرور خمسين سنة من عمرهِ، وهو يُصارع الدهر بالصّبر على الفقر والمُعاناة، وهذا الصبر الطويل جسّد حالة النقاء الروحي لدى الشاعر، فهو يشري نفسه ولا يذلها امام عالم ماديّ، لأن الصبر إذا اقترن بالذلّ لا يخرج المُعاناة عن طابعها الحقيقي)(53). والشاعر (يكشف تصدع الزمان كخط اتصالي تتابع داخل آنات الزمان وابعاده، الماضي والحاضر والمستقبل ويؤسس بالمُقابل لزمن إبداعي حرّ يكشف عن قيم حيوية)(54).

ويقول في قصيدة (اطلقت حصاني لتلك الريح)(55):-

آه من دورات الريح...؟

الزمن...؟

الزمن...؟

لا يُرحم ويهزّ

بأجراس النسيان

فيذكر الاسدي هُنا الزمن دلالة على تقلبات الايام الى نكبات فيندم الشاعر الزمن ويتحسر منه ويقول انهُ لا يرحم، ويقول في قصيدة (فرس من ضباب)(56):-

ايظل الزمن التنين يقتطع افكارُنا؟

هل تغرى كهوف الصمت بالضجيج؟؟

هل تتحقق المعجزة ويتفتح البنفسج من جديد؟

وتنطلق المحبة من سجن النسيان؟

 

فهنا يصف الشاعر الزمن بالتنين (إشارة الى الاسطورة بفرس الزمان الانسان)(57) ويتساءل هل يأتي يوم وتتفتح ورود البنفسج من جديد كناية عن الامل في نفس الشاعر.

ويقول في نفس القصيدة (المقطع التاسع)(58):-

هذا الزمن ضباب

نحنُ مازلنا نسير لكهف العلم

من حقك ان تعلم

لكن ما من حقك ان تعلم بالآمال؟

ما من حقك ان تلفظ كلمة حق

في وجه الدجال

تلك خيوط رداء الزمن

بادت وافتر التمثال

فهُنا يستعمل الشاعر الخيال ويصور الزمن بأنه ضباب وهذا دليل عدم الرؤية الواضحة. (الشاعر حين يستخدم خياله لا يهرب من الحقيقة بل يلتمس الحقيقة كذلك في خياله والواقع كلاهُما وسيلة لنقل ذلك الصراع الداخلي الذي يُعاني منه)(59). فأزمة الشاعر في اغترابه الزماني تتمثل في الاهمال لمكانته وفضائله من قبل مجتمعه وابناء زمانه، وحزنه على عدم إدراك الزمان لخصاله ودفنه بهِ حياً فأن عزاءه في ان الفضائل والخصال الحميدة ستخلد مع الزمان وقد يأتي الوقت الذي تُذكر فيه خصاله وفضائله رُبما بعد موته)(60). ومن خلال اغترابهِ الزماني لاحظنا ان لغتهُ الشعرية تتصل بحياته الواقعية التي يعيشها وتقترب من ذاته الشعرية وترتبط بالماضي.

 

رابعاً: الاغتراب النفسي عند الشاعر

وهذا الاغتراب نجدهُ عند الاسديّ واضحاً ليس فقط في شعرهِ فعند سؤاله: اين نجد الغربه؟ فيقول: (أنها مُتجسدة ليس فقط في شعري بل انا غريب عن نفسي وكأني غير موجود في هذا الزمان الذي انا فيه الآن)(61)، (والتركز حول الذات وضعف الاندماج الاجتماعي والسخط والاحباط والرفض هذهِ حميعاً تُشكل سمة من سمات الشخصية المُغتربة لدى الشاعر اذ لا يأتي الاغتراب من العدم او منقطع الجذور بل لابُد من اسباب موحية تكون وراء ظهورهِ)(62).

وقد جسد الشاعر اغترابه النفسي في قصيدةِ (غربة الشاعر)(63) فقال في مطلعها:

يا غربـــــــــة الروح بل يا غربة البدن     كيف الخلاص لنا من محنــــــة الزمنِ؟

صيرتُ خمســـين عاماً حاملاً كفني     والروح ما مرة مرت على ســــــــــــــــــكني

قفزتُ للغيمـــــة العلياء أســـــــــــــألها     بعض الامان وجدتُ الخوف فــي علنِ

 

فقد (افصحت الابيات السابقة عن حالة الاغتراب النفسي لدى الشاعر، وهي حالة عدم انسجام مع الواقع الذي يعيشه)(64) (وهذا الاغتراب اقرب الى المُعاناة والانفعال)(65)، فأقسى أنواع الاغتراب (عندما يكون الانسان مغترباً داخل وطنه وبين اهله)(66). (ويختلف الشاعر في احساسه بالكون وما حوله اختلافاً مبعثه العمق والحدة والادراك والنفوذ الى يواطنه ويواطن ما يصوره)(67)، والدليل على ان حياة الشاعر (مملوءة بالحزن والاسى والحرمان يقول في قصيدة (صرخة في عنق الزجاجة)(68):-

رفقاً بقلبٍ يشــــــــــب الثلج في ناري  وامسح بدمعي من الاحزان آثاري

دعني غريباً وئدتُ الصبر من شفةٍ     عادت رمـــــاداً ومل العزف قيثاري

خذني كئيباً تركتُ العشــق في زمنٍ    حتى التراب يملُّ اليــــــــوم اخباري

حيث ان (قلب الشاعر الغض لم يعد بوسعه ان يتحمل النار التي يشتعل فيها الثلج لشدتها، فما كان منه إلا ان يلوذ بالبكاء ترويحاً عن نفسه المتعبة بالأحزان، ثم يصمت لأن القيثارة ملت من العزف والاحتراق والذوبان، فيبدو كئيباً وليس بائساً حتى لا يستسلم نهائياً ويبقى بينهُ وبين الامل خيط)(69). قال في قصيدته (لا فتة الشعر تقول)(70):-

يأكلني الخوف وحيداً، افتح قلب الكلمات

اقنص طير العلم من الخطب البائدة في عصر الطبالين

اسمعُ ناقوس الموت يرن على الطُرقات

يخطف هذا الطفل ويقتل هذا الشيخ لماذا لا ندري

 

فالشاعر يُعبر عن اغترابه على انه وحيد وكأنما الخوف يأكلهُ وحيداً وقال: عصر الطبالين، إشارة الى الفوضى وذكر الكلمات، (هُنا رمزي كناية عن الداخل اي المعنى الداخلي للكلمات، والناقوس اشارة الى جرس المسيح (ع) في الكنيسة)(71) وفيه اشارة للموت.

ويُعبر الشاعر عن جراحاته ويقول الحقيقة في هذا الزمان الصعب في قصيدته (لامية الاسدي)(72):-

ســــــــــــــأترك لغواً كثيراً يُقال                  وعندي من الصــــــبر بقيا سؤال

لماذا قد اعشوشبت غايتي                وغطوا مـــــــدى نظرتــــــي بالرمال

لماذا الحرام مشـــى منعماً                وجفّ على الارض سور الحلال

لماذا القوي مشـــــى قاهراً               وفينا الفقيــــــر يشــــــــمّ الظــــــــلال

في القصيدة السابقة يُعبر الشاعر عن الظلم والألم الذي لحق بهِ ويقول: لماذا الحرام صار لهُ المجال الفسيح من اجل ان ينتشر ولماذا صار الحلال غير موجود في الأرض؟ ولماذا القوي دائماً يُسيطر على الفقراء والفقراء دائماً يعيشون في الظلام. فهذهِ التساؤلات تُعبر عمّا في نفس الشاعر من الم وحسرة ويُريد اجوبة لها، (انهُ يحاول الهروب من (حاله) احساسه الحاد بالواقع (واقعة النفسي) الذي يموج بالوان الصراع، وهذا ادنى الى التخلص منهُ الى الهروباً.

فقال في قصيدته (سواعد الأجراس المتهكة)(73):-

كيف لي افتحُ باباً – غلقوا – لي الف بابا!!!

اشتري الوحدة عمراً لا قريب وصديق

فيُعبر عن اغترابه ويقول بأنهُ وحيد وليس لديه لا صديق ولا قريب. ويقول في قصيدته (تأملات في زوايا الفراغ)(74)، المقطع الرابع:-

وان الليالي التي حلبت عمرنا

ختمت في ضلوع الزوايا

وكم كنتُ وحدي عسيراً اذا

حليتي خطوب الرجال

وشاعرنا اكثر ما يحس في اغترابه النفسي في الليل كما في قصيدته (خيط الدخان)(75) حيث يقول:-

يا ليلتي لا تقصري وتطولي             سيان عندي دمعتي ومثولي

ادركتها سرقت حلاوة فرحتيوتكابرت في عشقها المعلولِ

فالشاعر في هذه القصيدة يُنادي الليل ويقول: لا فرق عندي سواء اطال الليل ام قصر فدمعه دائماً يسيل على خده دليل على الحزن في قلبه. ومن اغترابه النفسي يرى ان المطر ممكن ان يغسل اي شيء (البيوت والابواب والشعر) لكنه مهما يبقى يسقط لا يغسل البشر كما قال في قصيدته (وشاح الثلج على كتف الوطن)(76):-

لو يسقط المطر

فيغسل البيوت والابواب والشعر

لكنهُ مهما يظل ساقطاً لا يغسل البشر

فيصف الشاعر هذا المطر وكيف تغدو الطبيعة من اشجار وازهار وبيوت نظيفة وجميلة بعد سقوط المطر ولكنه اخبرنا باشتراك جميل ان دوام سقوط المطر لا يغسل امراضي اوهام البشر النفسية والاجتماعية(77).

وشاعرنا عبّر عن اغترابه النفسي في قصيدته (مواويل مخترقة بالمطر)(78)، فقال:-

دعني أُنا غيك من قلبِ بكى قَهراً

وعانق الســــــــهر حتى ازعــــج القمرا

 

قفلت بابك حتى الصبر في تبضي

لكنـــــهُ الباب مل الريــــــح فأنكســــــــرا

(يُناغي الشاعر وطنه العراق بقلب باكٍ بعنصر من القهر حتى أرق وازعج القمر من السهر وهو يتطلع إليه، ثم يتمنى الشاعر من حبيبه العراق ان يبوح له بما اصابه من الم وجراح ومن جمالية النص هي انسنته القمر، اي جعل له مشاعر الانزعاج)(79) وفي قصيدة أُخرى (جروح الطين)(80) يقول:-

خذيه من شفتي فالقول يحترقُ

وحيرتي انها ضاقت منا الطرقُ

فالشاعر يقول:- (الصوت يحترق، أن الاخرين يسمعونك ولا يسمعونك، معنى ذلك احترق صوتك، أي المعاناة التي يجدها قائل القول حين يتكلم ولا احد يسمعه قط)(81). ومن خلال ذلك نجد ان نتاج الاغتراب النفسي نتيجة للعوامل السابقة للأغتراب التي ذكرناها سابقاً وهي اغتراب الشاعر (مع اسمه، واغتراب الشاعر في السجن والاغتراب الزماني).

هذا ما إستطعنا الوقوف عنده من قصائد، وبقيت قصائد كثيرة(82)، لم يتبين للباحث الوقوف عليه.

 

علياء وصفي طاهر

..................

الهوامش:

(1)     يُنظر: مجلة ابحاث البصرة (العلوم الانسانية) بحث عن طبيعة الاغتراب لبعض النصوص (قديماً وحديثاً)، العدد(3)، 2011، 103.

(2)     يُنظر: الغربة في الشعر الاندلسي (عقب سقوط الخلافة): د. اشرف علي دعدور: 7-8.

(3)     معجم مقاييس اللغة، ابو الحسن احمد بن فارس زكريا: 4/421.

(4)     ينظر: لسان العرب، ابن منظور، دار صادر، بيروت للطباعة والنشر، 1956: 10/38-39.

(5)     معجم مقاييس اللغة، ابو الحسن احمد بن فارس زكريا، تحقيق وضبط عبدالسلام هارون، 1404هـ: 4/421.

(6)     مفردات غريب القرآن للراغب الاصفهاني، ت 502: 357، د. ت.

(7)     مجلة ابحاث البصرة، المصدر السابق، 105.

(8)     المصدر نفسه، 106.

(9)     يُنظر: تأريخ الادب العربي، د. شةقي ضيف، العصر الجاهلي، ط: 18، القاهرة، دار المعارف، 2008: 382-385.

(10)  مجلة ابحاث البصرة: 109.

(11)  موسوعة الادب والأُدباء العرب في روائعهم، العمر الاسدي والاموي، إعداد اميل بديع يغقوب، ط1، 2006، 4/393.

(12)  يُنظر مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 109.

(13)  يديوان كعب بن زهير، د. محمد يوسف نجم، ط1، دار صادر، بيروت، 1995.

(14)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 110.

(15)  الادب العربي، العصر العّباسي، د. ناظم رشيد، منشورات وزارة الثقافة، 226-227.

(16)  الادب العربي، مصدر سابق، 279.

(17)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق، 111.

(18)  شرح ديوان المتنبي، وضغ=عه عبدالرحمن البرقوقي، دار الكتاب العربي، بيروت، 2007: 1/276-279.

(19)  الادب العربي، مصدر سابق: 228.

(20)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 111.

(21)  ابن حمديس: الديوان، تحقيق، د. احسان عباس، بيروت، 1960.

(22)  موسوعة الادب والادباء العرب، مصدر سابق، 9/72-91.

(23)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 112.

(24)  ديوان الجواهري: صححه د. مرشد جعفر الداكي، 1/24-25.

(25)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 113.

(26)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، محاجر الغسق، غربة الشاعر: 62.

(27)  المعجم الوسيط، ابراهيم مصطفى، حسن احمد الزيات، صاحب عبدالقادر، محمد علي النجار: 2/653.

(28)  ظاهرة الأُغتراب، في ضوء المرتكزات الفكرية للأقتصاد الاسلامي، د. فاضل عباس الحسب، بغداد، 2002، ط1، بيت الحكمة عراق، بغداد، الباب المعظم، 5.

(29)  من تنومتي يطلع القمر، للأستاذ الدكتور، قصي الشيخ عسكر، دراسة في شعر الاستاذ الدكتور صدام فهد الاسدي، ط1، 2013، بيروت، لبنان: 45.

(30)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، لا شيء غير الكلام: 273.

(31)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، ترهلات غيمة ذابلة: 489.

(32)  لقاء الباحثة مع الشاعر صدام فهد الاسدي، في مكتبهِ، 11/1/2014.

(33)  لقاء الباحثة مع الشاعر صدام فهد الاسدي، في مكتبهِ، 11/1/2014.

(34)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، محاجر الغسق: 28.

(35)  مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 117.

(36)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، محاجر الغسق: 63.

(37)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 11/1/2014.

(38)  موقع انكيدو – 41 – حكاية خاتم الكاظم (ع) شعر صدام فهد الاسدي، البصرة – يوم زيارة الموقع 24/10/2013.

(39)  موقع انكيدوا، مصدر سابق.

(40)  مجلة ابحاث مصدر سابق: 116.

(41)  الغربة في الشعر الاسلامي (من الرسالة المُحمدية الى نهاية الخلافة الراشدية)، رسالة ماجستير لـ(زينب كامل عبدالحسن) بإشراف د. مظفر عبدالستار، 2006، رقم الرسالة، 124: 68.

(42)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، غيمة بلا غبار: 255-256.

(43)  الغربة في الشعر الاسلامي، مصدر سابق: 86.

(44)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، لا شيء غير الكلام: 383.

(45)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، لا شيء غير الكلام: 314.

(46)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، غيمة بلا غبار: 259.

(47)  الغربة في الشعر الاسلامي، رسالة ماجستير، مصدر سابق: 75.

(48)  الغربة في الشعر الاندلسي (عقب سقوط الخلافة)، مصدر سابق: 103.

(49)  المصدر نفسه: 118، 119.

(50)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، المصدر السابق، محاجر الغسق: 26.

(51)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 35-42.

(52)  من تنومتي يطلع القمر: 103.

(53)  الزمان والمكان في شعر العصر العباسي الاول، اطروحة لـ(غني صكبان سلمان)، 2001م، بإشراف د. عباس مصطفى الصالحي: 52.

(54)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 48.

(55)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 110.

(56)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، إعداد الطالب صادق داغر سعود العلاق، رسالة ماجستير، بإشراف الاستاذ الدكتور سلمان حسيكي، لبنان، خلده، 2013م – 1434هـ: 46..

(57)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 229.

(58)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتَبهِ، 2/2/2014م.

(59)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 233.

(60)  التفسير النفسي للأدب، عز الدين اسماعيل، دار العودة، بيروت، 1962: 44.

(61)  الغربة في الشعر الاسلامي، رسالة ماجستير، مصدر سابق: 168.

(62)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 18/12/2013.

(63)  يُنظر: مجلة ابحاث البصرة، مصدر سابق: 108.

(64)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 62.

(65)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 104.

(66)  من تنومتي يطلع القمر، مصدر سابق: 68.

(67)  يُنظر الغربة في الشعر الاندلسي، مصدر سابق: 173.

(68)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 28.

(69)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 43.

(70)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 28.

(71)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 184.

(72)  لقاء الباحثة مع الشاعر في مكتبهِ، 2/2/2014م.

(73)  التفسير النفسي للأدب، مصدر سابق: 45.

(74)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، ترهلات غيمة ذابلة: 482.

(75)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، انهار ضمأن: 631.

(76)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 71.

(77)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، غيمة بلا غبار: 146.

(78)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق: 25.

(79)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، لا شيء غير الكلام: 351.

(80)  التشكيل الجمالي في شعر صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، رسالة ماجستير: 28.

(81)  الاعمال الشعرية الكاملة، صدام فهد الاسدي، مصدر سابق، محاجر الغسق: 19.

(82)  من تنومتي يطلع القمر، مصدر سابق: 99.

(83)  يُنظر: للأطلاع: (163، 159، 436، 466، 492، 497، 508، 619، 58 – 59 – 61 – 110 – 113، 502 – 515، 520، 229، 233، 245،...)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3133 المصادف: 2015-04-04 11:35:31


Share on Myspace