المثقف - قراءات نقدية

رواية (زوج حذاء لعائشة) تصب في مناصرة المرأة

goma abdulahرواية (زوج حذاء لعائشة) هي الرواية الثانية بعد رواية (انه جسدي) للكاتبة من اليمن (نبيلة الزبير) وهي تحاول اقتحام عورات المجتمعات العربية ومنها (اليمن) في كشف ظلم العادات والتقاليد، والثقافات والموروثات الدينية، التي تشكل الجدار الصلب في انتهاك انسانية ونتهاك حقوق المرأة، وتصويرها سلعة جنسية رخيصة، سواء في الشارع او في البيت، نفس السوط واليد الغليظة، وكذلك تزيح النقاب عن مسألة تعدد الزوجات، والزواج من القاصرات وهن في عمر الطفولة، وكذلك تتطرق الرواية الى معضلة التطرف الديني وارهاب الجماعات الدينية المتشددة، ودور الفساد السياسي الذي يسهم في التخلف والاضطهاد الاجتماعي. لاشك ان هذه المحاور الساخنة في المجتمعات العربية، تتطلب الجرأة في الاقتحام والتناول، لكشف زيف التشدد الذي يخنق المرأة ويحجرها في البيت، ولكنها من جانب اخر يفتح نوافذ، ان تنحدر المرأة الى الضياع وسوق البغاء (غير صحيح يا أبي، الصحيح انه لا تضيع البنات، إلا اذا كان لديهن اخوة اشداء) ص 17 . ان الرواية حاولت الدخول الى اعماق الواقع، وناقشت مسألة الدعارة والبغاء، من خلال حياة شخوص النساء في الرواية، وكذلك من حالات السجينات المتهمات بالدعارة واسلوب حياتهن وظلم المجتمع المحافظ والمتشدد، الذي يحرم المرأة من انسانيتها، وهذه المقاصد ارتكزت عليها الرواية في التعبير عنها، وتسليط الضؤ اكثر لمعرفة هذه المضامين التي دونتها الكاتبة، لابد من ايجاز حياة اهم شخوص الرواية:

1 - زينب تسجن بتهمة الدعارة، رغم انها كانت وحدها في سيارة التاكسي ولم تفعل شيء يدلل على مخالفة الاخلاق العامة، سوى مشادة السائق مع رجال الشرطة، ورغم انها تمارس البغاء في البيوت ولكن هذه الحالة جاءت عرضاً، ولكي تتخلص من تهمة (المومس) تتزوج من رجل الدين (طارق) فقيه وامام جامع، ووافقت على الزواج من اجل التوبة والغفران، والبدأ بحياة طاهرة ونظيفة بعيداً عن الشوائب، وتمضية حياتها في الصلاة والسجود والتقرب الى الله، واعتبرت زواجها، كأنه هدية ومكافأة من الله لها على التوبة، ولكن هذه الهدية ادخلتها في انفاق أسوأ واحقر من دهاليز الدعارة والبغاء، لان زوجها رجل الدين (طارق) مصاب بمرض الازدواجية، في الظاهر رجل دين عفيف وصالح، وفي الباطن، رجل مصاب بالشذوذ والشبق الجنسي بالغرابة المجنونة، ومولع بالاغتصاب، ويعتبر المرأة خطيئة ومعصية وسلعة جنسية رخيصة، ويعامل زوجاته الاربعة، معاملة العاهرات وليس معاملة كزوجات حلال، ويمارس الاغتصاب مع زوجاته كاي زبون من الزبائن، ويترك وريقات مالية بعد كل عملية اغتصاب، حتى لو كانت الزوجة على سجادة الصلاة والتعبد الى الله، كما فعل في زوجاته (زينب وبشرى) واستمر هذا الشذوذ الغريب، فعندما تمانع او ترفض يصرخ في وجهها، بانه هذا بيت وليس جامع، لذلك أرتأت (زينب) استحالة العيش والجمع بين العفة والشذوذ الجنسي، فانفصلت عن زوجها الشاذ جنسياً، واتخذت طريقاً خاصاً لحياتها، بالاعتماد على كس طوق الاضطهاد والدعارة، والتحرر كأمرأة لها انسانية وكرامة، ونجحت بذلك .

2 - نشوى: تعتبر (دلوعة بابا) وحارسته الامينة وحافظة اسراره بالمغامرات المجنونة بالشبق الجنسي، وهي حلقة وصل بين ابيها وعاهراته، وهي التي تتابعه عن كثب وفي نفس الغرفة الجماع الجنسي والاباحية، دون ان يشعر بالحرج والخجل والحياء، بل يفتخر بان ابنته شاهدت اباحيته السادية بالجنس عن قرب وعلى مقربة من فراش الفحشاء، وهي صغيرة السن طفلة دلوعة، وحين كبرت، اتخذت هذا الطريق بان تصبح عاهرة في امتياز، ولكن ليس على الزبائن الفقراء، لان هؤلاء عليهم حفظ فلوسهم على عوائلهم واطفالهم، بانهم بحاجة ماسة اليها، وليس ان تعطى الى (مومس) مثلها . وتحاول التخلص من هذا المستنقع الاسن، وتختار طريق حر يخلصها من هذا الاضطهاد الاجتماعي، ومحاولة كسر القيود الصارمة على المرأة، وهنا تدخل في باب المحظورات، بان تتفق عائلتها والسلطات الحكومية على سجنها مدة 130 يوماً خوفاً من العواقب الوخيمة القادمة (امس كانت شرموطة فقط، اليوم شرموطة وسياسية) ص 218 . سجن تحت الوصايا (سجن نشوى، لكنه تحت السيطرة، او مجرد (قرصة اذن) قبل ان تقع الفأس في الرأس، وتسجن فعلياً) ص 224، لكن خروجها من السجن يعمق جراحها بالهوة داخل نفسها، وتحاول ان تشق حياة خاصة بها .

3 - رجاء: بعد تعرض ابيها المقاول الى اصابة خطيرة في العمل، بكسر في عموده الفقري، اقعده في البيت والمرض، وصرف امواله على العلاج دون فائدة، مما اضطرت (رجاء) ان تنزل الى سوق الدعارة والبغاء بعلم اهلها، من اجل مواصلة العيش والعلاج، بذلك انخرطت في العمل ك (مومس) تعرض خدماتها على الزبون المحلي والخليجي، والامريكي، وخاصة هؤلاء بدأوا يتواجدون بكثافة في المنطقة العربية والخليج، من اجل الدفاع عن الشرف العربي الممزق (الفرج) وهذا يتطلب برد الجميل والمعروف الى الاصدقاء الامريكان، بتوفير الخدمات الترفيهية ومنها اشباع شبقهم وغريزتهم الجنسية، للدلالة على الكرم العربي، وذلك بتشغيل ماكنة توفير المزيد من العاهرات وتوسيع تجارة السماسرة و (القوادين) في توفير المتعة الجنسية الباذخة بالاباحية الى اصدقاءنا، حتى يحافظوا على الشرف العربي، لكن دون غشاء البكارة . واستطاعت ان توفر لعائلتها الحياة الملائمة في العيش والسكن (فيلا) وتحاول كسر قيود المجتمع، بخلع الحجاب، لكنها تصاب بالفشل والاحباط، اذ منعها الحرس الجامعي من الدخول بحجة انها سفور، وتواصل مقارعة الحياة، حتى تحصل على الشهادة الجامعية، وتختار العمل الخاص بفتح شركة مع صديقاتها (نشوى . زينب) وتحمل الشركة اسماء حروفهن الاولى (نشوى، رجاء . زينب . N . R . Z) .

4 - طارق: رجل الدين (فقيه وامام جامع) المصاب بالهوس الشذوذ الجنسي والاغتصاب، منذ شبابه وهو مهووس بالعادة السرية، ومتزوج من اربعة نساء (بشرى زينب . ندى) واخيراً تزوج (سعاد) اكبر عاهرة معروفة في صنعاء بحيث تستخدم (الوزراء تحت تصرفها) مصاب في حالات الشبق الجنسي والاغتصاب بشكل غريب، ومن حالة التشدد الى حالة الانحلال الخلقي، بحيث يدعو اصدقاءه الى ممارسة البغاء على زوجته (ندى) امامه، رغم انه يحمل ازدواجية الشخصية، في الظاهر رجل دين طاهر وعفيف، وفي الباطن الشذوذ الجنسي والاخلاقي، واخيراً يخلع الثوب الديني، ويتحول الى كبار رجال الصحافة، رغم انه لم يكتب حرفاً واحداً .

5 - ندى: الطفلة عمرها 13 عاماً، تتزوج من رجل الدين (طارق) حسب رغبة ومشيئة والدها، باعتبار زواجها هذا يحفظ عفتها وطهارتها ونظافتها، ويصونها من موبقات الحياة الشاذة، لكن تصتدم بحياة قاسية وظالمة، اذ يعاملها زوجها ك (مومس) في شوارع البغاء، وليس كزوجة مصانة تحفظ شرفها، ويستغل سذاجتها وطفولتها، بان يداهم غرفة نومها مع اصدقاءه ويتركهم من اجل ممارسة البغاء معها، ولكن عندما وجد الممانعة والرفض، حاول ان يوقعها في مكيدة شيطانية، بتحريض اخوتها على قتلها، بحجة استخدام بيته للدعارة دون علمه، وبالفعل يداهموا اخوتها غرفة نومها، لكن يجدون احدى صدقاتها نائمة معها، وتيقنت بان حياتها في خطر القتل بوجودها في بيت زوجها المصاب بالشذوذ الجنسي . وتهرب وتختفي، تبتلعها الشوارع والذئاب الوحشية بالجنس، ويرسل (طارق) ورقة طلاقها، لكي يتخلص من عارها وقتلها، ويحاول الاهل والصديقات البحث عنها، وبعد جهد من البحث، يجدونها جثة مرمية في احد الشوارع، ولايعرفون شيئاً عن طفلها او طفلتها، ولم يتسلم الاهل جثتها خوفاً من العار والفضيحة .

6 - امين: شقيق (طارق . نشوى، سامية، سلوى . سامية . عارف) عائلة التاجر المعروف (قاسم عبيد) . تتسم حياته بالتناقض بالتطرف من اقصى اليمين الى اقصى الشمال، من كان شاب متهور بالعربدة والطيش والخمور والبغاء والقات . ومن غرفته مملوءة بالصور . جون ترافولتا . جيمس بوند . عبدالحليم حافظ . نجلاء فتحي . صور جيفارا، الى التعصب والتشدد الديني داخل البيت وخارجه، ثم ينضم الى الجماعات المتطرفة والارهابية، حتى اعتقدوا اهله بانه من المشاركين في العمل الارهابي في نيويوك، ولكنهم يعرفون في الاخير، بانه سجين في سجن الامن السياسي، وهو متزوج، ويرسل رسائل الى شقيقه (طارق) قبل اختفاءه، تتضمن ورقة طلاقه من زوجته، ومطالبة شقيقه ان يتزوج زوجته ويرعى اطفاله، بحجة انه ذاهب الى ساحة الجهاد .

7 - عائشة: لم يرد ذكرها في الرواية، إلا بشكل هامشي في الثلث الاخير من الرواية، بانها ولدت في السجن من امها المسجونة، وحين توفيت تولت رعايتها وتربيتها السجينات وخاصة (سعدية) حتى كبرت في داخل اسوار السجن والضياع فيه، واعتبرت السجن بانه موطنها الاصلي، بذلك خرجت مرتين وتعود اليه، الى موطنها الاصلي، او بالاحرى موطنها الانتخابي .

 

رسوم الشخوص ورمز الحذاء:

انها رواية مرسومة بدقة، في شخوصها بان يتحركون بشكل ديناميكي نابض ومتنقل، وليس البقاء على رتابة واحدة من الجمود والتقوقع، وهذه الخاصية اعطت للرواية قيمة اضافية، اذ لم تستسلم شخوصها النسائية الى تعاطي الدعارة والبغاء والخمر والقات، بالخضوع الكلي والقبول بهذه الحياة الوخيمة والظالمة ، بل حاولن ان يتجاوزن هذا الطوق الصارم والانطلاق الى الحياة والعمل بشكل ناجح وقدير، لذلك انهين دراستهن الجامعية، وفتحن مشروع شركة ناجح، يحمل الحروف الاولى من اسماءهن (N . R . Z) وتسلقن على تطويع الظروف ليكن من نساء المجتمع، بعيداً عن التحكم الذكوري، ونجحن في عملهن وحياتهن بشكل قدير . هذا التحول النوعي يبعث رسالة تحدي وعدم الرضوخ الى العادات والتقاليد، التي تجحف وتظلم المرأة، وهذه بادرة ايجابية من الكاتبة، باعتبار بان المرأة قادرة على اقتحام الاعمال الرجالية، وادارتها بشكل ناجح، وكذلك تؤكد من خلال العمل يمكن ان تحصل المرأة على بعض حقوقها الضائعة .

رمزية الحذاء: فهي متنوعة بالمعنى والاغراض والمقاصد والتعبير،وتختلف من حالة الى اخرى حسب الحاجة الى (زوج حذاء) . في شخوص الرواية، فاما بالنسبة الى حالة (عائشة) فانها بحاجة الى زوج حذاء ليحميها من الظلم المجتمع . اما في حالة (نشوى) بانها ليس بحاجة ان تكون زوج حذاء لاحد، بمعنى رفض الوصاية والتسلط . اما بالنسبة الى (قاسم عبيد) الاب المصاب بالتهور الجنسي، والتاجر الكبير، الذي يعرف كيف يستغل الازمات، بتخزين البضائع، وطرحها في الاسواق في الوقت المناسب الذي يكسب اربحاً وفيرة ومضاعفة، ورمزية الحذاء بانه يمثل النفاق والتملق والخداع حتى يكون ثروة طائلة .

 

الهفوات الصغيرة في الرواية:

لاشك ان الرواية انجزت مهمتها على احسن مايرام، وبالاسلوب السردي الشيق، وعكست صورة الواقع العربي، باحسن اسلوب تعبيري، وخاصة تعامل المجتمع مع المرأة، وطرحت القضايا الساخنة، مثل التطرف الديني وتعدد الزوجات، والزواج من القاصرات، ولكن الرواية تتحدث عن زمن ما يقارب العقدين من السنين، لذا في بعض الاحيان، يكون الرجوع الى التاريخ الماضي يتلبس على القارئ في تنسيق يبدو في بعض الاحيان غير مرتب، وكذلك مسألة الانتقال والتقطيع من الضمير المتكلم الى الضمير الغائب، بعض الاحيان غير منسق مما يخلق حالة من التشويش لدى القارى في متابعة شخوص الرواية، والشيء الاخر، يبدو بان للكاتبة   يهمها زيادة عدد صفحات الرواية (وهي 384 صفحة) بالاطالة وبعض الاحيان بالحشو غير المبرر، مثل ذكر الحرب الحوثية وغيرها من الاستطرادات الزائدة، ولكن الميزة التي تمثل الفطنة بالذكاء الروائي، بان الكاتبة تعمدت اعطى المعلومات حول الشخوص بالقطارة، من اجل شد القارى الى متابعة التفاصيل الباقية، ومع هذه الهفوات الصغيرة، تبقى رواية (زوج حذاء لعائشة) بانها انجزت مهمتها بشكل خلاق، في عمل روائي رائع، بان يكون صوت لمناصرة المرأة

 

جمعة عبدالله

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3181 المصادف: 2015-05-22 00:21:45


Share on Myspace