المثقف - قراءات نقدية

عن قانون التشابه في الأدب

saleh alrazukقرأت في قاب قوسين مقالة مقتبسة من (الحياة) عن تشابه عمل لواسيني الأعرج وبوعلام صنصال.

لا داعي للقول إن هذه المقالة استباقية. فنحن لم نقرأ أيا من الروايتين موضوع النزاع. ولكن لا أجد أية غرابة في ظهور عملين عن موضوع واحد وفي أوقات متقاربة.

لو عدنا بالذاكرة إلى الماضي. لسنوات قليلة خلت لا بد أن نتذكر رواية (كولم تويبين) المرشحة للبوكر البريطانية وأقصد بذلك (المعلم / Th Master). كانت عملا إبداعيا يستلهم من حياة وكتابات رائد الرواية المعروف (هنري جيمس) ومشكلته الوجودية مع هويته. فهو أمريكي عاش في إيرلندا. وكانت له أسراره الجنسية التي يتكتم عليها. في المقدمة شذوذه. وفيما أرى استفادت (المعلم) من هذه الحياة الحافلة بالدراما لتحويلها إلى رواية.

في نفس العام ظهرت للروائي والباحث البريطاني (دافيد لودج) رواية عن الموضوع ذاته بعنوان (المؤلف.. المؤلف)، تناول فيها حياة وممات هنري جيمس.

لم يكن يوجد أقل مستوى من التنسيق بين الكاتبين. بالعكس هما على خلاف وتنافر. لودج أكاديمي من نمط أوستين البارد. وتويبين يعاني من كل أنواع الحمى: في الأدب وفي الحياة. حتى أنه يعتبر نفسه مثلثا أسود لأنه إيرلندي وشاذ جنسيا وينتمي لما يفرض عليه في مستوى اللسان الأم، بمعنى إنه لا يكتب بالإيرلندية ولكن بلغة التاج queens language.

وأنكر لودج في مقال نشرته الغارديان أنه يعرف تويبين. ولكن التقاه في بيت جيمس حين كان يجري تحريات لكتابة روايته. وله في ذهنه صورة شاحبة ومهزوزة. وأضاف لقد اطلع على النبأ من إحدى الصحف وهو في طريق العودة إلى بيته على متن القطار.

وأصابه من جراء ذلك التلبك والإعياء النفسي. حتى أنه صاح : اللعنة. كما فعل أرخميدس وهو يفكر بقانون الكثافة حين صاح وجدتها.

هذه الصدفة سبقتها صدف كثيرة. والمدونات الأدبية لا تبخل علينا بالأمثلة. وفي مقدمتها رواية ماركيز الهامة (في ساعة شؤم) التي تشابهت مع عمل (نور في آب) لفوكنر مؤسس أدب تيار الشعور الأمريكي.

فالعملان عن جريمة عرقية وفرار القاتل والمطاردة المرعبة التي تعرض لها قبيل قنصه.

ولا يفوتني هنا أن أذكر عشرات الأمثلة من هذا النوع.

أولها (شلومو الكردي: أنا والزمان) لسمير القصير والتي تتكلم عن يهودي من بغداد يهاجر إلى إسرائيل قسرا ولا ينسى بلد طفولته. ويستمر في البحث عن طريق للعودة من خلال التنقل بين عدة بلدان بأسماء منتحلة ومنها: إيران وإنكلترا ومصر. ألا تذكرنا هذه الوقائع برواية (حارس التبغ) لعلي بدر. فهي مثلها حكاية موسيقار يهودي يهرب إلى إسرائيل. ويعيش هناك تحت الإحساس بالخطيئة والندم. وفي نهاية المطاف يعود بأسماء منتحلة مرورا بطهران ودمشق.

ثم من ينسى رائعة كازانتزاكيس (زوربا) التي عربها حنا مينة في واحدة من أعماله المؤثرة (الشمس في يوم غائم). لقد كانت تقف وراء هذه المشابهات قرائن قوية تؤكد ما نسميه مثاقفة (ولا أريد أن أسقط التناص من حسابي). فمينة مثله مثل كازانتزاكيس، متحالف مع اليسار الشيوعي. بمعنى أنه من أنصار البروليتاريا والطبقة العاملة إنما بفلسفته المعدلة والتي لا تهمل دور الخاص في تدوير الأفكار العامة.

ولو هناك شخص واحد سينكر تأثر الروائي السوري المتميز بجوهرة أعمال الكاتب اليوناني المعروف لن يكون أنا. ناهيك أن زوربا تحول إلى أسطورة لها سلطة على كل الأدب المعاصر والحديث. غير (زوربا البرازيلي) لخورخي أمادو كتب عنه البياتي بعض القصائد. وأعاد استعارة صورته وما تحمله من افتراضات الشاعر (أديب كمال الدين).

إن الأمثلة عن التشابه لا متناهية.

ومن المشهد الراهن يمكنني الإشارة إلى رواية (غراميات بائع متجول) لبرهان الخطيب والتي صدرت في العام الماضي في الوقت الذي يستعد له القاص (سعد محمد رحيم) لإصدار عمله (مقتل بائع الكتب).

فالبائع الجوال في رواية الخطيب هو نفسه بائع الكتب القتيل في رواية رحيم. واللافت للانتباه أن العملين عن غزو العراق وتداعيات ذلك على مصائر الشخصيات.

ولكن يبقى لكل كاتب أسلوبه وجوه المتميز الذي يستبعد أية شبهة بالتقاطع والاقتباس.

لطالما واجه أدونيس في حياته تهمة الاستفادة مما يترجم. والواقع أن الذهن البشري له طريقة في استيعاب وتخزين المعلومات ثم تحويلها إلى أفكار وصور.

من منا يستطيع أن ينفي تداول فكرة الطوفان في الأساطير والملاحم القديمة ثم عودتها للظهور في عصر الكتابة داخل نصوص لها صفة لا يمكن المساس بها وهي الكتب المقدسة..

توجد افتراضات كثيرة في الأدب بحاجة إلى إعادة تصويب. ومنها خدعة الواقعية السحرية المنسوبة إلى جيل من الأدباء السياسيين في أمريكا اللاتينية. فأنا أعتقد أن لو شين الصيني (وأعترف أنه ليس ذائع الصيت) قد وضع الأسس لهذا النوع في روايته الصغيرة والمدهشة (قصة آه كيو الحقيقية). ولكن يمكنني أن أجزم أن سوناتات ومسرحيات لوركا كانت سباقة في تدويل الواقع الغريب وانحرافاته. وقد أثرت بجيل من أدباء جنوب أمريكا.

حتى العرب لدينا رواية مشتركة لا نذكرها إلا لماما تعاون في كتابتها عميد الأدب العربي طه حسين ورائد المسرح الطليعي توفيق الحكيم وهي (القصر المسحور).

هذه الرواية التي تقفز من فوق الصور المسرفة بشحذ المخيلة تضع بين أيدينا مفاتيح الواقعية السحرية.

ولا أريد أن يفهم أحد أنها أثرت بواقعنا الأدبي الراهن. فهي تكاد تكون في خزانة ميتة. لا ينتبه لها أحد. وبيننا وبين جيل الرواد ما يشبه القطيعة . وواقعيتنا السحرية امتداد لفكر سياسي هيمن على عقولنا في الثمانينات ومن خلال نافذة الأدب الفرانكوفوني.

وللختام..

إن رائعة واسيني (البيت الأندلسي) تتقاطع مع عمل متميز لعلي المقري وهي (اليهودي الحالي). وكلاهما من نفس الدائرة التي رشحت للبوكر العربية دون أن تحصدها.

في الأولى نوستالجيا لماضينا في الأندلس. وما لاقيناه من عنت وتغرب واستلاب. وفي الثانية حنين جارف للحب الممنوع و ما يتبع ذلك من دمار نفسي ممنهج له طابع المدونة التاريخية . ولكن هذا لا يعني شيئا.

في كل من العملين قانون إنساني يدفع الأدبية بالاتجاه السائد.

وشكرا...

 

صالح الرزوق

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3210 المصادف: 2015-06-20 21:35:43


تعليقات فيسبوك

 

 

العدد: 5775 المصادف: الثلاثاء 28 - 06 - 2022م