المثقف - قراءات نقدية

"نيوز بار" و شعرية توبيخ العالم

ahmad alshekhawiمن يتأمل مجمل نصوص جورج ضرغام،يخلص إلى أن الرجل يطل على العالم من زاوية استثنائية جدا.

تحديدا، من نافذة الصحفي الأشد التصاقا بما يفرزه الراهن من مستجدات وتطورات متسارعة ، بديهي أن يكون الضلوع الأكبر فيها،لأيادي التحريف المخططة لمساحات وهوامش إضافية مكرسة للهيمنة و الإستقواء و الإستنزاف والوصاية الذكية على الشعوب المنكوبة والمأزومة أصلا .

هو الشاعر المصري والصوت المهجري الذي لا يشُفى غليله بغير صهر الحدث الآني الطازج،و تفريغه في أوعية عبير العاطفة الواعية،مقترحا على الذائقة المتجددة،مجموعة لوحات شعرية منيعة العذرية،فوضوية و مقلوبة، رؤوسها إلى الأسفل، تتخطى فعلتها بالمتلقي حدود الدهشة إلى مستويات إرباكية.

في هذا النص الآبق والمنكفئ على مناخات غرائبية تعكس تفاصيل الواقع بعقلية متعصرنة و بمصداقية تامة،ما لنا بد من الخوض في جزئيات معينة هي بمثابة روافد تصب في ما تفيده الحقول الدلالية التي تنسجها إيحاءات العنونة.

نيوز بار :

إن الشق الأول من العنونة موح جدا ودالا على ما يفتح إدراك القارئ على سلسلة من الأسطر التعبيرية المرقمة و المغرقة في زخم كرنفالي من الرسائل الإخبارية ،إذ يتم تمريرها على نحو رائق غير يابس ،ولا يخلو من جماليات تضمن انتشاء يغذي كافة الحواس حدّ الإشباع.

فيما يحيل الشق الثاني،على مكان الممارسة الروتينية بصرف النظر عن ولوج متاهات التصنيفات والتعريفات. تلكم الممارسة المتيحة للروح فضاءات الترويح والإنفلات اللحظي من نير أعباء و ضغوطات الزمن الآلي الصارخ بكوارثه وإكراهاته.

 

1ــ أحمر الشفاه بالمجان.. أول آذار.

2ــ زلزال مدمر يضرب خصر حبيبتي.

3ــ أجمل الكوارث : الحب حين يقع.

 

هذا المستهل الجنساني يضع الوجدان مقابل المادية المتوحشة كبيئة حاضنة لتفقيس وتناسل أبشع الكوارث المهددة للطبيعة والإنسان على حد سواء، مع الإشارة إلى أن جانب الجمال في كهذه كورارث، تحوزه ثيمة إنسانية تكنى الحب في أسمى تجلياته.

4 ــ مجلس الأمن يستبدل أعضائه الدائمين بـــ 5 شعراء نثر.

ثمة تنويعا مقصودا في تراتبية الخطاب الإخباري وأخذه منحى تصاعديا،يقتضيه زمن إيصال الفكرة أو المعلومة الساكتة ماهيتها عن ما يراد به توبيخ العالم،تقيدا بلغة مكثفة مقتصدة،وبعيدا عن أي من الإستخدامات الإرتجالية والمجانية للمكون اللفظي.

هنا نسجل نقلة تعبيرية ساخرة،وتعريج هزلي يستنطق المخيلة ويدين أكبر هيئة سياسية تخلت عن دورها الإنساني المفترض،و زاغ إلى حد كبير عن الأهداف النبيلة، وبات أشبه بدمية بيد اللوبيات المتكالبة على كل ما يحقق حرية وعدالة وكرامة الإنسان.

5 ــ إحباط محاولة تسلل جماعي لأسناني أثناء مرور نهدين صغيرين وصاحبتهما حاملة اللهب.

6 ـــ الأحد عطلة رسمية .. عيد الراقصات صانعات البهجة.

إلتفاف على العوالم العاطفية باعتبارها المتنفس والنواة التي تكفل منح التوازن والأنفاس الجديدة لاستئناف النضال ضد شتى المناحي الحياتية.

7 ــ خبراء الأرصاد يتوقعون سقوط أمطار ملونة.

8 ـــ إيداع مدفع حربي حديقة الحيوانات بعد سلخ جلده وتسميته بــ " الزرافة النافقة "

9 ــ توقيف ناقة صلعاء على الطريق الصحراوي كانت تركب "داعشي" بالمقلوب وتسير عكس الإتجاه.

إنه توظيف محكم لبعض عناصر الطبيعة بمعزل عن أي إسراف كلامي أو فخفخة منفرة في تقمص النفسية الإيجابية التي تتيح جرأة اقتحام مخابئ المعنى العام والغرض الرئيسي الذي تمثله اتجاهات النص في كليته.

أيضا، اقتضى السياق في سرديته ،تطعيم العملية الجردية بآفات عصرية، ضمن تسلسل منطقي لتعاقب منظومة أحداث أمكنها تغيير مجرى التاريخ وقلب الموازين وإرباك الحسابات .

كالظاهرة الداعشية وليدة السياسات القاصرة والشاذة والعمياء تجاه مصالح ومصائر شعوب البعض من الدول العربية.وهي ظاهرة لم تأت من فراغ بقدر ما كانت لها مقدماتها وأسبابها وبواعثها بكل تأكيد.

10 ـــ بريتون لم يمت..كان يمازحكم اللعين.

تلميح ذكي خاطف ، و إشارة رمزية إلى اتفاقية بريتون وودز، كفخ معسول ما تنفك تقع فيه العديد من الدول الفقيرة والنامية التي سرعان ما تضطر تخضع لعبودية قاهرة تتم ممارستها عليها من طرف الأنظمة الرأسمالية الإقطاعية التي غالبا ما تغلف بشفقة اللص الطامع ، ما تمنح من قروض أو هبات ، بعيدا عن الوازع الإنساني أو الضمير وما شاكله.

11- القبض على خلية إرهابية حاولتْ تفخيخ فخذ نحلة.

12- انفجار نهد وسط منطقة مكتظة بأصابع الشعراء

13- المصابون: دوي القنابل أشـد طربًا من صوت امرأة لا تغني

14- العثور على جثة سكين طعنته حمامة وضحكتْ.

15- جنود الاحتلال يرحلون على متن غراب أبله.

16- البرابرة يحلقون لحاهم ويثبتون ذيل طاووس مبتسم.

على طريقته وبذات إبداعية مراوحة بين القلق والتشكيك،يسترسل شاعرنا في توبيخ يوبخ هذا العالم الموبوء المضطرب.

وفي اعتقاده ،بدورها اللحي طالها الزيف وبات أصحابها يتاجرون باسم الدين الذي هومنهم براء.

هؤلاء الذين حطموا كل الأرقام القياسية في البربرية والهمجية بأفظع صورها،فعاثوا فسادا وتخريبا ومجاراة لنواميس الفطرة وكل تعاليم الرسائل السماوية الداعية إلى الوسطية والأعتدال و نبذ أشكال التطرف والتعصب والدموية.

هؤلاء الذين استباحوا الدماء واسترخصوا الأرض والعرض،أما كان يجدر بهم قطف العبر من تجارب سابقة راكمها التاريخ.؟

في زمن العولمة وادعاء التحضر، ما الذي يمنع أتراب هؤلاء أن ينتهجوا سلوكيات النحلة التي لا تستهلك إلا طيبا و لا تنتج إلا أطيب؟

17- الشاعر يُلمع قصائده.. الغيم مناديل معطرة.

18- العاشق يذهب مبكرا ويفرك عين الورد النائم.

هو زمن النفاق السياسي وأقنعته وما يترتب عليه من كوارث بيئية واجتماعية وأخلاقية،شاهدة على جور وأنانية وجبروت الإنسان النفعي المادي الصرف المتاجر في قناعاته ومبادئه وأفكاره.

هو زمن السادية المتعسف والمتسلط ،والماثل في مرايا مضللة مراوغة، كما يسوّقه ويروج له أرباب الدول العظمى، لا كما يشتهيه الشاعر والعاشق في نهلهما من قاموس واحد ، يبتغيان ترجيع كفة الإنساني على ما سواها. لا يكترثان بما يقدمان من قرابين وتضحيات في سبيل نشر الخير والمحبة والسلام وانتشال العالم من بهيميته وغريزيته وجنونه وألوهيته كذلك.

19- الشجرة تشنق 7 بنادق كي تلد العذارء طائرا بـ 7 أرواح ملونة.

20- القفاز يشتري كفين عاشقين.. ويهديهما خاتما وديوان شعر.

21- العصافير تلقي النكات على الصيادين.. وإصابة صياد بهيستريا.

22- المجاعة تجهض نسلها.. لن تبيض بطون تئن.

23- رجال الدين يعلنون إضرابهم عن العمل: على البشرية أن تبتهج قليلا.

24- الفراشات تتبرع بأجنحتها كراسات رسم لأطفال المشافي.

25- الحسون يجرب صوته قبل أن يلقي خطابا مهما على شعب. الأغاني.

26- فنجانٌ يدعو نادلا لتقاسم رائحة القهوة وشفاه الجميلات.

27- الحنجرةُ تسب الصرخة بأمها...

دائما وعبر ذات الإيقاع الداخلي اللاهث ، تتدفق الشعرية الموغلة في طقوس توبيخ العالم.

شعرية غير مهادنة وليست حاقدة أيضا،تنساب من حنجرة الغضب كما يمليها اختمار المعاناة . اتكاء على تجربة مهجرية واعية،تقترح على المتلقي خلطة بوح سحري تتداخل وتتكامل ضمن حدوده أسئلة واستنطاقات سياسية وأخلاقية واجتماعية وعاطفية رامية إلى تقريب فهمنا من عوالم معتمة على مفهوم ومعطى وبعد تختزله مفردة ما نصطلح عليه" حضارة"...

 

أحمد الشيخاوي

شاعر وناقد مغربي

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3252 المصادف: 2015-08-01 00:15:28